قطر ما بعد كأس العالم:

الإرتقاء بالإدارة العامّة إلى مستوى عالميّ

مذكرة سياسات، يونيو 2023
زميل أوّل غير مقيم

مدير وزميل أوّل

25 يونيو، 2023

حدَّد رئيس مجلس الوزراء القطري الجديد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في أول اجتماع ترأسه في أبريل 2023، مجموعة واضحة من الأولويّات للقطاع العام في قطر. وتتضمّن هذه الأولويات إدارة الدولة ومواردها من أجل زيادة الكفاءة والإنتاجيّة، وتقديم خدمات عالية الجودة للمواطنين والمقيمين والمُستثمرين والسيّاح، بالإضافة إلى تنويع توظيف القطريين بعيداً عن القطاع العام.1 إنّها أجندة طموحة ولكنّها مناسبة.

 

يُعتَبر أداء قطر الحالي جيّداً في عدد من مؤشّرات الحوكمة العالميّة، بحيث تأتي بين المراتب الأولى على مستوى بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ فهي تحلّ في المرتبة الثانية في المنطقة لفعاليّة الحكومة في أحدث مؤشّرات الحوكمة العالميّة الصادرة عن البنك الدولي، وفي المرتبة الثانية أيضاً في الجودة التنظيميّة وفق المؤشّر نفسه، وتحلّ أيضاً في المرتبة الثانية على مستوى البلدان العربية (والمرتبة 40 عالمياً) على مؤشِّر مُدركات الفساد الصادر عن منظّمة الشفافيّة الدوليّة.2 في المجمل، يُعدُّ وضع قطر المالي سليماً أيضاً، فأسعار الغاز الطبيعي مستقرّة، فيما تفتح البلاد أسواقاً جديدة في أوروبا ستضمن لها تدفّقاً كبيراً من الإيرادات على مدى السنوات المقبلة.

 

قد يكون هذا الواقع كافياً لإدارة أخرى أقلّ طموحاً تعيش على الأمجاد، ولكنّه ليس كذلك لرئيس الوزراء الحالي، وهو موقفٌ حكيمٌ. صحيح أنّ قطر سجّلت نتائج عالية في بعض مقاييس الحوكمة العالميّة، إلّا أنّها تخلّفت في مؤشِّرات أخرى. تقع قطر في وسط دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحتلّ المرتبة 78 عالمياً في مؤشِّر تنمية الحكومة الإلكترونيّة الصادر عن الأمم المتّحدة،3 وقد حلّت في المرتبة نفسها تقريباً في استطلاع البنك الدولي الأخير لممارسة أنشطة الأعمال في العام 2020، 4 فيما تسجّل الدولة أداءً سيّئاً على مستوى مقاييس الشفافيّة. في الواقع، سجّلت قطر نقطتين من أصل 100 على مؤشِّر الموازنة المفتوحة، وحلَّت في المرتبة الثانية قبل الأخيرة في المنطقة.5 في غضون ذلك، أطلقت دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى – لا سيّما الإمارات العربيّة المتحدة والمملكة العربيّة السعوديّة – أجندة طموحة لإصلاح القطاع العام قد تُحدِث ثورة في كيفيّة عمل حكوماتها في حال نجاحها، وحقّقتا بالفعل نجاحاً لافتاً في مجالات متعدّدة. على سبيل المثال، وانعكاساً للمكاسب التي تحقّقت في تطوير الحكومة الإلكترونيّة، تحلّ دبي حالياً في المرتبة الخامسة عالمياً في مؤشّر خدمات الحكومات المحلّية عبر الإنترنت الصادر عن الأمم المتحدة، وهي بذلك تتساوى مع نيويوك وباريس، وتتجاوز سنغافورة وطوكيو وزوريخ.6

 

مع ذلك، لا تُعبِّر التصنيفات العالميّة سوى عن جزءٍ من القصّة. فقد أشار تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2022 الصادر عن صندوق النقد الدولي إلى أنّ الآفاق الاقتصاديّة الإيجابيّة لقطر على المدى القريب لا تحيِّدها عن المخاطر العديدة التي تلقي بظلالها على المدى المتوسّط،7 ومن ضمنها مسار الاقتصاد العالمي غير المُستقرّ في أعقاب جائحة فيروس كورونا المُستجدّ، وتقلُّب أسعار المواد النفطيّة، بالإضافة إلى الأوضاع الماليّة والتوتّرات الجيوسياسيّة التي تزداد شدّة حول العالم.8 وبالفعل تحوّلت هذه المخاوف إلى واقعٍ، ومن المُمكن أن تمتدّ لفترة أطول ممّا كان متوقّعاً في البداية. وتشهد المنطقة كذلك تحوّلاً في الساحة الإقليميّة مع تزايد المنافسة الاقتصاديّة بين دول مجلس التعاون الخليجي وتراجع التنسيق على مستوى السياسات. وفي ظلّ هذا المشهد المتغيّر الجديد، أصبحت أجندة قطر الإصلاحيّة أكثر إلحاحاً وتعقيداً.

 

تحسين إدارة الإنفاق العام

 

الأولويّة الأولى التي حدّدها رئيس مجلس الوزراء هي تعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي وإنتاجيّته، والتي تتطلّب إجراء تحسينات مُعتَبرة في إدارة الإنفاق العام. وقد شهدت إيرادات قطر ونفقاتها دورات من “الازدهار والكساد” على مرّ السنين، أدَّت إلى تقويض التحسينات المُطردة التي حقّقتها في الكفاءة الإداريّة. ومن أجل تخفيف حدَّة هذه التقلّبات الدوريّة ومواجهتها، تحتاج الدولة إلى سياسة ماليّة مبنيّة وفقاً لقواعد وإطار مالي متوسّط المدى. وسيتعيّن عليها أيضاً إجراء تحسينات كبيرة في إدارة الاستثمارات العامّة من أجل تحقيق كفاءة أكبر والحفاظ على بنية قطر التحتيّة ذات المستوى العالمي. وقد أنشأت دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي، مثل المملكة العربيّة السعوديّة، وحدات خاصّة لتحليل النفقات المُتكرّرة والرأسماليّة بطرق متطوّرة يمكن أن تعزّز الأداء وتقلّل التكلفة في الوقت نفسه.9 وربّما يجدر بقطر أن تدرس هذه التجربة وتحاكيها.

 

وتتمثّل إحدى أفضل الطرق لبدء إصلاحات إدارة الماليّة العامّة في قطر في إجراء تمرين قياس مرجعيّ منهجيّ. يوفّر إطار الإنفاق العام والمحاسبة الماليّة أداةً مثاليّة لإتمام هذه المهمّة.10 أُطلِق هذا الإطار في العام 2001 بالتعاون بين مؤسّسات ماليّة وإنمائيّة رائدة، بما فيها المفوّضيّة الأوروبيّة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعدد من وكالات التنمية الثنائيّة، بهدف تنسيق تقييم مؤسّسات الإدارة الماليّة العامّة وممارساتها. يتضمّن تقييم الإنفاق العام والمحاسبة الماليّة سبعة أبعاد رئيسيّة: (1) موثوقيّة الموازنة، (2) شفافيّة الماليّة العامّة، (3) إدارة الأصول والخصوم، (4) الموازنة والإستراتيجية المالية المستندة إلى السياسات، (5) قابلية التنبؤ والرقابة في تنفيذ الموازنة، (6) المحاسبة ورفع التقارير، و(7) التدقيق والمراجعة الخارجية.

 

لغاية أبريل 2023، أكثر من 155 دولة أجرت تقييمات الإنفاق العام والمحاسبة الماليّة، من ضمنها 12 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.11 في المجمل، أُجرِي نحو 30 تقييماً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحيث خضع عدد من البلدان مثل المغرب والأردن وتونس لمراجعات متعدّدة.12 أمّا قطر، فقد كانت لافتة في غيابها. ومن شأن تحليل الإنفاق العام والمحاسبة الماليّة أن يساعد في قياس مكانة قطر بالمقارنة مع البلدان الأخرى، سواء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو العالم. والأهمّ من ذلك، من شأنه أن يوفّر لصانعي السياسات القطريين إطاراً لتصميم أجندة إصلاحيّة ترتكز على نقاط قوّة قطر وتساعد في معالجة المشكلات وأوجه القصور، لا سيّما في ما يتعلّق بإجراءات تعزيز قابلية التنبؤ في الموازنة وتأمين الصيانة المناسبة للأصول الرأسماليّة.

 

تحسين تقديم الخدمات

 

الأولويّة الثانية التي ركّز عليها رئيس مجلس الوزراء هي تقديم الخدمات، وهو مجال حقّقت فيه قطر نتائج جيّدة نسبياً على أصعدة متعدّدة. على سبيل المثال، تُعدُّ الإحصاءات الأساسيّة للصحّة والتعليم في قطر جيّدة بالمقارنة مع نظيراتها في المنطقة والمتوسّطات العالميّة، على الرغم من أنّها متأخرّة عن نتائج دول أخرى مرتفعة الدخل.13 أمّا في مؤشّر أداء الخدمات اللوجستيّة الصادر عن البنك الدولي، والذي يقيس الأداء التجاري بدءاً من التخليص الجمركي إلى جودة البنية التحتيّة، فتحتلّ قطر المرتبة 34 على المستوى العالمي، ممّا يضعها بمرتبة أدنى بكثير من الإمارات العربيّة المتحدة (المرتبة السابعة)، وإنّما متقدّمة على دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى.14 كما يُصنّف معهد ليجاتوم قطر في المرتبة الأولى في المنطقة من حيث الأمن والجودة الاقتصاديّة، وفي المرتبة الثالثة من حيث الحوكمة وخلق الظروف المواتية لتأسيس المؤسّسات والتوسّع، والمرتبة الرابعة من حيث البنية التحتيّة والوصول إلى الأسواق.15 أيضاً يصنّف مؤشّر برتلسمان للتحوّل جودة الحوكمة في قطر بالجيّدة، عبر استخدام مؤشّر مركّب يركّز على معايير مثل القدرة على التوجيه والوصول إلى إجماع، لكن مع مراعاة أبعاد مثل تحديد الأولويّات والتنفيذ وتنسيق السياسات.16

 

لتعزيز تقديم الخدمات، اتخذت الحكومة مؤخّراً بعض الخطوات الواعدة من خلال إنشاء مركز التميّز التابع لديوان الخدمة المدنيّة والتطوير الحكومي.17 وتماشياً مع أفضل الممارسات العالميّة الناشئة، يسعى المركز إلى القضاء على الأنظمة القديمة المُجزّأة وتسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات من خلال توحيد إجراءات نحو 40 هيئة عامّة على منصّة مركزيّة واحدة. ومن شأن ذلك أن يؤدّي إلى تحسين سرعة الخدمات الحكوميّة وجودتها وإمكانيّة الوصول إليها، وتعزيز التصنيف الدولي للحكومة الإلكترونيّة في قطر. ومن المهمّ استغلال هذه الفرصة من أجل تبسيط مسار أعمال الهيئة وإعادة هندستها لإلغاء الخطوات والمُتطلِّبات غير الضروريّة، بالإضافة إلى رصد النتائج واستكشاف التأخيرات في سيرورة العمل وإصلاحها. وهناك خطوات إضافيّة تعزّز تبادل البيانات بين الوزارات والهيئات العامّة وقد تسهّل إحراز التقدّم.

 

يمكن تحقيق مكاسب مُماثلة في تحسين فعاليّة الحكومة وتقديم الخدمات من خلال إنشاء مركز وحدة الخدمات الحكوميّة تابع لمكتب رئيس مجلس الوزراء. تتفاوت التجارب العالميّة مع وحدات الخدمات، ولكنّ في ظروف مُعيّنة قد تكون فعّالة في مساعدة القادة على معالجة الأولويّات المُتقاطعة المهمّة. وستكتسي هذه الوحدات أهميّة خاصة بالنسبة لقطر، مع دخول إستراتيجيّة التنمية الوطنية الثالثة (NDS-3) حيِّز التنفيذ. وسيكون من الجيّد أيضاً دراسة الفعاليّة التي أبدتها الدولة في تنسيق استجابتها ضدّ جائحة فيروس كورونا المُستجد عبر الوزارات من أجل استخراج الدروس المُتعلّقة بفعاليّة الحكومة والتنسيق بين مختلف الوزارات والتي يمكن تطبيقها في مجالات أخرى.

 

إصلاح الخدمة المدنيّة

 

وشدّد رئيس مجلس الوزراء على الحاجة إلى تنويع توظيف المواطنين بعيداً عن القطاع العام، الذي يوظِّف حالياً نحو 83 في المئة من المواطنين القطريين العاملين.18 وقد سعت دول متعدّدة في مجلس التعاون الخليجي إلى تحقيق هذا الهدف إنّما بنجاحٍ متباين (راجع الرسم البياني 1). تأتي البحرين وسلطنة عمان في مرتبة متقدّمة، ممّا يعكس الانخفاض النسبي في نصيب الفرد من عائدات الموارد الوطنيّة. إلى ذلك، حقّقت المملكة العربيّة السعوديّة التقدّم الأكبر في السنوات الأخيرة. فعلى مدى العقد الماضي، دفعت السلطات السعوديّة بقوّة من أجل توسيع توظيف المواطنين من خلال برنامج “نطاقات”، مع تشجيع المزيد من الشباب السعودي، وخصوصاً النساء، على تولّي وظائف في القطاع الخاصّ عبر مجموعة من برامج التدريب على المهارات ودعم الأجور. وبالنتيجة، تضاعف توظيف المواطنين السعوديين في القطاع الخاص في خلال العقد الماضي.19 وفي الآونة الأخيرة، بدأ القطاع العام السعودي البحث بجدّية في مسألة التعيينات لأجل محدّد وغيرها من الوسائل للابتعاد عن عقليّة “وظيفة واحدة لمدى الحياة”.

 

وتواجه قطر تحدّياً كبيراً في هذا المجال. يوظّف القطاع العام القطري بالفعل نسبة أعلى من المواطنين بالمقارنة مع أي دولة أخرى في مجلس التعاون الخليجي، حتّى وأنّ القطريين العاطلين عن العمل لا يكترثون بالعمل في القطاع الخاص. في الواقع، وفقاً لمسح القوى العاملة لعام 2020، أبدت نسبة 12,5 في المئة فقط من القطريين العاطلين عن العمل الذين شملهم الاستطلاع اهتماماً بالعمل في القطاع الخاص، ولم تجذب الفكرة اهتمام أي من الرجال العاطلين عن العمل المستطلعين تقريباً. ومن بين الأسباب التي قدّموها لتفسير تجنّبهم العمل في القطاع الخاص، ذكر حوالي ثلث المستطلعين ساعات العمل، وأشار نحو 17 في المئة منهم إلى المكانة الاجتماعيّة المتدنيّة. لكن الغالبية، أي حوالي 50 في المئة من العيّنة، فقد ذكرت أنّ الأجور المنخفضة هي الرادع الأساسي.20 بالتالي، ستستمرّ قطر في مجابهة رياح معاكسة قوّية تثبِّط جهودها في تنويع القوى العاملة ما لم تعالج التحدّي المُتمثل في تفاوت الأجور بين القطاعين العام والخاص.

 

الرسم البياني 1: نسبة الموظّفين العاملين في القطاع الخاص 2003-2022

ملاحظة: بسبب النقص في البيانات، تمّ تقدير أرقام بعض السنوات في الكويت وقطر والمملكة العربيّة السعوديّة.
المصدر: استندت حسابات المؤلّفَين على بيانات سوق العمل الرسميّة لكلّ دولة.21

 

ويتطلّب تحدّي الأجور هذا إحراز التقدّم في أبعاد متعدّدة. وسيكون من المهمّ إجراء تحليل مُفصّل لسوق العمل من أجل فهم مكامن التشوّه في السوق والتفاوتات في الأجور. على سبيل المثال، أكّد مسح أُجرِي مؤخّراً في دولة أخرى في مجلس التعاون الخليجي على أنّ الموظّفين العامّين في الشريحة الأدنى من جدول الأجور يتقاضون رواتب أعلى بكثير من نظرائهم في القطاع الخاصّ الذين يتمتّعون بمهارات ومستويات تعليميّة مُماثلة، في حين أنّ الموظّفين في الشرائح الأعلى لجدول الرواتب يتقاضون أجوراً أقل. بعبارة أخرى، تدفع تلك الحكومة رواتب أكثر من اللازم للموظّفين ذوي المهارات الأساسيّة والقيمة المُضافة المحدودة، بينما تصارع لجذب المواهب المطلوبة في المجالات ذات الأولويّة وتعويضها بشكل مناسب، مثل تكنولوجيا المعلومات أو تحليل السياسات والماليّة. ومن شأن إجراء مسح مُماثل في قطر أن يتيح للحكومة الفرصة لمراجعة سياسات الأجور والتوظيف وإجراء التصحيحات المناسبة.

 

ثانياً، من شأن إنشاء لجنة للأجور والرواتب أن يسمح بمراجعة رواتب الموظّفين مقابل معدّل التضخّم، ومقارنتها مع نظائرها في السوق، ممّا يسهّل وضع التوصيات السنويّة من أجل إجراء التعديلات، ويكسر حلقة زيادات الأجور الدوريّة غبّ الطلب، ويسمح للحكومة القطريّة بالسيطرة على نموّ الأجور. وإذا تمّت إدارة هذه اللجنة بشكل مناسب، فقد تحقّق إدّخارات كبيرة وتساعد الحكومة على تعديل الرواتب بمرور الوقت لتعكس ظروف السوق بشكل أفضل.

 

إلى جانب هذه التدابير، يبرز تحدٍّ أكبر يتطلّب اهتماماً مستمرّاً ويشمل تحسين نوعيّة إدارة الموارد البشريّة داخل القطاع العام. تستثمر قطر بكثافة في تنمية رأس المال البشري، ويتجاوز إنفاقها على التعليم لكلّ طالب الإنفاق في دول منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).22 مع ذلك، لا تزال قدرتها على تعزيز العائد على هذه الاستثمارات الضخمة غير واضحة، خصوصاً وأنّ ثلاثة أرباعها تقريباً تتدفّق مباشرة إلى القطاع العام. في هذا السياق، يتعيّن على قطر اعتماد مُقاربة أكثر إستراتيجيّة في التخطيط للقوى العاملة وإدارة المواهب، فضلاً عن تطوير خطط القوى العاملة من أجل مواءمة الأولويّات الإستراتيجيّة ومُتطلّبات الموارد البشريّة، على أن تُستكمل عمليّات التوظيف على أساس الجدارة والكفاءة، بالتوازي مع إستراتيجيّات التدريب المُستهدفة المُكمّلة لهذه الخطط.

 

أخيراً، تتطلّب هذه التغييرات اعتماد إستراتيجيّة حكوميّة شاملة لإصلاح الخدمة المدنيّة. ومن أجل تعزيز المحاسبة، لا بدّ من أن تتضمّن هذه الإستراتيجيّة مكوّنات ذات أولويّة، منها إدراج فترة اختبار لعامٍ واحد لجميع الموظّفين الجُدد، وإصدار إحصاءات شهرية عن التغيُّب في جميع الوزارات والهيئات والإدارات العامّة والأقسام وتعميمها على أن تكون مُقسّمة بحسب الوزارة والجنس والرتبة، ونشر إحصائيّات سنويّة عن عدد الموظّفين المعاقبين لارتكابهم مخالفات أو بسبب سوء الأداء.

 

إصلاحات أخرى مهمّة في مراقبة الأداء والشفافيّة

 

وبالإضافة إلى هذه المجالات ذات الأولويّة، من المفيد لقطر أن تطوّر قدرتها على مراقبة أداء الحكومة، وتتبُّع التقدّم المُحرَز في تنفيذ إستراتيجيّة التنمية الوطنيّة الثالثة، وتحديد موقع الدولة من المعايير والمقارنات الإقليميّة والعالميّة، وكافة المجالات التي تتطلّب عملاً جدّياً. وقد دعا رئيس مجلس الوزراء بشكل مباشر إلى تحسين الكفاءة والإنتاجيّة، ومع ذلك لا يتمّ قياس أي منهما بشكلٍ منهجي داخل الحكومة ممّا يحول دون رصد التقدّم المُحرَز.

 

يُعدُّ ربط هذه المقاييس بالشفافيّة أمراً في غاية الأهمية – وهو مجال، كما ذُكِر أعلاه، لا تسجّل فيه قطر مراتب متقدّمةً في التصنيف العالمي -. إذ من شأن زيادة الشفافيّة ان تسمح للمواطنين والشركات والمُستثمرين بمراقبة التقدّم المُحرز في أهداف إستراتيجيّة التنمية الوطنية الثالثة، والمساعدة في ضمان إستجابة الهئيات الحكوميّة. وكما أشار البنك الدولي مؤخّراً، يمكن أن تؤدّي إصلاحات الشفافيّة دوراً مهمّاً في تسهيل تدفّق المعلومات من داخل الحكومة وخارجها، ممّا يعزّز الاستجابة والمحاسبة،23 عدا أنّها من أسهل الإصلاحات التي يمكن تنفيذها. قد ترغب قطر في السير على خطى الأردن والمغرب وتونس والانضمام إلى شراكة الحكومة المفتوحة، بحيث قد تساهم صياغة مسوّدة لقانون الحقّ في المعلومات في تعزيز هذا المسعى.

 

لقد اتّخذت الحكومة مؤخّراً بعض الخطوات الواعدة في مراقبة الأداء من خلال إنشاء منصّة “شارك” الجديدة عبر الإنترنت، التي تهدف إلى تسهيل وصول السكان إلى الخدمات الرقميّة، ومساعدة الهيئات الحكوميّة على قياس رضا العملاء. ولتعزيز المحاسبة، سيتعيّن تتبّع النتائج المُستخرجة من استطلاعات “شارك” عن رضا العملاء، ومراقبتها ونشرها بانتظام، فضلاً عن مناقشة نتائجها داخل جلسات مجلس الوزراء.

 

الخاتمة

 

ستواجه السلطات القطريّة تحدّيات كبيرة عند تطبيق الإصلاحات في المجالات الثلاثة الأساسية التي وضعها رئيس مجلس الوزراء على رأس أولويّات الحكومة. لكن لحسن الحظّ، تمتلك قطر الموارد الأساسية والمواهب اللازمة لتحقيق هذا التغيير، عدا أنّ الإرادة السياسيّة موجودة والتوقيت مناسب أيضاً. يمكن لقطر البناء على الدروس المُستخلَصة من استجابتها الفعّالة إزاء جائحة فيروس كورونا المُستجدّ، ونجاحها في تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، بحيث لا يبقى أمامها سوى تعزيز نظام الإدارة العامّة والارتقاء به إلى مستويات عالميّة، وهو تحدٍّ كبير سيضمن تحقيقُه استمراريّةَ مسارها التصاعدي للعقود المقبلة.

 


الهوامش
1 Tawfik Lamari, “No Plan to Impose Income Tax, Date Not Yet Decided, Says PM,” Gulf Times, April 16, 2023, https://www.gulf-times.com/article/659357/qatar/no-plan-to-impose-income-tax-vat-date-not-yet-decided-says-pm.
2 World Bank, “WGI 2022 Interactive,” World Governance Indicators (WGI), accessed on May 26, 2023, https://info.worldbank.org/governance/wgi/Home/Reports; Transparency International, Corruption Perceptions Index, accessed on May 25, 2023, https://www.transparency.org/en/cpi/2021?gclid=Cj0KCQjw7PCjBhDwARIsANo7CglhDkMsia7kxCJa0G236P2VAG1XWZ_hdQZyBYNf1dv9x7IqmZ4O-lQaAgUlEALw_wcB.
3 United Nations Department of Economic and Social Affairs, E-Government Survey 2022: The Future of Digital Government, Report, (New York City: United Nations Department of Economic and Social Affairs, September 2022), https://desapublications.un.org/publications/un-e-government-survey-2022
4 World Bank, Doing Business 2020: Comparing Business Regulation in 190 Economies, 2020, https://documents1.worldbank.org/curated/en/688761571934946384/pdf/Doing-Business-2020-Comparing-Business-Regulation-in-190-Economies.pdf.
5 Anjali Garg, Renzo Lavin, and Chivimbiso Maponga, Open Budget Survey 2021 (8th Edition), Report, (Washington, DC: International Budget Survey, May 2022), https://internationalbudget.org/open-budget-survey/. International Budget Partnership, Open Budget Survey, access on May 25, 2023,  https://internationalbudget.org/open-budget-survey/.
6 United Nations, “Local Online Services Index,” UN E-Government Knowledgebase, access on May 24, 2023,  https://publicadministration.un.org/egovkb/en-us/About/E-Government-at-Local-Level/Local-Online-Service-Index-LOSI.
7 International Monetary Fund, “Qatar: 2022 Article IV Consultation Press Release and Staff Report,” June 21, 2022, https://www.imf.org/en/Publications/CR/Issues/2022/06/16/Qatar-2022-Article-IV-Consultation-Press-Release-and-Staff-Report-519679
Ibid.
9 Hebshi Alshammari, “Spending efficiency program saves $106bn in four years,” Arab News, May 3, 2021, https://www.arabnews.com/node/1852691/business-economy.
10 “Assessments,” Public Expenditure and Financial Accountability Program, accessed May 24, 2023, https://www.pefa.org.
11  من ضمن 12 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أُجريَ 33 تقييماً على المستوى الوطني أو في البلديات منذ العام 2001. وهذه الدول هي: الجزائر (2010، 2017)، مصر (2009)، العراق (2007، 2008، 2017)، الأردن (2007، 2011، اثنان في 2017، 2022)، الكويت (2010)، لبنان (2011)، المغرب (2009، 2015، اثنان في 2016)، عمان (2013)، فلسطين (2007، 2013، 2019)، سوريا (2006)، تونس (2010، ثلاثة في 2015، ثلاثة في 2016، اثنان في 2017، 2023)، واليمن (2008).
12 “Homepage,” Public Expenditure and Financial Accountability (PEFA), accessed May 23, 2023, https://www.pefa.org/.
13 World Bank Education Statistics Database, “Education Statistics – All Indicators,” accessed June 3, 2023, https://databank.worldbank.org/source/education-statistics-%5E-all-indicators; World Bank Health, Nutrition, and Population Statistics Database, “Health Nutrition and Population Statistics,” accessed June 3, 2023, https://databank.worldbank.org/source/health-nutrition-and-population-statistics.
14 World Bank, “Logistics Performance Index (LPI) – 2023,” accessed June 13, 2023, https://lpi.worldbank.org/international/global.
15 Legatum Institute, The 2023 Legatum Prosperity Index, Report, (London: Legatum Institute, 2023), https://www.prosperity.com/download_file/view_inline/4789.
16 “The Transformation Index,” Bertelsmann Stiftung, accessed June 13, 2023, https://bti-project.org/en/?&cb=00000.
17 “The State of Qatar Debuts Unified Citizen Experience Management Platform for Government Services,” Civil Service and Government Development Bureau, February 15, 2023, https://cgb.gov.qa/en/MediaCenter/News/Pages/news-details.aspx?itemID=27.
18 Authors’ calculations based on the 2020 Qatar Labor Force Survey Sample. Planning and Statistics Authority, Annual Bulletin Labor Force Sample Survey 2020, (Doha: Planning and Statistics Authority, 2020), https://www.psa.gov.qa/en/statistics1/pages/topicslisting.aspx?parent=Social&child=LaborForce.
19 Authors’ calculations based on official labor force statistics published quarterly by the General Authority for Statistics of the Kingdom of Saudi Arabia. “Labor Force,” General Authority for Statistics, accessed May 23, 2023, https://www.stats.gov.sa/en/814.
20 Authors’ calculations based on the 2020 Qatar Labor Force Survey Sample. Planning and Statistics Authority, Annual Bulletin 2020.
21 Author calculations based on official labor force statistics drawn from statistics agencies for each of the included GCC countries. D Analysis by Paul Dyer, Middle East Council on Global Affairs, based upon labor market data from Haver Analytics.  Due to gaps in the data, some years are estimated for Kuwait, Qatar and Saudi Arabia. For original sources, see Kingdom of Bahrain Labour Market Regulatory Authority, Bahrain Labour Market Statistics, https://blmi.lmra.gov.bh/2022/12/mi_data.xml; State of Kuwait Central Statistics Bureau, Population Statistics, https://www.csb.gov.kw/; Sultanate of Oman National Centre for Statistics and Information, Labour market, https://data.gov.om/byvmwhe/labour-market; State of Qatar Planning and Statistics Authority, “Labor Force Survey,” https://www.psa.gov.qa/en/statistics1/pages/topicslisting.aspx?parent=Social&child=LaborForce; and, Kingdom of Saudi Arabia General Authority for Statistics of the Kingdom of Saudi Arabia, “Labor Force,” https://www.stats.gov.sa/en/814.
22 Based on author calculations from data on public spending on education and school-age population from World Bank, Educational Statistics (EdStats), accessed on May 26, 2023:. https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=Education%20Statistics.
23 Farid Belhaj, Roberta Gatti, Daniel Lederman, Ernest John Sergenti, Hoda Assem, Rana Lotfi, and Mennatallah Emam Mousa, World Bank, See A New State of Mind: Greater Transparency and Accountability in the Middle East and North Africa, MENA Economic Update, (Washington, DC:  GroupOctober 2022), http://hdl.handle.net/10986/38065., https://openknowledge.worldbank.org/server/api/core/bitstreams/887ca619-e90d-53f5-b85c-77c0ad5f66ed/content.