الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مؤتمر صحفي مشترك في أنقرة في 24 يناير 2024.

إيران وتركيا تسعيان إلى تجنّب حرب إقليمية لأسباب مختلفة

تعارض كلّ من إيران وتركيا أي توسّع للحرب على غزة، إلّا أنّ الاختلافات بينهما ما زالت قائمة طالما أنّ دوافع الطرفين نابعة من مصالح متباينة.

14 مارس، 2024
فالي كاليجي

في 24 يناير، التقى الرئيس الإيراني بنظيره التركي في أنقرة في ظلّ الانهيار المتسارع للوضع الأمني في الشرق الأوسط. وفيما تطرّق الاجتماع، الذي كان قد تأجّل مرتين، إلى مجموعةٍ واسعة من المواضيع الثنائية، طغت الحرب على غزة والاشتباكات ذات الصلة على أجواء اللقاء. وعلى الرغم من أنّ الطرفين وجدا أرضيةً مشتركة في دعمهما للفلسطينيين ومعارضتهما لتصعيدٍ إقليمي على نطاق أوسع، تُسلّط الحرب الضوءَ أيضاً على اختلافات جوهريّة من الممكن أن تنعكس على تطوّر العلاقة بينهما.

 

ليس الانتقاد اللاذع لإسرائيل جديداً بالنسبة إلى إيران، حيث أنّ معارضتها لإسرائيل تُشكّل أحد أركان أيديولجيا الدولة. على غرار إيران، دعمت تركيا بقوة الدعوى التي تقدّمت بها جنوب أفريقيا لدى محكمة العدل الدولية لاتّهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. وقد انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إسرائيل مراراً في خلال العشرين عاماً التي أمضاها في الحكم، إنّما بدرجات مختلفة على اختلاف الأزمنة. ومنذ السابع من أكتوبر، لم يوفّر الرئيس التركي أي فرصة للتنديد بأفعال إسرائيل في قطاع غزة. فقد وصف أردوغان إسرائيل بـ”الدولة الإرهابية” التي ترتكب جرائم حرب، مؤكّداً أنّ حماس حزبٌ سياسي وليست منظمة إرهابية. ودان كذلك بنيامين نتانياهو ووصفه بالـ”طاغية” وبأنه لا يختلف عن أدولف هتلر.

 

لا شكّ في أنّ انتقادات أردوغان الناريّة لاقت ترحيباً في طهران، غير أنّ الدولتين لا تتّفقان حول مكانة إسرائيل في المنطقة، أقلّه من حيث السياسة. فخلافاً لإيران، لا تدعو تركيا إلى زوال إسرائيل، التي تجمعها بها علاقات منذ فترة طويلة. وتركيا هي عضو في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى جانب أقرب الحلفاء لإسرائيل. ومن شأن تغييرٍ جذري في موقف تركيا من إسرائيل أن ينعكس على سياستها الخارجية على نطاق أوسع، التي من غير المرجّح أن ترغب أنقرة في تعديلها. من جهتها، تمثّل إسرائيل شريكاً اقتصادياً مهمّاً بالنسبة إلى تركيا كونها عاشر أكبر سوق للصادرات التركية وتحتلّ المرتبة التاسعة والعشرين على قائمة أكبر مورّدي واردات تركيا. بالفعل، من المرجّح أن تقوم الدولتان بتطبيع العلاقات الدبلوماسية بعد توقّف القتال في غزة وبداية الإعمار، مثلما استئنفتا العلاقات في نهاية المطاف بعد حادثة سفينة “مافي مرمرة” في العام 2010.

 

 

المعضلات التركية

أبعد من الاختلاف العميق في علاقتهما مع إسرائيل، تتناقض نظرتا البلدين إلى دور الجهات المسلّحة غير الحكومية في المنطقة التي تُعتبر أطراف رئيسية في الحرب الحالية. لا شكّ في أنّ تركيا تعارض أجندة ما يُعرف بمحور الممانعة المؤلّف من مجموعات موالية لإيران أو مدعومة منها تتحرّك في مختلف أرجاء الشرق الأوسط. على سبيل المثال، لا تدعم أنقرة حزب الله في لبنان. وقد ساندت كلّ من تركيا وإيران أطراف متخاصمة في الحرب الأهلية السورية. لأمّا في ما يتعلّق بحماس، فدعم أنقرة سياسي في المقام الأوّل.

 

سلّطت الأزمة الحالية في البحر الأحمر الضوء على اختلافات إضافية. في الواقع، تعترف إيران رسمياً بحكومة الحوثيين في صنعاء، التي ردّت على الحرب في غزة بمهاجمة إسرائيل والسفن المرتبطة بالولايات المتحدة، ما أدّى إلى إطلاق عمليّة “حارس الإزدهار”. في المقابل، تدعم تركيا حكومة اليمن في عدن المعترف بها دولياً.

 

وهذا يضع أنقرة في مواجهةٍ خطيرة مع طهران -ومن الممكن أن يؤجّجها اندلاع حرب إقليمية. من جهةٍ، تَعتبر تركيا صورتها الموالية للفلسطينيين ورقةً حاسمة في الداخل وفي علاقاتها الخارجية. في هذا الصدد، انتقدت الحكومة علناً الحملة ضد الحوثيين بقيادة الولايات المتحدة واتّهمت حلفاءها ضمن الناتو في واشنطن ولندن بالحرص على “تحويل البحر الأحمر إلى حمام دم”. غير أنّ أنقرة تحرص من جهتها أيضاً على حماية روابطها المتنامية مع المملكة العربية السعودية، أحد ألد أعداء الحوثيين، وتتردّد في دعم المعسكر الحوثي علناً، ناهيك عن محور الممانعة.

 

علاوة على ذلك، تعتبر تركيا إمكانية اتّساع رقعة الحرب على غزة على نطاقٍ إقليمي وبالتالي تورّط محور الممانعة بشكلٍ أكبر، بمثابة تهديد لمصالحها القومية وسياستها الخارجية، لا سيما في ضوء المنافسة الجيوسياسية بين إيران وتركيا في الشرق الأوسط. وتخشى بشكلٍ خاص أن يؤدّي صراع إقليمي إلى تصعيد تمرّد المجموعات الكرديّة المعارضة لتركيا في شمال العراق وسوريا، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني (PKK) وحزب الشعوب الديمقراطي (HDP) اليساري المؤيّد للأكراد، ووحدات حماية الشعب (YPG)، وهي الجناح المسلّح لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) السوري المرتبط بحزب العمال الكردستاني.

 

ازدادت الاشتباكات بين هذه المجموعات والقوات التركية بشكلٍ ملحوظ منذ السابع من أكتوبر. آخر ما تريد تركيا هو تحفيز المجموعات الكردية المسلّحة على تحدّي مصالحها. من الممكن أن يمتدّ النشاط المتزايد للمجموعات الكردية المعارضة لتركيا، لا سيما في شمال العراق، إلى إيران إذا عزّزت مجموعات على غرار الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران (KDPI) وحزب الحياة الحرّة الكردستاني (PJAK) وحزب “كومله” وحزب الحرية الكردستاني، التعبئة ضد الجمهورية الإسلامية. وتشير ضربات تركيا الجوية وهجمات إيران الصاروخية على المجموعات الكردية المسلّحة في شمال العراق في الأشهر الماضية بشكلٍ واضح إلى القلق المشترك بين الدولتين.

 

 

بالإضافة إلى ذلك، من شأن اندلاع صراع إقليمي أن يعمّق الانقسامات بين تركيا ونظرائها الغربيين في الناتو. خلافاً لإيران التي واجهت العقوبات الغربية على مدى عقود واختارت بوضوح تعزيز تحالفاتها مع روسيا والصين، لا تُريد تركيا توجيه سياستها الخارجية نحو الشرق. ويُعزى أحد أسباب تأدية أنقرة دوراً ناشطاً في الأزمات في أوكرانيا والشرق الأوسط إلى هذه الرغبة في المحافظة على روابط متوازنة مع شركائها الأجانب. فلا مصلحة لديها في احتراق هذه الميزة النسبيّة في نيران خلافات متصاعدة مع إسرائيل وفي أتون حربٍ إقليمية.

 

المصالح الإيرانية

على الرغم من موقف إيران الأكثر عدائية تجاه إسرائيل، تتشارك مع تركيا الرغبة في تفادي صراع إقليمي شامل. لقد حاولت طهران جاهدةً تجنّب الدخول في حرب غزة وشدّدت مراراً وتكراراً على أنّ قوى الممانعة التي تدعمها عبر الشرق الأوسط، بما فيها حماس وحزب الله والحوثيين، هي جهات مستقلّة وليست وكلاء لإيران.

 

في الواقع، تعتقد إيران أنّ الهجمات الإسرائيلية المتعدّدة على أهداف إيرانية في سوريا- لا سيما تلك التي أسفرت عن مقتل عددٍ من قادة الحرس الثوري الإسلامي – تهدف إلى جرّها إلى صراعٍ مباشر مع الولايات المتّحدة. بالتالي، وانطلاقاً من دوافع أيديلوجية وبراغماتية معقّدة، قرّرت إيران القيام بما في وسعها من أجل حصر الحرب في غزة وتجنّب امتداد شامل إلى لبنان وسوريا.

 

مع ذلك، جنت طهران عدداً من المنافع من الحرب المستمرّة. فقد علّق الصراع إلى أجل غير مسمّى عملية تطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية والإسلامية، لا سيما مع المملكة العربية السعودية. وأغرق إسرائيل في غزة في المستقبل المنظور، واستنزف الموارد التي كان من الممكن استخدامها لتنفيذ عمليات مباشرة ضد إيران. والأهم من ذلك بالنسبة إلى إيران، فإنّ قيام إسرائيل بقتل عشرات الآلاف من المدنيين، خاصة من النساء والأطفال، ألحق ضرراً عميقاً بصورة الدولة والولايات المتحدة وبمكانتيها على الصعيد الدولي.

 

على الرغم من هذه المنافع والاختلافات بين طهران وأنقرة بشأن عدد من القضايا الإقليمية، إلّا أنّ الحكومتين تتشاطران رغبةً قوية في احتواء انتشار الحرب على غزة. علاوة على ذلك، تشكّل الأزمة الحالية مثالاً آخر على تعقيد العلاقات بين الحكومتين في خضم الصراع، كما تجلّى في العراق وسوريا وجنوب القوقاز. على الرغم من الاختلافات الجيوسياسيّة المتعدّدة بين تركيا وإيران، من المتوقّع أن تفصل الدولتان بين القضايا الأخرى بغية المحافظة على علاقاتهما الثنائية وتجنّب تصعيد إقليمي.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية

القضية: العلاقات الإقليمية، منافسة القوى العظمى
البلد: إيران، تركيا

المؤلف

زميل بحوث أوّل في معهد الدراسات الإيرانية الأوروبية الآسيوية في طهران، إيران