النشاط الفلسطيني في الغرب بعد السابع من أكتوبر: الفرص والتحديات

يونيو 2026
محامية في مجال حقوق الإنسان وزميلة أولى في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي
3 يونيو، 2026

المقدّمة

لا يشكّل الفلسطينيون المقيمون خارج الشرق الأوسط سوى نسبة ضئيلة من إجمالي عدد المغتربين، تتراوح بين 5 و8 في المئة، أي ما بين 740 ألف و1,1 مليون نسمة.1 لكن بما أنّ معظمهم يعيشون ضمن أنظمة ديمقراطية ليبرالية، فإنّهم يمارسون تأثيراً على النشاط العالمي بما يفوق حجمهم، دعماً لحقوق الفلسطينيين الوطنية، ولا سيما الحق في تقرير مصيرهم. كما اضطلعوا بدورٍ محوري في رسم ملامح النقاش العالمي حول قضية فلسطين-إسرائيل. وفي ظلّ تفاقم الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية وتنوّع التجارب المعيشية، منح النشاط السياسي والعمل التنظيمي للجاليات الفلسطينية في الشتات مساحة جامعة وفرصة لتعزيز التماسك الاجتماعي خارج وطنهم الأم. لقد تغيّرت سمات نشاط الشتات ونوعيّته مع اختلاف موجات هجرة الفلسطينيين إلى الغرب والأحداث السياسية والتدهور المؤسساتي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بالإضافة إلى سياسات التمييز التي تنتهجها الدول المضيفة بهدف تقييد هذا النشاط أو قمعه.2

ينظر هذا الفصل في الجاليات الفلسطينية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا بهدف فهم: (1) كيفيّة تطوّر نشاط الشتات الفلسطيني والدور الذي يضطلع به في الحركة العالمية من أجل حقوق الفلسطينيين؛ (2) التحديات والفرص التي يواجهها الناشطون منذ السابع من أكتوبر 2023؛ (3) مستقبل “خطة السلام” الأمريكية للفلسطينيين والإسرائيليين في ظلّ تدهور النظام القانوني الدولي.

التاريخ الحديث وسمات الشتات الفلسطيني في الغرب

وصل المهاجرون الفلسطينيون إلى الغرب في أواخر الستينات غداة حرب 1967 بين العرب وإسرائيل، في ظلّ غياب مؤسسات وطنية قادرة على دعم النشاط السياسي أو توجيهه في دول المهجر. وكانت الجاليات الفلسطينية الصغيرة المقيمة أصلاً في أمريكا الشمالية والجنوبية ذات أغلبية مسيحية، وكان عدد من أفرادها قد تلقّى تعليماً ما بعد الثانوي، ما سهّل اندماجهم الاجتماعي بمساعدة الكنائس المحلية في أغلب الأحيان. وتركّز نشاطهم على الكتابة السياسية والانخراط المباشر مع صنّاع السياسات والمسؤولين أكثر منه على الاحتجاج في الشارع.3 غير أنّ الموجات اللاحقة من الصراعات الإقليمية والاضطرابات السياسية كثّفت هجرة الفلسطينيين إلى الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك الصراع بين منظمة التحرير الفلسطينية والأردن عام 1970، والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 والحرب الأهلية، والاحتلال العراقي للكويت عام 1990، وما أعقبه من طرد جماعي للفلسطينيين من دول الخليج.4

في أعقاب استيلاء حركة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، ثم الاعتراف الدولي بها عام 1974، وافتتاح مكاتب دبلوماسية في العواصم الغربية، اكتسبت الجاليات الفلسطينية مظلّة مؤسساتية أتاحت لها تنسيق نشاطها الثقافي والسياسي ودعمه. وفي صلب هذه الجهود، برز دور “الاتحاد العام لطلبة فلسطين” (GUPS)، وهو عضو مؤسّس في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي ربط الطلاب الجامعيين حول العالم بالحركة الوطنية، وعزّز البرامج الثقافية، وساعد في توجيه النشاط نحو فلسطين. وفي ذروة النشاط في السبعينات والثمانينات، حافظ طلاب الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذين ينتمي الكثيرون منهم إلى الجيل الأول من المهاجرين إلى الغرب، على روابط فاعلة مع الحركات والفصائل السياسية الفلسطينية، ما أتاح نقاشاً مستداماً حول توجّه الحركة الوطنية وأولوياتها وأهدافها الإستراتيجية.5

كانت هذه الحركات قومية ويسارية وعلمانية ومناهضة للاستعمار، وشملت حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والحزب الشيوعي الفلسطيني. وبفضل طابعها الثوري، وجدت قضيةً مشتركةً مع نظيراتها في الغرب، بما فيها نشاط الحقوق المدنية والحركة المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا. أما في أوروبا، حيث تُعدّ الجاليات الفلسطينية أصغر حجماً وأكثر تشتتاً، فقد تمّت قنونة النشاط عبر مجموعة من الجمعيات الثقافية ومجموعات التضامن. وفي العام 1986، أُنشئت “هيئة التنسيق الأوروبي للجان وجمعيات فلسطين” بهدف تعزيز عمل مختلف المنظمات. وفي الولايات المتحدة، ساعدت المجموعات الاجتماعية القروية، المنحدرة من بلدات مثل رام الله، والبيرة، ودير دبوان، وبيرزيت، في حشد الاحتجاجات رداً على الأحداث الجارية في الوطن.

شكّل التوقيع على اتفاق أوسلو عام 1993 تحوّلاً جذرياً في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية من التحرير الوطني إلى بناء الدولة في غزة والضفة الغربية، بما ترتّب عليه من تداعيات على الجاليات الفلسطينية في الشتات. ونشأ شرخ بين قيادة السلطة الفلسطينية التي تأسّست حديثاً والناشطين المنتمين إلى الفصائل السياسية الفلسطينية وشرائح الشتات المعارضة لاتفاق أوسلو.6 وقد تمحور الانتقاد الرئيسي حول ما إذا كانت صيغة أوسلو لـ”الأرض مقابل السلام” قد ضحّت بحقوق اللاجئين ومطالبهم، ونقلت مركز ثقل حركة التحرير من قضيّتَي جبر الضرر والعودة إلى فلسطين التاريخية، إلى مشروع بناء الدولة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وإذ فقدت منظمة التحرير الفلسطينية مصادر التمويل التقليدية المتأتية من الدول الخليجية، واُعيد تحويل مساعدات الجهات المانحة نحو بناء الدولة الفلسطينية الناشئة، أُفرغت المنظمة ومؤسّساتها من مضمونها لصالح السلطة الفلسطينية. وبالتالي، أصبح نشاط الشتات منفصلاً عن الإطار السياسي الوطني المنظّم. وفي غياب دور منظمة التحرير الفلسطينية التوجيهي والتنسيقي، فقدت الجاليات الفلسطينية في الولايات المتحدة، لفترة معيّنة، قدراً من ترابطها مع حركات النضال الأخرى المناهضة للإمبرالية. ولكن حتى في أوساط المغتربين الذين دعموا عملية أوسلو للسلام والمفاوضات مع إسرائيل، شهد العمل السياسي المنظّم من أجل فلسطين حالة من الجمود خلال سنوات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المتقطّعة.

عاد العمل التنظيمي للحركة الوطنية إلى الواجهة في ظلّ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000. كما استعادت التعبئة دفاعاً عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين زخمها، لا سيما من خلال تأسيس منظمات مقرّها الولايات المتحدة، مثل ائتلاف “العودة” لحق العودة، وهو جمعية ديمقراطية عالمية غير حزبية تضمّ ناشطين قاعديين وطلاباً. وكثّفت المنظمات الفلسطينية، مثل “مركز بديل لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين الفلسطينيين” في بيت لحم، الإنتاج المعرفي حول حق العودة.

نشاط الفلسطينيين في الشتات بعد انهيار اتفاق أوسلو

إبان الانتفاضة الثانية وفي أعقابها، تركّز نشاط الشتات الفلسطيني في الغرب بشكلٍ مطّرد على انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، ولا سيّما عمليّات القتل خارج نطاق القضاء وتواطؤ حكومات الغرب في تزويد إسرائيل بالمساعدات العسكرية وبالأسلحة. وفي ظلّ انهيار عملية أوسلو للسلام، انتشر التأطير المناهض للفصل العنصري على نطاقٍ أوسع.7 وفي الولايات المتحدة، تمحور نشاط الفلسطينيين في الشتات ومجموعات التضامن، على غرار “العودة” و”الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي” (التي سُميّت لاحقاً بـ”الحملة الأمريكية من أجل حقوق الفلسطينيين”)، وهي منظمة جامعة تضمّ أكثر من 200 مجموعة شعبية على امتداد البلاد، إما حول الدفاع عن مطالب حقوقية معيّنة، وأبرزها حقوق اللاجئين، وإما حول فضح تورّط الولايات المتحدة في انتهاكات حقوق الإنسان في الخارج. وتجنّبت معظم الجهود التنظيمية عمداً الترويج لنتيجة سياسية محدّدة، تفادياً للانقسامات الفلسطينية الداخلية على النقاش بشأن حلّ الدولة الواحدة مقابل حلّ الدولتين، أو لأنّ منظمات متعدّدة ضمّت أعضاء غير فلسطينيين الذين لم تكن لديهم مصلحة مباشرة في أيّ إطار سياسي محدّد. وعليه، اتّجه نشاط الفلسطينيين في الشتات وحلفائهم نحو التركيز على دور بلدانهم في دعم الاحتلال العسكري الإسرائيلي وانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان.

حين شنّت الولايات المتحدة “الحرب على الإرهاب” في أعقاب هجمات 11 أيلول 2001، ضاقت المساحة السياسية المتاحة للعمل التنظيمي الفلسطيني في الغرب إلى حدّ كبير. ولمّا بدأت الفصائل الفلسطينية المسلّحة بتنفيذ هجمات انتحارية ضد إسرائيل، نجحت المنظمات الموالية للصهيونية في تصوير أيّ مقاومة فلسطينية في الخارج وحتى الدفاع عن حقوق الإنسان كشكلٍ من أشكال دعم الإرهاب.8 علاوة على ذلك، بفعل تكثيف المراقبة الأمنية والإجراءات الشرطية المفروضة على المجتمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة من خلال آليات مثل “فرق العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب”، ودور واشنطن القيادي في مكافحة الإرهاب وتتبّع مصادر تمويل الإرهاب على الساحة العالمية، أصبح من الصعب على فلسطينيي الشتات تنظيم نشاطهم بصفتهم الفلسطينية المعلنة.9 لذا، كان نشاط الشتات من أجل فلسطين يتمّ في إطار ائتلافات مع منظمات وحركات أخرى قائمة على خلفيات دينية وتُعنى بحقوق الإنسان والحقوق المدنية.

وفي ظلّ انحسار الانتفاضة الثانية عام 2005، واستئناف عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وتراجع التهديد المتصوَّر للإرهاب العابر للحدود على الولايات المتحدة، عاودت الجاليات الفلسطينية العمل التنظيمي السياسي بنشاطٍ أقوى في الغرب. فنسجت شبكات جديدة وأعادت إحياء شبكات أخرى داخل الطوائف المسيحية الكبرى ومنظمات المجتمع العربي الأمريكي، ومنظمة “المسلمون الأمريكيون من أجل فلسطين”، ومنظمة “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”، في ظلّ نشوء هياكل موازية في مختلف أنحاء أوروبا والمملكة المتحدة. وعلى الرغم من أنّ الفلسطينيين يُعدّون أقليّة داخل هذه المجموعات، فقد شغلوا مناصب قيادية أو كانوا جزءًا من اللجان التوجيهية.10 وقد تمثّل ركنٌ أساسي من نشاط هذه المنظمات المبكر، لا سيما بعد العام 2005، في دعم الدعوات الفلسطينية العالمية إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS).11

أما داخل المنظمات ذات التوجّه اليساري، فقد تَجدّد التضامن بين مختلف الحركات، رابطاً النضال الفلسطيني بحملات تركّز على حقوق المرأة، ومناهضة العنصرية ضد السود، والقضايا المتعلّقة بالمهاجرين والشعوب الأصلية.12 وقد أسهم هذا الانخراط في تعزيز الوعي والتعليم وتقدير التجارب الحياتية للمجتمعات المهمّشة في المجتمعات الغربية، كما شجّع على الفهم المشترك لأنظمة القمع المنتشرة محلياً وخارجياً والرامية إلى السيطرة على هؤلاء السكان. ونظراً لحجم الجاليات الفلسطينية الصغير نسبياً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا، شكّل هذا الإطار التحليلي المتعدّد الجوانب عنصراً حاسماً في بناء النفوذ السياسي والمحافظة على القدرة التنظيمية الطويلة الأجل داخل البلدان المضيفة.

قمع نشاط الشتات في عصر الإبادة الجماعية: الفرص والتحديات ما بعد السابع من أكتوبر

 

شكّل نشاط الفلسطينيين في الشتات، لا سيما استثماراتهم في بناء الائتلافات بين مختلف الحركات، وانخراطهم في شبكات التضامن وإنتاج السرديات عبر منصات الإعلام غير التقليدية، عاملاً حاسماً في إعادة صياغة الخطاب الغربي بشأن فلسطين وإسرائيل. وقبل السابع من أكتوبر بوقت طويل، أشارت بيانات استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة إلى تحوّل في التصوّرات تجاه الفلسطينيين و”صراعهم” مع إسرائيل لدى ناخبي الحزب الديمقراطي.13

لكن في أعقاب إطلاق حملة الإبادة الإسرائيلية في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، تسارعت هذه الاتجاهات بصورة لافتة. فبحسب استطلاع للرأي أُجري عام 2025، أبدى 60 في المئة من الديمقراطيين تعاطفاً أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 12 في المئة فقط تجاه إسرائيل،14 فيما عبّر أكثر من نصف البالغين الأمريكيين عن نظرة سلبية تجاه إسرائيل،15 وقد ارتفعت هذه النسبة إلى 70 في المئة بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً.16 وتغيّرت كذلك مشاعر الناخبين الجمهوريين على نحو ملحوظ، إذ أبدى 37 في المئة من الجمهوريين،17 ونصف الجمهوريين ما دون سن الخمسين، آراء سلبية عن إسرائيل، في مارس 2025. وبات أكثر من 60 في المئة من الأمريكيين متّفقين على أنّ “إسرائيل تضطلع بدورٍ سلبي في التعامل مع التحديات الرئيسية في الشرق الأوسط”.18

وقد طرأت تحوّلات مماثلة في شتى أنحاء أوروبا، حيث حقّقت أنشطة التضامن بقيادة الفلسطينيين ظهوراً علنياً وتعبئة غير مسبوقة. فشارك مئات الآلاف في احتجاجات داعمة لفلسطين في إيطاليا والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وإيرلندا وغيرها من الدول.19 وعلى سبيل المثال، نُظّم إضراب عام في إيطاليا في أكتوبر 2025 تضامناً مع غزة، وحشد أسطول من النشطاء الدوليين نحو 400 ألف شخص على مستوى البلاد، ما أدّى إلى شلل فعلي في البلاد.20 وفي المملكة المتحدة، شاركت “حملة التضامن من أجل فلسطين” في حشد أكثر من نصف مليون متظاهر احتجاجاً على الحرب الدائرة في غزة عام 2025.21 لا تعكس هذه التعبئة غضباً ظرفياً، بل تحوّلاً ثقافياً وسياسياً دائماً في النظرة إلى فلسطين لدى شرائح واسعة من المجتمعات الأوروبية.

يبدو أنّ الضغوط الشعبية المتصاعدة والانتقادات الواسعة النطاق لتقاعس الحكومات دفعت عدداً من الدول الأوروبية والمملكة المتحدة إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية عامَي 2024 و2025. وأقدمَ الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأعضاء فيه على تنفيذ، أو النظر جدياً في تنفيذ، إجراءات عقابية ضد إسرائيل، بما فيها حظر الأسلحة،22 وسحب الاستثمارات من الشركات المتواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان،23 وتعليق بعض الترتيبات التجارية الثنائية.24 وقد عُمّمت جهود المجتمع المدني الداعمة لحركة المقاطعة على نطاقٍ أوسع. وانضمّ فنانون أوروبيون، بما في ذلك ممثّلون بارزون، إلى مئات من نظرائهم حول العالم في التعهّد بعدم عرض أفلام مرتبطة بالمؤسسات السينمائية الإسرائيلية أو التمثيل فيها أو التعاون معها.25 وأطلقت مجموعات حقوق الإنسان ومشجّعو كرة القدم حملة #GameOverIsrael بهدف إقصاء إسرائيل عن البطولات الرياضية الدولية، في حين دعت منظمة العفو الدولية (المملكة المتحدة) والمكلّفون بولايات من الأمم المتحدة إلى منع الفرق الرياضية التابعة للمستوطنات غير قانونية من المشاركة في المسابقات الرياضية الدولية والفعاليات الثقافية.26

غير أنّ التقدّم الذي أحرزته الأنشطة الفلسطينية والأنشطة التضامنية معها أثار ردود فعل شرسة ومنسّقة. ففي وجه التدهور المتسارع لصورة إسرائيل لدى الرأي العام الدولي، وما قدّمه ذلك من فرص إستراتيجية للفلسطينيين، ردّ أنصار إسرائيل والمؤسّسات الحليفة لها في الغرب بإجراءات عقابية غير مسبوقة. فقد استغلّ داعمو إسرائيل نفوذهم المؤسساتي والمالي والسياسي المتجذّر لتصوير معظم الانتقادات الموجّهة ضد إسرائيل على أنّها خطاب كراهية معاد للسامية؛ ولتجريم النشاط المؤيّد لفلسطين باعتباره دعماً مادياً للإرهاب؛ ولمنع أيّ مشاركة أكاديمية وثقافية متعلّقة بالتاريخ والهوية والتجارب الحياتية الفلسطينية. وفي الولايات المتحدة، شمل ذلك الجهود الآيلة إلى تسخير القوانين الفيدرالية الخاصة بمكافحة التمييز من أجل حظر انتقاد إسرائيل قانونياً داخل الجامعات.

واضطلعت وسائل الإعلام الغربية التقليدية بدورٍ أساسي في صناعة قبول شعبي لحملة إسرائيل العسكرية الإجرامية ودعم الحكومات الغربية لها. وعلى الرغم من أنّ منصّات التواصل الاجتماعي شكّلت عاملاً حاسماً في دمقرطة تدفّق المعلومات من غزة وفلسطين، فإنّها كثّفت ممارساتها الرامية إلى تعديل المحتوى، مستهدفةً بشكل غير متناسب الخطاب المؤيّد للفلسطينيين، من خلال إزالة المنشورات وتعليق الحسابات والقمع الخوارزمي. وعلى الرغم من توثيق هذه الممارسات،27 لم ينفك حجمها وتنسيقها يتّسعان.

وتصاعدت كذلك حملات القمع التي تمارسها الدول. ففي الولايات المتحدة، تعرّضت المجموعات الطلابية ومنظمات التضامن الفلسطينية للحظر أو للطعن في وضعها القانوني كمنظمات غير ربحية.28 على سبيل المثال، صَنّفت الولايات المتحدة وكندا “شبكة صامدون للدّفاع عن الأسرى” كمنظمة إرهابية بسبب ارتباطها المزعوم بـ”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، وهي فصيل سياسي فلسطيني مُدرج سابقاً على قوائم التصنيف، على الرغم من عدم وجود أدلة.29 وفي المملكة المتحدة، اعتُقلت أعداد كبيرة من الأفراد لمجرّد رفعهم لافتات تُعبّر عن دعمهم لحركة “فلسطين أكشن” (Palestine Action)، وهي مجموعة لا تُعد أنشطتها الاحتجاجية، التي يشمل معظمها إلحاق الضرر بالممتلكات، إرهابية بموجب القانون البريطاني، بحسب تقرير استخباراتي بريطاني مسرّب.30 أما في ألمانيا، فقد مُنعت مؤسسة أكاديمية من استضافة طبيب بريطاني لديه خبرة مباشرة في غزة لإلقاء محاضرة عبر الفيديو، بحجّة أنّ انتقاده المتوقّع لإسرائيل قد يُفسَّر على أنّه معاداة للسامية.31 وعلى نطاقٍ أوسع، بات المتقدّمون للحصول على الجنسية الألمانية مُلزمين بالإعلان عن دعمهم لحقّ إسرائيل في الوجود قبل أن يصبحوا مؤهّلين.32

تعكس هذه التطوّرات مجتمعةً عمقَ القمع الذي يواجهه نشاط الجاليات الفلسطينية في الشتات واتّساع نطاقه في الوقت الراهن. فعلى أرض الواقع، أقدمت الديمقراطيات الليبرالية، التي تُكرس حرية التعبير رسمياً، على بناء أنظمة موسّعة من الرقابة والمراقبة والعقوبات بهدف حماية إسرائيل من المساءلة. بيد أنّ حدّة ردود الفعل تسلّط الضوء على فعاليّة العمل التنظيمي للجاليات الفلسطينية، إذ إنّ القمع لا يتصاعد رغم نجاح النشاط الفلسطيني، بل لأنّ هذا النجاح بالذات تَمكّن من إعادة تشكيل وعي الرأي العام، وتقويض السرديات الراسخة، وتهديد هياكل مزمنة تُكرّس الإفلات من العقاب.

الخاتمة

لا شكّ في أنّ نشاط الجاليات الفلسطينية في الشتات قد تجاوز حجمه وثقله بأشواط، من حيث حضوره في المجال العام، ونفوذه داخل المجتمع المدني، وتنامي تأثيره في الأوساط السياسية ودوائر رسم السياسات. ومن خلال نسج الائتلافات، والتدخّل في تشكيل السرديات، والانخراط المستدام في الساحات الثقافية والسياسية على امتدادها، ساهم الشتات في تغيير الخطاب العام على نحوٍ كان يصعب تصوّره قبل عقدٍ من الزمن.

مع ذلك، لا تزال هذه الإنجازات مكبّلة بقيود بنيوية. فما زالت أنشطة المناصرة في الشتات تتعرّض لقمع شديد في الداخل، في حين أنّ غياب مؤسّسة تمثيلية وطنية فلسطينية موثوقة وخاضعة للمساءلة حال دون تحويل المكاسب الخطابية والمعيارية إلى نفوذ سياسي ملموس. وعوضاً عن توظيف الخطاب الجديد القائم على احترام حقوق الإنسان، تماهت القيادة الحالية لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية مع المبادرات السياسية للقوى الغربية إلى حدّ كبير، بما في ذلك ما يُعرف بخطة ترامب للسلام في غزة التي تقصي فعلياً المؤسسات الوطنية الفلسطينية لصالح جهاز تنفيذي دولي غير خاضع للمساءلة تقوده الولايات المتحدة.33

في الوقت الراهن، لا تبذل القيادة الحالية جهوداً جادة في سبيل المصالحة الوطنية الفلسطينية والإصلاح المؤسساتي وإجراء الانتخابات الفلسطينية، فيما لم تتبلور بعد حملات فاعلة بقيادة الشتات للتأثير في صناعة القرار الفلسطيني الداخلي. وتكمن النتيجة في اتّساع الفجوة بين الزخم الدولي والجمود السياسي الداخلي. وما لم تتمكّن الجاليات الفلسطينية في الشتات وأبناء الوطن في فلسطين التاريخية من توجيه قوّتهم الجماعية نحو إحياء مؤسساتهم الوطنية المتعثّرة، من غير المرجّح أن تُترجم المكاسب التي تحقّقت على الصعيد الدولي في إعادة تشكيل الخطاب حول فلسطين وإسرائيل إلى تقدمٍ فعلي نحو التحرير الوطني.


الهوامش
1 Mohamed Khaled Ghumrawi, “Longing for the Homeland: The Palestinian American Diaspora and Palestinian Advocacy in the United States” (PhD diss., Florida International University, March 2022), 28, https://digitalcommons.fiu.edu/record/13647?v=pdf; “Palestinian Central Bureau of Statistics (PCBS) Presents the Conditions of the Palestinian Population on the Occasion of the World Population Day, 11/07/2024,” Palestine Central Bureau of Statistics, November 7, 2024, https://www.pcbs.gov.ps/post.aspx?lang=en&ItemID=5791.
2 For examples of the tools of repression and the impact this has had on pro-Palestinian advocacy, see: Zaha Hassan and H.A. Hellyer, eds., Suppressing Dissent: Shrinking Civic Space, Transnational Repression and Palestine/Israel (London: Oneworld Academic, 2024).
3 Maya Berry, “From Exclusion to Erasure: The Attempt to Silence Arab Americans on Palestine,” in Suppressing Dissent: Shrinking Civic Space, Transnational Repression and Palestine-Israel, eds. Zaha Hassan and H.A. Hellyer (London: Oneworld Academic, 2024), 206.
4 Toufic Haddad, “Palestinian Forced Displacement from Kuwait: The Overdue Accounting,” Al Majdal 44 (2010), https://badil.org/publications/al-majdal/issues/items/1355.html.
5 Saliem Wakeem Shehadeh, “Researching the General Union of Palestine Students from the Diaspora,” (PhD diss., University of California, Los Angeles, 2023), https://escholarship.org/content/qt9hm9h33z/qt9hm9h33z.pdf.
6 Jamil Hilal, “The Polarization of the Palestinian Political Field,” Journal of Palestine Studies 39, no. 3 (Spring 2010): 24–39, https://palquest.palestine-studies.org/sites/default/files/The_Polarization_of_the_Palestinian_Political_Field-Jamil_Hilal.pdf.
7 Omar H. Rahman, Apartheid and the Palestine Liberation Movement: Opportunities and Challenges, Analysis Paper (Doha: Middle East Council on Global Affairs, May 2023), https://mecouncil.org/wp-content/uploads/2023/05/MECGA_Analysis-Paper-3_Omar-Rahman.pdf.
8 Darryl Li, Anti-Palestinian at the Core: The Origins and Growing Dangers of U.S. Antiterrorism Law, Briefing Paper (New York: Center for Constitutional Rights, February 2024), https://ccrjustice.org/anti-palestinian-core-origins-and-growing-dangers-us-antiterrorism-law; Hatem Bazian, “The islamophobia industry and the demonization of Palestine: Implications for American studies,” American Quarterly 67, no. 4 (2015), https://doi.org/10.1353/aq.2015.0073.
9 Rama Izar, “US Hyper-Surveillance in the Name of Counterterrorism: Responses to State-Sanctioned Repression of Arabs and Muslims Then and Now,” Public Interest Law Reporter 29, no. 2 (2024), https://lawecommons.luc.edu/pilr/vol29/iss2/7.
10 This is based on the author’s experience and involvement during the period in question, where she served as co-chair of the US Campaign, co-chair of the Middle East subcommittee of the National Lawyers Guild, and founded Americans United for Palestinian Human Rights in Oregon.
11 “What’s Behind the Rise of BDS?” BDS Movement Official Website, August 7, 2014, https://bdsmovement.net/news/what’s-behind-rise-bds.
12 Lori Allen, “What’s in a Link?: Transnational Solidarities across Palestine and their Intersectional Possibilities,” South Atlantic Quarterly 17, no. 1 (2018), https://doi.org/10.1215/00382876-4282064; Ruba Salih, Elena Zambelli, and Lynn Welchmann, “‘From Standing Rock to Palestine we are United’: diaspora politics, decolonization and the intersectionality of struggles,” Ethnic and Racial Studies 44, no. 7 (2020), https://doi.org/10.1080/01419870.2020.1779948.
13 Lydia Saad, “Democrats’ Sympathies in Middle East Shift to Palestinians,” Gallup, March 16, 2023, https://news.gallup.com/poll/472070/democrats-sympathies-middle-east-shift-palestinians.aspx.
14 “Majority Of Voters Oppose GOP Budget Bill, With Just 67% Of Republicans In Support, Quinnipiac University National Poll Finds; Trump Job Approval: 38%, His Handling Of Russia – Ukraine War Lowest Among List Of Issues,” Quinnipiac University Poll Release, June 11, 2025, https://poll.qu.edu/poll-release?releaseid=3924.
15 Laura Silver, “How Americans View Israel and the Israel-Hamas War at the Start of Trump’s Second Term,” Pew Research Center, April 8, 2025, https://www.pewresearch.org/short-reads/2025/04/08/how-americans-view-israel-and-the-israel-hamas-war-at-the-start-of-trumps-second-term/.
16 “Negative views of Israel have risen in the U.S.,” Pew Research Center, April 8, 2025, https://www.pewresearch.org/short-reads/2025/04/08/how-americans-view-israel-and-the-israel-hamas-war-at-the-start-of-trumps-second-term/sr_25-04-08_us-views-of-israel_4/.
17 Silver, “How Americans View Israel.”
18 Dina Smeltz and Lama El Baz, Americans Grow More Divided on US Support for Israel (Chicago: Chicago Council on Global Affairs, May 2025), https://globalaffairs.org/research/public-opinion-survey/americans-grow-more-divided-us-support-israel.
19 “Hundreds of Thousands Turn Out at Pro-Palestine Protests Across Europe,” Al Jazeera, October 5, 2025, https://www.aljazeera.com/gallery/2025/10/5/hundreds-of-thousands-turn-out-at-pro-palestine-marches-across-europe.
20 Sarah Rainsford, “Italians Stage Strike in Support of Gaza Palestinians,” BBC, October 4, 2025, https://www.bbc.com/news/articles/cy8rdd5dzvro.
21 “Half a million march to Downing Street to urge Starmer to cut ties with Israel,” Middle East Eye, May 17, 2025, https://www.middleeasteye.net/news/half-million-march-downing-street-urge-end-uk-israel-ties.
22 Alia Shoaib, “Map of Countries That Have Stopped Weapons Exports to Israel,” Newsweek, August 8, 2025, https://www.newsweek.com/map-countries-weapons-exports-israel-2110947.
23 Jenny Reid, “World’s Largest Sovereign Wealth Fund Exits Caterpillar and Five Banks on Israel Concerns,” CNBC, August 26, 2025, https://www.cnbc.com/2025/08/26/norways-giant-wealth-fund-exits-six-firms-on-israel-concerns.html.
24 Maïa de la Baume, “EU’s partial suspension of trade with Israel: Appropriate or significant?” Euro News, September 17, 2025, http://www.euronews.com/my-europe/2025/09/17/the-eus-partial-suspension-of-trade-with-israel-appropriate-or-insignificant.
25 “Film Workers Pledge to End Complicity,” Film Workers for Palestine, accessed April 5, 2026, https://filmworkersforpalestine.org/#endingcomplicity.
26 David Smith, “Boycotting Israel has gone mainstream: We’ve never seen such traction before,” The Guardian, October 11, 2025, https://www.theguardian.com/world/2025/oct/11/israel-global-boycott.
27 Hassan and Hellyer, Suppressing Dissent.
28 Brendan Farrington and Collin Binkley, “Florida Orders State Universities to Disband Pro-Palestinian Group,” AP News, October 23, 2023, https://apnews.com/article/israel-palestine-desantis-florida-education-sjp-12b4d4f2bdd8618c12b8a29cc852be25.
29 US Department of the Treasury, “United States and Canada Designate Key International Fundraiser for Foreign Terrorist Organization PFLP,” Press Release, October 14, 2024, https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2646.
30 Jane Bradley, Adam Goldman, and Lizzie Dearden, “Secret Report Undercuts UK Condemnations of Pro-Palestinian Group,” The New York Times, September 12, 2025, https://www.nytimes.com/2025/09/12/world/europe/palestine-action-uk-government-assessment.html.
31 “German Police Shut Down Pro-Palestinian Conference,” DW, March 13, 2024, https://www.dw.com/en/german-police-shut-down-pro-palestinian-conference/a-68810306.
32 Sophie Tanno, “Germany demands new citizens accept Israel’s right to exist,” CNN, June 27, 2024, https://edition.cnn.com/2024/06/27/europe/german-citizens-israel-right-to-exist-intl.
33 “Trump’s 20-Point Peace Plan in Full,” BBC, October 9, 2025, https://www.bbc.com/news/articles/c70155nked7o.