لبنان: سباق الحرب والمفاوضات  

تقدير موقف، أبريل 2026
22 أبريل، 2026

يشهد لبنان مرحلة حرجة لعلها الأدق والأخطر في تاريخه المعاصر، حيث تتقاطع الحرب المستعرة على أرضه مع أزمته الداخلية المزمنة والمتفاقمة، مع التطورات الجارية في الإقليم. ويبدو لبنان اليوم مترنحًا على شفا جرف هار، بعد الإعلان عن الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، والبدء في مفاوضات مباشرة بين أمريكا وإيران في إسلام آباد باكستان، مع استمرار الهدنة المؤقتة المعلنة بينهما، واستمرار الحصار في مضيق هرمز. 

 

مع انعقاد جلسة المحادثات التمهيدية الأولى على مستوى سفراء لبنان وإسرائيل في واشنطن الثلثاء 14 أبريل 2026، وتحديد موعد لجلسة ثانية يوم الخميس 23 ابريل، كررت الحكومة اللبنانية التأكيد على أن لقاء واشنطن هو محادثات تمهيدية تهدف إلى تحقيق وقف فوري لإطلاق النار أولًا قبل المضي قدمًا في أي شيء آخر. وبين جلستي المحادثات  هذه، كان الإعلان مساء الخميس 16 أبريل عن وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة عشرة أيام. وحتى الآن تجنّبت الحكومة اللبنانية الكلام عن قبول أي تفاوض مباشر قد يُنظر إليه كتنازل عن السيادة اللبنانية، أو تطبيعًا مجانيًا، وكررت الإعلان أن هدف التفاوض المباشر إن حصل هو الوصول إلى وقف إطلاق نار نهائي وشامل، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، وإطلاق جميع الأسرى، وانتشار الجيش اللبناني في مناطق الاشتباك لضبط الأمن، وعودة الأهالي إلى قراهم والبدء بإعادة الإعمار.  

 

وفي حين يتنقل حزب الله في تصريحاته بين رفض مطلق للمفاوضات ووصفها بأنها خيانة وعمالة وتطبيع مجاني، إلى موقف أكثر براغماتية يقبل التفاوض بشرط أساسي هو وقف إطلاق النار أولًا، مع تأكيده أنه غير ملزم بنتائج أي محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، عملت إسرائيل على توسيع نطاق عملياتها في الجنوب والتفاوض تحت النار“، بهدف فرض شروطها وأهمها نزع سلاح حزب الله بالكامل. 

 

يستعرض تقدير الموقف هذا، الوضع اللبناني الراهن الذي لا يعكس مجرد أزمة ظرفية مرتبطة بهذه الحرب الجارية اليوم فحسب، بل هو تعبير عن خلل بنيوي أعمق في هشاشة النظام السياسي، وفي وقوع لبنان على مفترق طرق الحروب والتدخلات الخارجية. وقد أوصل كلّ هذا لبنان إلى ما وصل إليه اليوم من انتظار، وتوقّع لأشد الأخطار هولًا. 

 

 

الدولة الضعيفة: إطار نظري 

وفقًا لأدبيات “الدولة الضعيفة” كما عرضها جويل ميغدال، فإن الدولة اللبنانية تعاني من ضعف احتكار العنف الشرعي، ومن تآكل الشرعية السياسية إضافة إلى هشاشة اقتصادية رهيبة. هذا العجز يحدّ من قدرتها على صياغة استراتيجية دفاعية أو خطة وطنية للدفاع أو التفاوض مع إسرائيل من موقع قوي وازن وثابت، ما يجعلها رهينة للتوازنات الداخلية والخارجية على السواء، فما بالك حين تتقاطع هذه كلها. ويمكن القول إن لبنان يجسد نموذج “الدولة الفاشلة جزئيًا” حيث تحتفظ ببعض مظاهر الدولة وتستمر المؤسسات في العمل شكليًا، لكنها تكون عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية وتفشل في جوانب أخرى، لعلّ أهمها في لبنان ضعف السيطرة الأمنية على بعض المناطق والفئات، وانتشار الفساد وتفاقمه، وانهيار القضاء، والعجز الاقتصادي المتراكم، والاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية، ناهيك عن وجود انقسام سياسي ومجتمعي داخلي حاد. 

 

 

مأزق حزب الله بين الوظيفة العسكرية والأزمة السياسية 

بالانطلاق من نظرية “الفاعلين من غير الدول“، يمثّل حزب الله حالة نموذجية لفاعل مسلح يمتلك شرعية اجتماعية في بيئته، لكنه يقوّض سيادة الدولة القائمة. وفي حين أن الحزب يعتبر أنه يوفر ردعًا عسكريًا ضد إسرائيل ويؤمن حماية اجتماعية للمواطنين (شعاره: نحمي ونبني)، إلا أنه في الوقت نفسه يعمّق الانقسام الداخلي، ويقوّض ركائز الدولة، ناهيك عن ارتباطه بأجندة إقليمية، ما يجعله يواجه تراجعًا في الشرعية والحضور خارج بيئته وفي المجتمع السياسي اللبناني بعامة. هذه الوضعية تعكس “المفارقة الأمنية“، حيث يعتبر الفاعل غير الدولتي نفسه ضرورة أمنية لحماية البلد في ظل ضعف الدولة، لكنه يكون أيضًا، ولو لم يعترف هو بذلك، أحد أسباب هذا الضعف. في الخلاصة يتحول الحزب إلى عبء سياسي واقتصادي، فهو قوي عسكريًا لكنه معزول داخليًا، وهو يملك المال لكنه لا يستطيع الإعمار والبناء، وهو يمثل شريحة أساسية من المواطنين لكنه لا يحظى بالإجماع أو التأييد في أوساط أساسية أخرى. ويعيش الحزب اليوم أزمة مركبة: تراجع عسكري نسبي من جهة وضغط داخلي وخارجي من جهة أخرى، ما قد يدفعه إلى الاعتماد أكثر على إيران. 

 

ومنذ صدور قرارات الحكومة في 2 مارس 2026 التي فرضت حظراً فورياً لأنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، معتبرة إياها خارجة عن القانون، ومطالبته بتسليم سلاحه وحصر دوره في العمل السياسي، فإن “المفارقة الأمنية” تغدو أقوى وأكثر خطورة: لا يمكن نزع سلاح حزب الله بالقوة كما لا يجوز بقاء الدولة اللبنانية في حالة الضعف الحالية.  

 

 

مأزق الدولة اللبنانية يتجسّد في عجز مركّب 

في المقابل تعاني الدولة اللبنانية مأزقًا أقوى هي الأخرى، يتمثل في عجز مركّب من حيث: هشاشة سياسية تتبدى في ضعف احتكار العنف أو انعدامه، عبر وجود فاعل غير دولتي مسلح وقوي مثل حزب الله، الذي يمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية تفوق بكثير إمكانات الجيش اللبناني الرسمي. فالجيش، بالرغم من كونه مؤسسة وطنية، يعاني من محدودية في التجهيز والتسليح، ولا يستطيع خوض مواجهة متكافئة مع دولة مثل إسرائيل. هذا الخلل البنيوي في ميزان القوة يضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة، ويجعلها رهينة لتوازنات داخلية وخارجية معقدة. يضاف إلى ذلك الانقسام الطائفي العميق في المجتمع اللبناني، الذي انعكس مرارًا في شكل حروب أهلية وصراعات داخلية عبر العقود، مما جعل مؤسسات الدولة عاجزة عن بناء إجماع وطني حول قضايا الأمن والدفاع. وبهذا، يصبح العنف في لبنان موزعًا بين الدولة والفاعلين غير الدولتيين، في مشهد يكرّس هشاشة النظام السياسي ويُبقي البلاد عرضة للتدخلات الإقليمية والدولية. 

 

بالإضافة إلى ذلك، يعاني لبنان من هشاشة اقتصادية، فقد واجه منذ عام 2019 واحدةً من أسوأ الانهيارات الاقتصادية عالمياً، حيث فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها، مما أدى إلى تضخم مفرط وتآكل القدرة الشرائية ومدخرات المواطنين، مع غياب خطط إنقاذية حقيقية وتأخر الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي. فتحول الاقتصاد إلى “اقتصاد صمود” هش، يعتمد على التدفقات النقدية المحدودة والتحويلات، في ظل انكماش اقتصادي وتضخم متزايد. 

 

وفي عامل مهمّ، تتسم مقاربة الحكومة اللبنانية للأزمة الراهنة بالتردد والتجزئة، بسبب حدة النزاعات الداخلية والخوف على الوحدة الوطنية وعلى تفكك المؤسسات، خصوصًا الجيش. وقد ركزت الحكومة على قرارها في حصرية السلاح من دون وجود إمكانية فعلية للتنفيذ، ناهيك عن وجود بديل واقعي مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقية 27 نوفمبر 2024، وصمت المجتمع الدولي الموكل إليه تنفيذ القرار 1701 وكل القرارات الدولية ذات الصلة. كما أن عدم القدرة على حل المسألة الاقتصادية المتفاقمة منذ عام 2019، مع استمرار الحرب في الجنوب وتفاقم مشكلة إيواء ودعم النازحين إلى بيروت، يضع الحكومة والبلاد في وضع شديد الخطورة. 

 

 

إسرائيل واستراتيجية الضغط المركّب 

يمكن قراءة الاستراتيجية الإسرائيلية من خلال مفهوم “القوة الصلبة في العلاقات الدولية، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض إرادتها عبر القوة العسكرية، مع استخدام المفاوضات كغطاء سياسي. هذا النهج يعكس “الواقعية الهجومية“، حيث تسعى الدول إلى تعظيم قوتها عبر السيطرة على محيطها المباشر. وفي الحرب الأخيرة اتسمت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان بطابع تصاعدي يتجاوز الردع التقليدي نحو توسيع “المنطقة العازلة” في الجنوب واستهداف البنية التحتية المدنية بهدف الضغط على البيئة الحاضنة لحزب الله وإحداث شروخات في المجتمع اللبناني.  

 

وقد أدّت الاعتداءات العنيفة على قرى وبلدات الجنوب إلى نزوح جماعي غير مسبوق (أكثر من مليون ومئتي ألف شخص)، ووقوع أعداد هائلة من الضحايا (حتى 16 نيسان أبريل 2026، أسفر العدوان الإسرائيلي عن مقتل 2196 قتيلا و7 آلاف و185 جريحًا). كما استهدفت الغارات الوحشية مبنى سراي النبطية الحكومي الذي أدى إلى مقتل 13 عنصرًا من أمن الدولة. وتركزت العمليات والتوغلات الإسرائيلية حتى 16 أبريل 2026 في شريط حدودي بعمق يراوح بين 8 و 10 كيلومترات، مع محاولات لفرض منطقة عازلة تمتد جنوب نهر الليطاني. 

 

وكانت الضربات الإسرائيلية الجوية يوم الأربعاء 8 أبريل هي أعنف يوم في الحرب حيث شنت إسرائيل أكثر من 100 غارة جوية على بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق أخرى، خلال دقائق معدودة، وخلفت 254 قتيلًا و1165 جريحًا، وهي الحصيلة الأعلى منذ بداية الحرب، ما دفع الحكومة اللبنانية لإعلان يوم حداد وطني. وقد جاءت هذه الضربة مباشرة بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ما أوضح أن لبنان خارج هذا الاتفاق وأن إسرائيل تعتبره ساحة مستقلة للصراع.  

 

 وأرادت إسرائيل بذلك أيضًا إظهار أن حزب الله لن يجد ملاذًا آمنًا حتى في العاصمة، وأن الضغط على المدنيين قد يضعف الحاضنة الشعبية للحزب، وهذا يعني أن إسرائيل مستعدة لتجاوز الأعراف السابقة في إدارة الصراع. كما أن هذا الحدث عزز المخاوف من انزلاق لبنان إلى مواجهة شاملة.  

 

يتبيّن أن إسرائيل تعتمد استراتيجية متعددة الأهداف تتمثّل بإضعاف القدرات العسكرية لحزب الله، أو بالأحرى إنهاء وجوده المسلح في الجنوب إن هي استطاعت، ودفع الدولة اللبنانية نحو نزع سلاحه، وصولًا إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية. من هنا، اعتمدت إسرائيل على القوة النارية لإحداث تهجير واسع، وتوليد ضغط داخلي على الدولة اللبنانية، ومحاولة دفع الجيش والحكومة اللبنانيين إلى مواجهة الحزب نيابة عنها. 

 

ولعل هدنة العشرة أيام هي المحك الفعلي على المدى القريب لما ستكون عليه الحالوالأمر كله يتوقف على 3 عوامل: 

أولاً مصير المفاوضات الأمريكية الإيرانية والهدنة بينهما،  

ثانيًا طبيعة الوضع الميداني في الجنوب من حيث مدى التزام إسرائيل به وهي أعلنت أنه لا يشمل الانسحاب من المناطق التي احتلتها، لا بل أقامت شريطًا أمنيًا بعمق 8 إلى 10 كلم على طول الحدود، 

ثالثًا وفي المقابل موقف حزب الله الذي قد يعتبر نفسه غير ملزم بالاتفاق طالما لم تتحقق شروطه، وهو فعليًا يربط موقفه بنتائج مفاوضات باكستان. 

 

 

العجز الدولي والإقليمي 

يعكس غياب الإرادة الدولية أزمة النظام العالمي، إذ تنسّق واشنطن بشكل وثيق مع إسرائيل وتمنحها الغطاء لاستكمال عملياتها، بينما تركز أوروبا على تجنّب الانخراط المباشر في الصراع، متمسكة بخيار الدبلوماسية وخفض التصعيد. وقد رفضت أوروبا المشاركة في أي فتح قسري لمضيق هرمز، مكتفية بإعلان استعدادها لتأمينه شريطة توقف القتال. وفي حين تدفع الولايات المتحدة بقوّة نحو المفاوضات، معتبرة إياها وسيلة لإدارة الحرب سياسيًا أكثر من كونها مدخلًا لتسوية نهائية، تضغط بعض الدول الأوروبية (خصوصًا فرنسا وإسبانيا) من أجل وقف إطلاق النار في لبنان، وتركز الأمم المتحدة ودول أخرى (كندا وبريطانيا على سبيل المثال) على الجانب الإنساني مع تفاقم أزمة النزوح. هذا وقد صدرت مواقف أوروبية متفرقة (فرنسا، ألمانيا، إسبانيا) تدين الغارات الإسرائيلية وتطالب بوقفها، فيما وصف الاتحاد الأوروبي الهجمات بأنها “انتهاك غير مقبول“.  لكن الحرب مع إيران أبرزت عجز الاتحاد الأوروبي عن تبني موقف خارجي موحد.  

 

تسعى الأطراف العربية (مصر ودول الخليج) للاحتواء من دون قدرة على فرض حلول. فيما تعتبر مصر استقرار لبنان جزءًا من أمنها القومي لكنها تفتقر لأدوات ضغط مباشرة، بينما تمتلك دول الخليج أدوات مالية وسياسية لكنها عاجزة عن فرض تسوية داخلية بسبب تعقيدات المشهد اللبناني، ناهيك عن انهماكها بمواجهة تداعيات الحرب على اقتصادياتها. وتتباين مواقف دول الخليج بين الحياد والدعم المحدود، وتدعو السعودية وقطر إلى تهدئة شاملة مع التركيز على احترام السيادة اللبنانية، فيما تركز دول أخرى على مواجهة النفوذ الإيراني وقد أكدت قطر التزامها بدعم لبنان عبر مساعدات اقتصادية وإنسانية. أما تركيا فتراقب بحذر من دون تدخل مباشر، إذ يُنظر إلى لبنان كجزء من مشهد تفاوضي أوسع يشمل إيران وغزة، أي أن لبنان جزء من شبكة الصراعات الإقليمية، فتكتفي أنقره بالتصريحات والدعم الإنساني لغياب نفوذ مباشر أو أدوات ضغط فعالة. هذا الفراغ الدبلوماسي جعل لبنان مكشوفًا لأول مرة، ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بما يتوافق مع مفهوم “المناطق الرمادية” في الدراسات الأمنية. 

 

 

العوامل الحاسمة في مسار الصراع والتفاوض 

ثمة تداخلات معقدة بين الولايات المتحدة، إيران، إسرائيل ولبنان، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع الحسابات الداخلية لكل طرف. فما هي العوامل الحاسمة التي تحدد مسار الصراع والمفاوضات اليوم؟ نبدأ بالضغط الأمريكي–الإسرائيلي، حيث تسعى واشنطن للحفاظ على مسار تفاوضي مع إيران من دون انهيار الهدنة، فيما تمنح إسرائيل مساحة للتحرك في لبنان. وهذا يفسر ضغط الرئيس ترامب لإنجاز هدنة العشرة أيام. وتطرح إسرائيل شروطًا تتعلق ليس فقط بجنوب الليطاني، معلنة رفضها بقاء حزب الله قويًا ومسلحًا في كامل لبنان. ومن ثم، موقف حزب الله الذي  يتمسك بوقف إطلاق النار كشرط مسبق للتفاوض، ويرفض التنازلات تحت الضغط العسكري، معتمدًا على استراتيجية الصمود وكسب الوقت وربط الملف اللبناني بالملف الإيراني، ما يعزز موقعه السياسي لكنه يدفع قوى أخرى لدعم الحكومة والمطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الهدنة الإيرانية والغطاء الإقليمي دوراً في تفسير هذا المشهد، حيث تُصرّ إيران على إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن مفاوضاتها مع واشنطن، مهددة بالانسحاب إذا لم يتم وقف الهجمات الإسرائيلية. وهي تعتبر المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، محاولة لإضعاف “محور المقاومة”. لكنها ركزت في محادثات إسلام آباد على الملف النووي ومضيق هرمز، ما أظهر أن الأولويات الدولية لا تشمل لبنان مباشرة. أما في ما يتعلق بالمخاطر الداخلية، فلبنان عالق بين التصعيد الإسرائيلي والارتباط بالملف الإيراني، فيما تسعى إسرائيل لفصل الدولة عن حزب الله. بالتزامن مع ذلك، زادت التظاهرات الشعبية هشاشة الوضع الداخلي، ما يهدد بفتنة أو صراع داخلي. فإسرائيل تريد فرض ترتيبات أمنية تجعلها وصية على لبنان، بينما يسعى حزب الله وإيران لضمان بقاء الحزب جزءًا قويًا من النظام السياسي، ما يبقي لبنان رهينة التجاذبات بين واشنطن وطهران وتل أبيب، مع خطر الفوضى أو حرب أهلية جديدة. 

 

 

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة بين الهدنة والتطبيع 

المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لا تعني بالضرورة التطبيع، بل هي في جوهرها محاولات لإدارة الصراع أو تخفيف حدته وليست بوابة للتطبيع، الذي يعني إقامة علاقات سياسية واقتصادية كاملة، وهو ما يرفضه معظم الأطراف اللبنانية حتى الآن. والمفاوضات الحالية ليست نتيجة تهدئة ميدانية، بل هي تجري تحت النار، ما يجعلها أقرب إلى إدارة الأزمة لا حلها. وهي المفاوضات المباشرة الأولى منذ فشل اتفاق 17 مايو 1983، وهو مشروع اتفاق سلام وُقّع بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، لكنه أُلغي قبل أن يُنفّذ بسبب رفض شعبي واسع وتغير الموازين الدولية والإقليمية. 

 

إنّ الموقف اللبناني الرسمي والشعبي ممزق بين مؤيد ومعارض، ما يضعف موقعه التفاوضي. فرئاسة الجمهورية تميل إلى التفاوض، ولو بحذر، علمًا أن الرئيس جوزيف عون هو الذي طرح في 9 مارس مبادرة إطلاق التفاوض المباشر وكلف سفيرة لبنان في واشنطن بالمحادثات التحضيرية.  

 

كذلك، تعمل رئاسة الحكومة على تظهير مشروعية خيار السلام وفق قرارات القمة العربية (بيروت 2002)، بينما رئاسة البرلمان متحالفة مع حزب الله لكنها وافقت، من حيث المبدأ، على إعطاء شرعية للتفاوض 

 

وقد رفضت الحكومة ربط المسار اللبناني بالإيراني، مُعتبرة أن ذلك يحوّل لبنان إلى ورقة تفاوض في صراع أوسع، وأكّدت أن المصلحة العليا تقتضي مسارًا تفاوضيًا تقوده الدولة اللبنانية نفسها لإعادة تثبيت الحدود والدور الوطني. 

 

 

محطات تفاوضية بارزة 

تاريخيًا، كل التفاهمات والاتفاقيات كانت محدودة ومؤقتة ومرتبطة بظروف الحرب وفي سياق أمني أو اقتصادي، بعيدًا عن أي إطار سياسي شامل، فلم تصل إلى مستوى اتفاق سلام شامل أو تطبيع. وهي كانت أداة ضرورية لتخفيف الضغط العسكري والاقتصادي، حتى لو بقيت مثار جدل داخلي وإقليمي. وقد شهد لبنان عدّة محطات تفاوضية غير مباشرة مع إسرائيل. أبرزها تفاهم 26 نيسان 1996 (عناقيد الغضب) الذي نصّ على منع استهداف المدنيين وحظر استخدام القرى كمنصات إطلاق، مع السماح بحق الدفاع عن النفس. وأنشأ لجنة مراقبة (أمريكا، فرنسا، سوريا، لبنان، إسرائيل)، ولم يكن اتفاق سلام بل آلية لاحتواء التصعيد؛ كذلك منح حزب الله شرعية ضمنية كقوة منظمة ملتزمة بقواعد اشتباك، وعزّز موقعه الشعبي والسياسي. كما أظهره كطرف تفاوضي غير مباشر بوساطة دولية، ما أعطاه وزنًا إقليميًا وأداة سورية–إيرانية. وقد بقي تفاهمًا سياسيًا–أمنيًا غير رسمي، سمح باستمرار المقاومة ضمن إطار قانوني–دبلوماسي. 

 

بعدها جاءت اتفاقية 11 آب أغسطس 2006 (القرار 1701 – بعد حرب يوليو) التي نصّت على وقف القتال، وانسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتعزيز اليونيفيل، وحصر السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني. وهو اتفاق أمني بحت برعاية الأمم المتحدة، ملزم دوليًا. ومثّل هذا الإتفاق محاولة لإعادة الدولة إلى الجنوب وتحديًا لحزب الله، الذي أعاد بناء قوته شمالًا وجنوبًا، ما جعله أقوى من الدولة داخليًا، وعزز صورته إقليميًا. لكن القرار بحد ذاته، وقبوله به، وضعه في موقع مخالف للقانون الدولي، مانحًا إسرائيل ورقة ضغط دبلوماسية. 

 

ثم كان اتفاق الحدود البحرية (حقل كاريش) – 27 أكتوبر 2022 الذي وقّع بوساطة أمريكية لترسيم الحدود البحرية واستثمار الغاز، جاعلًا كاريش تحت السيادة الإسرائيلية مع بدء الإنتاج التجاري وفتح الباب للبنان لاستثمار حقل قانا، لكنه لم يُستثمر فعليًا. وقد منح إسرائيل شرعية دولية، فيما قبِل حزب الله الاتفاق، لكن من دون تطبيع سياسي. في هذه الفترة، أصبح ملف الغاز البحري وترسيم الحدود البحرية محوريًا في المفاوضات، إذ يُمثّل فرصة للبنان للخروج من أزمته الاقتصادية، لكنه أيضًا ساحة صراع إقليمي. 

 

يليه، اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 (بوساطة أمريكية–فرنسية) المبني على القرار 1701 بعد دعم حزب الله لغزة، وقد نصّ على وقف دائم للأعمال القتالية، تبادل معلومات استخباراتية، إشراف أمريكي–فرنسي، وضمانات أمنية لإسرائيل ضد الحزب وإيران. لم يكن تطبيعًا، لكنه عكس تحوّلًا في ميزان القوى، وأدخل ضغطًا دوليًا مباشرًا على الحزب، وأضعف موقعه قانونيًا ودبلوماسيًا، لكنه سوّقه كـ”انتصار سياسي” لأنه منع حربًا شاملة. ولأول مرة دخلت الولايات المتحدة كضامن مباشر، ما رفع الاتفاق إلى إطار شبه ملزم دوليًا.  

 

لقد كرّست هذه التفاهمات دور حزب الله كفاعل غير رسمي لكنه معترف به ضمنيًا، ومنحته شرعية شعبية وإقليمية، مع إبقائه تحت ضغط دولي متزايد. كما أظهرت مسارًا متكررًا في تثبيت وقف إطلاق النار، مع إدخال قيود وضغوط دولية تدريجية.  

 

 

السيناريوهات المحتملة بعد قرار بدء التفاوض  

يكمن السيناريو الأول الأكثر ترجيحًا في مفاوضات تحت النار مع احتمال الانهيار واحتمال الهدنة المؤقتة.  يفرض هذا السيناريو استمرار العمليات العسكرية وتصلّب المواقف الإسرائيلية، واحتمال توسع الحرب جنوب الليطاني وشماله، وهو ما بدت ملامحه في ما جرى ميدانيًا حتى الآن. ويستخدم نتنياهو التفاوض كغطاء لاستمرار العمليات العسكرية؛ وقد أعلن المكتب الحكومي المصغر أن “القتال مستمر حتى نزع السلاح“. كان هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا وفق منطق “الحرب المحدودة”. وهو يؤدي إلى فشل المفاوضات بسبب رفض الحزب الشروط الإسرائيلية، فيما تستغل إسرائيل الهدنة الإيرانية-الأمريكية لتركيز جهدها العسكري “الأعنف” على لبنان لإضعاف حزب الله ميدانيًا قبل أي توقيع.  

 

تتمثّل الانعكاسات الداخلية في هذا السيناريو بمجموعة من النتائج المتوقعة ومنها تعزيز خطاب حزب الله وحلفائه بأن إسرائيل لا تريد السلام، ويوحّد بعض القوى الشعبية خلف فكرة الصمود والمقاومة وعدم التفريط. بالإضافة إلى ذلك، يضعف هذا السيناريو الحكومة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، ويزيد من عزلة لبنان ويفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية، مع استمرار النزوح والدمار في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، مع احتمال مواصلة إسرائيل ضرب أهداف مدنية في العاصمة بيروت نفسها كما حدث في 8 أبريل. كذلك، يفتح الباب أمام التصعيد الشامل في حال شعر نتنياهو أن التفاوض يضيع الوقت من دون تحقيق أهدافه، فيشن عملية برية أوسع مما هو حاصل اليوم، ويرفع وتيرة الغارات، مما يدخل لبنان في مواجهة مفتوحة ويهدد بانفجار داخلي، قد يقود إلى انهيار الدولة، وهو ما يتوافق مع سيناريو “الدولة الفاشلة”. 

 

أما السيناريو الثاني الذي يتمثّل باتفاق جزئي (على غرار الهدنة التي أعلنت مساء 16 نيسان أبريل)، فيعتمد على قبول وقف العمليات العسكرية (أعلنت إسرائيل أن ذلك يعني فقط القصف الجوي وليس الاحتلال القائم فعليًا) ومعالجة الظروف الإنسانية، ولكن من دون الدخول في تسوية شاملة. وهذا يعني العودة إلى نموذج “إطار التفاهمات”: أي صيغة “وقف إطلاق نار” مؤقت من دون حل نهائي لملف السلاح، وهو ما قد يرضي الطرفين مؤقتًا (لبنان لوقف الدمار، وإسرائيل لتخفيف الضغط الدولي)، لكنه لا يمنع عودة التصعيد، ما يعكس نموذج “التسويات الهشة”.  

 

يتجاوب هذا السيناريو مع عدد من المبررات الإقليمية، حيث ترفض إيران وحزب الله أي تسوية نهائية قد تمس سلاح المقاومة، ما يجعل الاتفاق الجزئي أكثر واقعية، وهذا ما فرضته واشنطن كوقف مؤقت؛ إضافة إلى تأثير الوضع الداخلي اللبناني، إذ ترغب الحكومة اللبنانية في تخفيف الأزمة، ورفض إقليمي لأي تسوية نهائية حاليًا. كما نذكر هنا الانقسام السياسي الحاد رسميًا وشعبيًا حول جدوى التفاوض، إذ يعتبره فريق المقاومة تنازلًا، بينما يراه الفريق الآخر خطوة ضرورية لتخفيف الضغط. وبالتالي هو لا يحل الانقسام السياسي، بل يجمّده مؤقتًا، وفي الوقت نفسه يضعف إمكانية التوصل إلى موقف موحد يسمح بتسوية شاملة. يبقى هذا الاتفاق هشًا وغير مستدام، لكنه يُخفف الضغط العسكري والاقتصادي مؤقتًا، ويمنح الحكومة متنفسًا سياسيًا أمام المجتمع الدولي، كما يفتح المجال لمساعدات إنسانية عاجلة. 

 

في المقابل يتمحور السيناريو الثالث حول تسوية شاملة، وفيه يُلزم حزب الله، بضغط أمريكي، بنزع سلاحه في مناطق جنوب الليطاني مع نشر الجيش اللبناني وقوات دولية، مقابل انسحاب إسرائيل ووقف الأعمال العدائية. وهو سيناريو يعكس مقاربة “السلام القسري” وهو سيناريو التفاؤل الحذر. لكن هذا يتطلب استجابة لبنانية رسمية وقدرة على إنهاء المظاهر المسلحة لحزب الله وبسط سيادة الدولة الكاملة، وهو ما ألمح إليه التوجه اللبناني الرسمي لتعزيز السيطرة في بيروت، واستمرار تأكيد الحكومة اللبنانية على قرار حصرية السلاح. وتتجسّد الانعكاسات الداخلية المحتملة في إحداث التحول الجذري في السياسة اللبنانية، وإعادة رسم التوازنات الداخلية؛ وترسيم الحدود وضمانات أمنية طويلة الأمد؛ وفتح الباب أمام استثمار الغاز البحري ودعم دولي لإعادة الإعمار.  

 

لكنه قد يثير مقاومة شعبية من التيارات الرافضة للتطبيع. ويضع حزب الله أمام معضلة وجودية: هل يستمر كقوة مقاومة أم يتحول إلى حزب سياسي صرف؟ تحتاج هذه التسوية إلى تفاهمات إقليمية أوسع تشمل إيران والدول العربية، وإلى توافق داخلي لبناني غير متوفر بعد. 

 

وعلى الرغم من وجود دعم دولي لفكرة اتفاق نهائي يشمل نزع سلاح حزب الله وترسيم الحدود، إلا أن هذا السيناريو يبدو بعيدًا حاليًا بسبب رفض داخلي وإقليمي قوي. 

 

السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا هو استمرار التفاوض تحت النار،  أو التوصل بضغط أمريكي مباشر، إلى اتفاق جزئي أو هدنة مؤقتة، وليس تسوية شاملة، يقوم على وقف النار وضبط الحدود، على الرغم من وجود دعم دولي متزايد للمسار التفاوضي. لكن انهيار هذه الهدنة يبقى احتمالًا قائمًا ، وذلك بسبب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية من جهة، والانقسام الداخلي اللبناني من جهة ثانية، وغموض المسار التفاوضي الإيراني الأمريكي واحتمالاته ومآلاته. وتبقى التسوية الشاملة بعيدة زمنيًا، لكنها قد تصبح ممكنة إذا تغيرت موازين القوى أو تم التوصل إلى تفاهمات إقليمية كبرى. 

 

 

خاتمة 

تكشف الأزمة اللبنانية الراهنة عن تداخل البنية الداخلية الهشة مع الضغوط الإقليمية والدولية. أي أنه لا يمكن فهم الأزمة اللبنانية الراهنة بمعزل عن بنيتها الداخلية الهشة وسياقها الإقليمي المتفجر. استمرار هذه الديناميكيات يهدد بتحوّل لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة أو نموذج لدولة عاجزة مزمنة، ما لم يتم إنتاج مقاربة سياسية-اقتصادية جديدة تتجاوز الإطار القائم وتعيد بناء شرعية الدولة وتستند إلى مفاهيم السيادة الفعلية والشرعية التوافقية، وإلا سيبقى لبنان رهينة لعبة الأمم. وبالتالي يمكن القول إن لبنان يقف أمام اختبار وجودي: إما إعادة بناء شرعية الدولة وإصلاح النظام السياسي الطائفي، أو الانزلاق نحو نموذج الدولة العاجزة المزمنة ناهيك عن الحروب الأهلية المستدامة.  

 

——————————- 

 

كتب تقدير الموقف هذا الدكتور سعود المولى زميل أول زائر في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. 

إنّ الآراء الواردة في هذه الورقة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.