الحركة الوطنية الفلسطينية وتحدّي القانون الدولي

مايو 2026
زميل أول غير مقيم

13 مايو، 2026

برَز القانون الدولي والمؤسّسات القانونية الدولية كساحةٍ محورية في النضال من أجل حقوق الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023. خلال هذه الفترة، حقّق الفلسطينيون إنجازات غير مسبوقة في محافل مثل محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وعلى نطاق أوسع، تخلّى مجتمع حقوق الإنسان، بما في ذلك أبرز منّماته، بشكلٍ حاسم عن تردّده السابق في تقييم سلوك إسرائيل وفقاً للمعايير القانونية نفسها التي تُطبّق عادة في سياقات أخرى.

وفي الوقت نفسه، أطلق معارضو حقوق الفلسطينيين حملةً منسّقة آيلة إلى إفراغ هذه الإنجازات من مضمونها وتقويض المؤسّسات التي حقّقتها. وفي هذا السياق، باتت المعايير والقيم المكرّسة في مجموعة القوانين الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، والتي كانت تتعرّض لضغوط حتى قبل أكتوبر 2023، على المحك.

ويُجسّد القرار رقم 2803 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 17 نوفمبر 2025، إلى جانب “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2026، محاولة لإلغاء قابلية تطبيق القانون الدولي على تسوية القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لتحدي سلطة الأمم المتحدة بحدّ ذاتها من خلال تقديم مجموعة منتقاة من الأفراد، كبديلٍ واقعي عن مجلس الأمن الدولي في المسائل المتعلّقة بالحرب والسلم.1

نتيجة لذلك، لا يخوض الفلسطينيون اليوم نضالاً طويل الأمد من أجل ترجمة النتائج القانونية وآراء الخبراء إلى تغيير ملموس فحسب، بل يواجهون أيضاً مَهمّة إضافية تتمثّل بالمحافظة على المبادئ، وفي بعض الحالات، المُحافظة على المؤسّسات التي مكّنتهم من تحقيق تقدّم في المجال القانوني. وفيما يشكّل هذا التحدّي المزدوج خطراً وجودياً على حقوق الفلسطينيين، فإنّه يفتح الباب أيضاً أمام فرص حقيقية لتشكيل ائتلافات تهدف إلى صون هذه الحقوق في إطار الدفاع عن أجندة عالمية.

غالباً ما يتمّ تجاهل الأحكام القضائية والتقارير بشأن حقوق الإنسان لتأثيرها المحدود على تحصيل حقوق الشعوب التي تعاني من مصادرة الأملاك، والتمييز البنيوي، والعنف الجماعي منذ فترة طويلة. وغالباً ما يفلت المسؤولون عن مثل هذه الجرائم من المساءلة الفعلية على أساس هياكل السلطة القائمة. لذا فإنّ توقّع الفلسطينيين أن تتمكّن الإجراءات القانونية وحدها من التغلّب على هذه الوقائع يُعدّ في غير محلّه.

بيد أنّ الاعتراف بهذه القيود يجب ألا يغفل حقيقة أنّ نضال الفلسطينيين سياسي في جوهره، وأنه سينتصر أو يُهزم على الساحة السياسية أكثر منه في المجال القانوني أو ميدان حقوق الإنسان. من هذا المنظور، فإنّ تنامي التوافق الدولي على أنّ إسرائيل تُعدّ نظام فصل عنصري، وترتكب إبادة جماعية بقيادة مجرمين متّهمين، يفتح الباب أمام فرص سياسية مهمّة يمكّنها المساهمة بشكل مباشر في تعزيز نضال الفلسطينيين من أجل التحرّر، من خلال تغيير شروط النقاش والجدل حول القضية الفلسطينية وسُبل حلّها.

الخلفيّة والسياق

منذ انطلاق النضال الوطني، انخرط الفلسطينيون في القانون الدولي ومؤسساته، على شوائبها، دفاعاً عن حقوقهم وسعياً لاستعادتها. وخلافاً للمواجهة المسلّحة، يشكّل المجال القانوني ساحة أكثر تكافؤاً، إذ لطالما تمتّعت إسرائيل بتفوّق ساحق في الميدان. في المقابل، تتمتع حقوق الفلسطينيين، بما فيهم الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي بدعم بموجب قوانين الحرب الراسخة في القانون الدولي. وقد كرّس قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 للعام 1948 حقّ الفلسطينيين في العودة، كما اعتبر قرار الجمعية العامة رقم 3236 للعام 1974 حقّ الفلسطينيين في “تقرير المصير وفي السيادة والاستقلال الوطني غير قابل للتصرّف”.2 وقد ضمنت الدبلوماسية الفلسطينية إعادة تأكيد هذين القرارين التاريخيين على مدى العقود اللاحقة.

والأمر سيّان بالنسبة إلى تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي التي احتلّتها عام 1967، إذ أُعيد تأكيدها مراراً، بما في ذلك من قِبل مجلس الأمن الدولي الذي دان في قراره رقم 478 للعام 1980 ضمّ إسرائيل للقدس الشرقية، واعتبره “لاغياً وباطلاً”. ومن جهتها، قضت محكمة العدل الدولية عام 2004 بعدم قانونية الأجزاء من الجدار في الضفة الغربية التي تمتدّ إلى ما وراء الخط الأخضر، ما وُصف بقرار تاريخي صادر عن أعلى هيئة قضائية في العالم. وبالتالي، أعادت المحكمة تأكيد المواقف الفلسطينية كافة بشأن وضع الأراضي المحتلة وعدم قانونية السياسات والممارسات الإسرائيلية داخلها.3

في موازاة ذلك، أصدرت وكالات الأمم المتحدة المعنيّة بحقوق الإنسان، والمقرّرون الخاصون، وبعثات تقصّي الحقائق مجموعة متزايدة من التقارير التي تتّهم إسرائيل بشكل مباشر بارتكاب سلسلة واسعة من الانتهاكات والجرائم المحدّدة بحق الشعب الفلسطيني. وبين عامَي 2021 و2022، أكّد عدد من المنظمات الإسرائيلية والدولية الرائدة المعنيّة بحقوق الإنسان الاستنتاجات التي توصّلت إليها نظيراتها الفلسطينية، والقائلة بأنّ إسرائيل دولة تمارس سياسة الفصل العنصري، وهو تقييم لا يقتصر، بنظر معظم هذه المنظمات، على الأراضي المحتلة عام 1967 فحسب، بل يشمل إسرائيل نفسها.4

حتى أكتوبر 2023، كانت إسرائيل تبدو واثقة من قدرتها على احتواء هذه النتائج من خلال الدعم الدبلوماسي الذي يوفّره حلفاؤها ونفوذها الدولي. ويُجسّد تقرير “غولدستون” الصادر عام 2009 بشأن “عملية الرصاص المصبوب” الإسرائيلية، هذا النمط: فرغم ما خلص إليه من نتائج مفصّلة تتعلّق بارتكاب جرائم حرب، أسفرت الضغوط السياسية المستمرّة عن تراجع معلن على مستوى رفيع، ما أدّى إلى الحدّ من تأثير التقرير.5 ولا يقلّ أهمية في مثل هذه الحالات أنّ القيادة الفلسطينية لم تعمل على حشد الدعم لهذه الأحكام والتقارير، ما يعكس مخاوف تتعلّق بالتداعيات الدبلوماسية واعتبارات مرتبطة بالعلاقات مع إسرائيل والشركاء الغربيين.

أبرز التطوّرات ما بعد أكتوبر 2023

منذ أكتوبر 2023، ازدادت هشاشة الموقف الإسرائيلي بشكلٍ ملحوظ. فقد أسهمت مجموعة من الأحكام والمبادرات القانونية في تغيير النظرة إلى إسرائيل وقيادتها العليا إلى حدّ كبير، على نحو كان يصعب تصوّره في السابق. وأدّت الإجراءات القانونية على وجه الخصوص إلى تطبيع الخطاب العام حول السياسات والممارسات الإسرائيلية غير المشروعة على نطاق واسع.

فيما شرعت إسرائيل في حملتها العسكرية على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، لجأت سرديّتها الرسمية إلى أنماط خطابية تحدّثت عن التزام استثنائي بالمعايير الإنسانية، وعزت الخسائر في صفوف المدنيين إلى سلوك خصومها الفلسطينيين. وقد أسهمت هذه الحجج، التي عزّزتها إحدى حملات العلاقات العامة الإسرائيلية المنظّمة جيداً، في إشاعة جوّ من الالتباس بشأن المسؤولية عن الأذى اللاحق بالمدنيين وسط عدد من شرائح الرأي العام الدولي، على الرغم من أنّ حجم الدمار وسفك الدماء أثار موجة عارمة من الغضب.

وفي ديسمبر 2023، تقدّمت جنوب أفريقيا بطلب إلى محكمة العدل الدولية تتهّم فيه إسرائيل بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في غزة، بيد أنّ بعض المراقبين رأوا أن هناك دوافع سياسية تقف وراء هذه الخطوة. إلا أنّ الوضع تغيّر برمته عندما أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها الأوّلي في 26 يناير 2024، حيث قضت المحكمة، بأغلبية الساحقة، بأنّ جنوب أفريقيا تقدّمت بدعوى معقولة، وبأنّ الوضع على الأرض طارئ بما فيه الكفاية، بما يستدعي اتخاذ تدابير تحفّظية لمنع وقوع أذى يتعذّر إصلاحه إلى حين صدور الحكم النهائي.6

غالباً ما يُصوَّر قيامُ دولة إسرائيل في المخيّلة العامة كخطوة اتّخذها المجتمع الدولي للتكفير عن المحرقة، وإذ بإسرائيل تواجه اليوم اتهاماً موثوقاً بارتكاب “جريمة الجرائم”. وبذلك، غيّر حكمُ المحكمة الأطرَ الخطابية السائدة من خلال وضع إسرائيل تحت المجهر القانوني الرسمي في ما يتعلّق بالتزاماتها المرتبطة بالإبادة الجماعية، وإعادة إدراج الفلسطينيين ضمن إطار السردية القانونية الدولية كمجموعة مَحمية بموجب الاتفاقية وكضحايا. ومن الصعب المبالغة بالأهمية السياسية التي يكتسبها حكم محكمة العدل الدولية، لا سيما أنّه شرّع النقاش حول إسرائيل وسلوكها بعبارات لطالما تمّ تجنّبها بشكل عام واعتبارها من المحرّمات في محافل رسمية وعامة متعدّدة.

في فبراير ومارس ومايو 2024، أصدرت المحكمة تدابير تحفّظية إضافية بشأن مسؤولية إسرائيل عن تفاقم الأزمة الإنسانية الطارئة في قطاع غزة. وفي الأمر الصادر في شهر مايو، طالبت المحكمة إسرائيل بالامتناع عن شنّ عمليات عسكرية في رفح، وربطت بشكلٍ مباشر بين العمليات العسكرية الإسرائيلية والموجبات المنصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ويُقال إنّ الإجراءات القانونية المتّخذة في لاهاي أعطت منظمات حقوق الإنسان العالمية الرائدة زخماً، ما شجّعها على إصدار تقارير تخلص بشكلٍ لا لُبس فيه، إلى أنّ إسرائيل ترتكب إبادة جماعية. وقد لاقت هذه التقييمات صدى لدى منظمات إسرائيلية لحقوق الإنسان في العام 2025.

وقد طرأ تطوّر بارز آخر، يحمل تداعيات سياسية مباشرة، على المحكمة الجنائية الدولية التي تركّز على المسؤولية الجنائية الفردية أكثر منه على سلوك الدول. ففي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبالتالي، أصبح اثنان من كبار القادة الإسرائيليين فارين من العدالة الدولية. ومن اللافت أنه بموجب مبدأ التكامل، لا تصدر مذكرات التوقيف إلا إذا قرّرت المحكمة أنّ القضاء الإسرائيلي لم يحقّق في هذه الجرائم أو يقاضِ مرتكبيها.

وفي السنة نفسها، في يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً تاريخياً بناء على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة، اعتبرت فيه أنّ الحكم الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلّة غير قانوني وأنّ بعض ممارسات هذا النظام تصل إلى الفصل العنصري.7 وابتداءً من العام 2004، أكّدت محكمة العدل الدولية مجموعة من مواقف الفلسطينيين بشأن حقوقهم والسلوك الإسرائيلي، باعتبارها التفسير الصحيح للقانون الدولي.8 وبُعيد ذلك، اعترفت حكومات غربية متعدّدة بدولة فلسطين رسمياً، ما يُشير إلى رابط محتمل بين النتائج القانونية والمواقف الدبلوماسية.

وفي رأي استشاري آخر تناول التزامات إسرائيل تجاه وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والدول الأجنبية العاملة في الأراضي المحتلة في أكتوبر 2025، أكّدت المحكمة الدور المركزي، الذي لا غنى عنه، الذي تؤديه “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى” (الأونروا)، ودحضت المزاعم الإسرائيلية بأنّ الأونروا انتهكت التزاماتها بالحياد، معتبرةً أنّ لا أساس لها، وطالبت إسرائيل برفع القيود المفروضة على عمل الوكالة.9 وفي يناير 2026، هدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بإحالة إسرائيل مجدداً إلى المحكمة في حال لم تلغِ القوانين التي تستهدف الأونروا ولم تعِد الممتلكات والأصول التي صادرتها من الوكالة في انتهاكٍ للحكم الصادر في أكتوبر.10

وضمن منظومة الأمم المتحدة كذلك، أصدرت المقرّرة الخاصة المعنيّة بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، مجموعة من التقارير حول السياسات والممارسات الإسرائيلية، بما فيها تقرير أشار إلى تواطؤ شركات دولية في الإبادة الجماعية في غزة. وفي سياق منفصل، اتّهمت لجنة التحقيق الدولية المستقلة، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، ونشرت عدداً من التقارير التي وثّقت فيها الممارسات ذات الصلة.

رسّخت تقييمات عدد كبير من العلماء المتخصّصين في الأبحاث المتعلّقة بالإبادة الجماعية والمحرقة، هذه النتائج المؤسساتية. ولعلّ أهمها القرار الذي اعتمدته “الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية” (IAGS) في أغسطس 2025 والذي أعلنت فيه أنّ “سياسات إسرائيل وأفعالها في غزة تفي بالتعريف القانوني للإبادة الجماعية” المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.11

لقد سلّطت هذه الأحكام والتقارير الضوء مراراً على أنّ موجبات الدول لا تقتصر على معاقبة مرتكبي الإبادة الجماعية بل تشمل أيضاً منع وقوع الجريمة. وقد أدى هذا المبدأ تحديداً، الذي يقرّ بمسؤولية جماعية عالمية باحترام القانون الدولي وضمان تطبيقه على الجميع، إلى إنشاء “مجموعة لاهاي” في مطلع العام 2025. وشكّل هذا الائتلاف من الدول تحدياً مباشراً للحكومات الغربية التي وفّرت غطاء لإفلات إسرائيل من العقاب، على الرغم من ادعائها الدفاع عن نهج أسمته “النظام الدولي القائم على القواعد”، والذي بدا أنّه يستثني إسرائيل بوضوح.

في الواقع، منذ اندلاع الحرب، بُذلت جهود هائلة بهدف منع المؤسسات الدولية من أداء ولاياتها. وخير مثال على ذلك تلويح المملكة المتحدة بالانسحاب من “نظام روما الأساسي” ووقف تمويلها للمحكمة الجنائية الدولية في حال مضت قدماً في إصدار مذكرات التوقيف بحق القادة الإسرائيليين، ما عزّز الانطباع السائد بأنّ حلفاء إسرائيل الغربيين أكثر تمسّكاً بضمان إفلاتها من العقاب منه بالدفاع عن النظام الدولي الذي يتعرّض للتقويض نتيجة لذلك.12

وفي أعقاب عودة ترامب إلى الرئاسة في يناير 2025، فرضت الولايات المتحدة تدابير عقابية على مسؤولين في الأمم المتحدة وموظّفي المحكمة الجنائية الدولية المرتبطين بهذه التحقيقات، في الوقت الذي هدّدت فيه آخرين. وقد أسهمت هذه التدابير، المخصّصة عادةً للإرهابيين المصنّفين وعناصر الجرائم المنظّمة، في تعقيد حياة المهنيين المكلّفين بتنفيذ القانون إلى حد كبير. وقد أثارت الاستقالة اللاحقة للأعضاء الثلاثة في لجنة التحقيق الدولية في يوليو 2025 مخاوف بشأن التأثير التراكمي لمثل هذه الضغوط، على الرغم من عدم ثبوت أيّ علاقة سببية مباشرة بشكلٍ رسمي. ومن اللافت أنّ جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية لم تُبدِ أيّ معارضة تُذكر، في حين واصلت الدول الأوروبية السماح لنتنياهو بالعبور عبر مجالها الجوي خلال زياراته إلى الولايات المتحدة.

الآفاق والعقبات

يشهد واقع الفلسطينيين اليوم إحراز تقدّم غير مسبوق في الإطار القانوني الدولي. ولكن من السخرية أنّه كلما حقّق الفلسطينيون نجاحاً في هذا المجال، كلما تعرّض النظام القانوني للتقويض وجُرّد من سلطته التنفيذية. أمّا إذا اعتُبرت هذه الإنجازات القانونية أدوات في خدمة نضال سياسي طويل الأمد عوضاً عن آليات للتغيير والتنفيذ بوتيرة متسارعة، فإنّه يمكن، لا بل يجب، تقييم أهميّتها على نحو مختلف.

كان لهذه التقارير والأحكام مجتمعة، الصادرة خلال الإبادة الجماعية في غزة، تأثيرٌ حقيقي وتغييري ولا عودة عنه على الأرجح، في التصوّرات الدولية بشأن إسرائيل والفلسطينيين. وبينما سعت إسرائيل وأنصارها، بلا كلل، إلى إثارة الالتباس حول الجهة التي تتحمّل مسؤولية الفظائع الجلية التي يشهدها الجميع في غزة، أدّت تقييمات الهيئات القانونية وخبراء حقوق الإنسان الذين يُعدّون بصورة عامة حكاماً حياديين وموضوعيين، دوراً حاسماً في تبديد هذا الغموض.

ومقارنةً بالمراحل السابقة، أسهم هذا العمل المهني في تطبيع الجدل والنقاش المفتوح حول إسرائيل وممارساتها. وعلى الرغم من صعوبة قياس هذا التحوّل عملياً، من المنطقي اعتبار هذه التطوّرات، على غرار أحكام محكمة العدل الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية ومذكّرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، محطات مهمة على درب هذا التحوّل.

سيستغرق تبلور الأثر السياسي لهذه التغيرات في الأمد الطويل بعض الوقت، والأهم من ذلك أنّ هذا التأثير ليس حتمياً. لذا فإنّ التحدي بالنسبة إلى الفلسطينيين يكمن في بقاء قضيتهم مطروحة على الطاولة. وفي هذا الصدد، فإنّهم يتمتّعون بمزايا متعدّدة.

أولاً، من المستغرب إلى حدّ ما أنّ القيادة الفلسطينية الحالية، التي أذعنت لإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في معظم المسائل، ما زالت منخرطة على الساحة القانونية الدولية، ولو بشكلٍ محدود، على الرغم من الضغوط الهائلة لدفعها إلى التوقّف والتراجع. ويعكس ذلك، على ما يبدو، مزيجاً من الضغوط الذي يمارسها الرأي العام وتقديراً مفاده أنّ الإجراءات القانونية تشكّل جزءاً من حفنة أدوات النفوذ المتبقية في غياب مفاوضات سياسية فعالة. ولم تجمع القيادة المتمركزة في رام الله فرقاً قانونية كفؤة فحسب، بل سمحت لدبلوماسييها، لا سيما في الأمم المتحدة في نيويورك، الذين يعدّون من بين الأكثر مهنيةً، بتعزيز هذه المبادرات عوضاً عن عرقلتها.

ثانياً، وفي حالة شبه فريدة، بقيت المناصرة القانونية الدولية بمنأى عن التنافس الفصائلي، إذ لم تكتفِ حركة حماس وغيرها من القوى المعارضة للقيادة الفلسطينية بالامتناع عن انتقاد لجوئها إلى المسار القانوني، بل دعمته. على سبيل المثال، رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تقديم طلب الفلسطينيين للتصديق على “نظام روما الأساسي” والانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في العام 2015 قبل أن ينال تأييد حماس العلني والرسمي، الذي حصل عليه بالفعل.

ثالثاً، لا تعتمد معظم الإجراءات القانونية السارية على المشاركة الفلسطينية. على سبيل المثال، رُفعت الدعوى المتعلّقة بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية من قِبل جنوب أفريقيا، وبالتالي لن تتأثّر بأيّ عريضة فلسطينية تطلب من المحكمة وقف الإجراءات. وكذلك، لا يخضع تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في ما تُسمّيه “الوضع في فلسطين” لسلطة الفلسطينيين التقديرية.

رابعاً، لا يعمل الفلسطينيون في عزلة ولا يسيرون عكس التيار، إذ تُشير عمليات التصويت المتعدّدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة على طلب آراء استشارية من محكمة العدل الدولية ومبادرات على غرار “مجموعة لاهاي”، إلى أنّ الدعم الدولي لإستراتيجية قانونية فلسطينية ناشطة يشهد تصاعداً لا انحساراً.

على الرغم مما ذُكر أعلاه، فإنّ الجمود الفلسطيني ليس خياراً. في ظلّ الوضع الراهن الذي يشهد هجوماً أمريكياً مباشراً، قد تتراجع حماسة الحلفاء والشركاء للانخراط في مبادرات مماثلة في حال خلصوا إلى أنّ المؤسسات الفلسطينية أقل التزاماً منهم. وخير دليل على ذلك تأييد منظمة التحرير الفلسطينية وعدد من الدول العربية والإسلامية الرئيسية لمشروع النص الذي تحوّل لاحقاً إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، بحيث أسهم هذا التأييد في تمريره داخل مجلس الأمن. وفي المستقبل، من شأن تعزيز المشاركة العربية، لا سيّما لدول رئيسية مثل مصر والمملكة العربية السعودية، أن يشكّل مقاربة مهمة.

يشهد العالم لأسباب تتجاوز فلسطين بأشواط، وإن لم تكن بمعزل عنها، صراعاً حول طبيعة النظام العالمي، ما يضع الفلسطينيين أمام مخاطر وفرص في آن معاً. وفيما تُشكّل الاتجاهات الراهنة تحدياً لبقاء القانون الدولي والمؤسسات الدولية، فإنّها قد ترغم الدول المتردّدة عادةً في مواجهة الانتهاكات على الاضطلاع بأدوار أكثر حسماً ونشاطاً في الدفاع عنها.

تتمثّل أولوية الحركة الوطنية الفلسطينية في أن تبقى فلسطين، وفقاً لما اقترحته “مجموعة لاهاي”، في صلب هذا الصراع، بحيث تكون محفّزاً لهذه التغييرات وتستفيد منها. وعلى هذا الأساس، من الممكن تسخير الإنجازات القانونية التي قد لا تحدث تغييراً ملموساً على الأرض لتحويلها إلى إنجازات سياسية مهمة، لا تقتصر على التعويض عن الاختلالات الهائلة في موازين القوى، بل تُحسن توظيفها بحيث تسهم مساهمةً فعّالة في تحرير الفلسطينيين.


الهوامش
1 Bel Trew, “Is Trump Trying to Replace the United Nations with His Own ‘Board of Peace’?” The Independent, January 19, 2026, https://www.independent.co.uk/news/world/americas/trump-board-of-peace-un-blair-gaza-peace-plan-b2903210.html.
2 United Nations, The Right of Self-Determination of the Palestinian People, Report No. ST/SG/SER.F/3 (New York: United Nations, 1979), https://unispal.un.org/pdfs/stsgserf3.pdf.
3 “The International Court of Justice Advisory Opinion on the Barrier,” OCHA, accessed April 19, 2026, https://www.ochaopt.org/content/barrier-portal.
4 See, for example, “A Regime of Jewish Supremacy From the Jordan River to the Mediterranean Sea: This is Apartheid,” B’Tselem, January 12, 2021, https://www.btselem.org/publications/fulltext/202101_this_is_apartheid; “A Threshold Crossed: Israeli Authorities and the Crimes of Apartheid and Persecution,” Human Rights Watch, April 27, 2021; “Israel’s Apartheid Against Palestinians: Cruel System of Domination and Crime Against Humanity,” Amnesty International, February 1, 2022, https://www.amnesty.org/en/latest/news/2022/02/israels-apartheid-against-palestinians-a-cruel-system-of-domination-and-a-crime-against-humanity/.
5 See further Norman G. Finkelstein, Goldstone Recants: Richard Goldstone Renews Israel’s License to Kill (New York: OR Books, 2011). It was only commission chair Richard Goldstone who recanted, unilaterally and without consulting his colleagues, and although the report was never withdrawn the political damage of his actions was enormous.
6 See further the rulings and documents under “Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel)”, reproduced on the website of the Court, https://www.icj-cij.org/case/192.
7 International Court of Justice, Legal Consequences from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, (The Hague, International Court of Justice, July 19, 2024), https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/186/186-20240719-sum-01-00-en.pdf.
8 See further the rulings and documents under “Legal Consequences arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem” reproduced on the website of the Court.
9 See further, International Court of Justice, Advisory Opinion: Obligations of Israel in Relation to the Presence and Activities of the United Nations, Other International Organizations and Third Parties in Relation to the Occupied Palestinian Territory, available at https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/196/196-20251022-adv-01-00-en.pdf.
10 Michelle Nichols, “UN Chief Warns He Could Refer Israel to World Court Over Action Against Palestinian Refugee Agency,” Reuters, January 13, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/un-chief-warns-he-could-refer-israel-world-court-over-action-against-un-2026-01-13/.
11 International Association of Genocide Scholars, “IAGS Resolution on the Situation in Gaza,” August 31, 2025, https://genocidescholars.org/wp-content/uploads/2025/08/IAGS-Resolution-on-Gaza-FINAL.pdf.
12 Sondos Ashem and Namir Shabibi, “Exclusive: UK Confirms Phone Call Between Cameron and ICC’s Karim Khan,” Middle East Eye, January 22, 2026, https://www.middleeasteye.net/news/exclusive-uk-confirms-threatening-call-between-cameron-and-iccs-karim-khan.