الحركة الوطنية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر: تقييم وتوصيات

أبريل 2026
محللة سياسية فلسطينية
20 أبريل، 2026

المقدّمة

 

تعود الأزمة التي تتخبّط فيها الحركة الوطنية الفلسطينية والتي تتّسم بالتشرذم والتفكّك المؤسّساتي وغياب برنامج إستراتيجي موثوق، إلى ما قبل هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنّته حماس على جنوب إسرائيل بوقتٍ طويل. بيد أنّ هذه الحالة المزمنة تفاقمت كنتيجة مباشرة للتطوّرات التي وقعت في ذلك اليوم وما تلاه، لتتحوّل إلى كارثة خطيرة، وربما وجودية.

 

وما كان تآكلاً مزمناً في التماسك السياسي بات الآن حالة من الفوضى العارمة، فاضحاً عجز الحركة عن صياغة استجابة موحّدة للتحديات غير المسبوقة التي يواجهها الشعب الفلسطيني. وعوضاً عن وضع استراتيجيّة مشتركة والسعي إلى تنفيذها دفاعاً عن الحقوق والمصالح الوطنية، أعطت مكوّنات الحركة الرئيسيّة الأولوية للمحافظة على دورها وموقعها إلى حدّ كبير.

 

بينما تواصل السلطة الفلسطينية وحركة حماس السيطرة على الساحة السياسية الفلسطينية، فإنّ هذا الواقع يعكس غياب بدائل قابلة للاستمرار. وفي حال أراد الفلسطينيون تحقيق أهدافهم بتقرير المصير والسيادة على وطنهم، فلا بدّ أن تنهض حركةٌ أكثر تماسكاً وتمثيلاً وفعاليّة من تحت ركام المنظومة الراهنة.

 

لفهم المأزق الفلسطيني الراهن والآفاق المستقبلية للحركة الوطنية على نحو أفضل، ينظر هذا الفصل في مظاهر الأزمة قبل أكتوبر 2023 وما بعده، بالإضافة إلى ما تنطوي عليه هذه التطوّرات من دلالات على المستقبل في هذا المنعطف التاريخي المفصلي.

 

 

أزمةٌ تسبق الكارثة

 

باءت محاولة حركة حماس الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني الرسمي، والتي تجسّدت في قرارها المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني للعام 2006 بفشل ذريع في العام 2007. ففي خضمّ تصعيد التوتر وأعمال العنف مع حركة فتح، خصمها السياسي، استولت حماس على الحكم في قطاع غزة في يونيو من العام نفسه، ما أدى إلى شرخ سياسي وجغرافي مستمر بين قطاع غزة الخاضع لهيمنة حماس والضفة الغربية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية.

 

في أعقاب ذلك، حكمت حماس غزة داخلياً كقوةٍ مُهيمنة ففرضت سيطرة كاملة على الحكم والقطاع الأمني وبشكلٍ مطرد على الاقتصاد. في غياب أيّ مصالحة وطنية أو انتخابات جديدة، لم تخضع عملياً للمساءلة إلا أمام نفسها. وفي الوقت عينه، حكمت حماس تحت حصار عقابي طويل فرضته إسرائيل وتحت وطأة هجماتها العسكرية المتكرّرة، وفي ظلّ عزلةٍ إقليمية ودولية مُحكمة. وإذ أصرّت حماس على العمل كقوة حاكمة وكحركة مقاومة مسلّحة في آن، لا عجب أنّها فشلت في التعامل مع التناقضات الكامنة وفي أداء أيّ من الدورَين بصورة مُقنعة، ما أدّى إلى تعميق خيبة أمل السكان الخاضعين لنفوذها.

 

بحلول العام 2018، خلص مايكل لينك، المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، إلى أنّ “غزة أصبحت غير صالحة للعيش”،1 في ظلّ تردّي الوضع الاقتصادي، وبلوغ معدّل البطالة لدى الشباب 70 في المئة، وتلوّث مياه الشرب على نطاق واسع، وانهيار نظام الرعاية الصحية. وكان اقتصاد غزة يعتمد على مزيج من المساعدات الدولية، ومداخيل العمال المسموح لهم بالعمل في إسرائيل، وتحويلات رواتب موظّفي السلطة الفلسطينية القادمة من رام الله. وبحلول العام 2022، كان أكثر من ثلث السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي،2 فيما كانت الأراضي تشهد هجرة للأدمغة بين الشباب الأكثر كفاءة.3

 

وقد لفتت دراسة صادرة في العام 2020 إلى أنّ 47 في المئة من الفلسطينيين في غزة يشعرون بأنهم عرضة للإقصاء لدرجة أنّهم لا يرون “أيّ مجال أو هامش للحرية”.4 وعشية السابع من أكتوبر 2023، وفيما كانت حماس تحكم قضبتها على قطاع غزة، كان الضغط يتصاعد على الحركة لدفعها إلى تحقيق اختراق ملموس للسكان المحاصرين ضمن مساحة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً.5

 

لم تكن الظروف في الضفة الغربية أفضل بكثير، إذ كان محمود عباس، رئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس اللجنة المركزية لحركة فتح، يناهز التسعين عاماً ويحكم بموجب تفويض انتهت صلاحيّته في العام 2009. وفيما شهدت شعبيته تراجعاً متزايداً، أظهرت استطلاعات الرأي في يونيو 2023 أنّ غالبية الفلسطينيين ترغب في استقالته وفي إجراء انتخابات جديدة.6

 

في أعقاب الانقسام مع حماس عام 2007، علّق عباس عمل المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية وبدأ الحكم بالمراسيم.7 واستمرّ في ترسيخ سلطته من خلال إفراغ المؤسّسات الفلسطينية من مضمونها، بما فيها حركة فتح، ما قوّض فعاليّتها إلى حدّ كبير. كما أُعيدت هيكلة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لضمان هيمنة عباس المطلقة على أعضائها وقراراتها، فيما دفعت إجراءات مماثلة داخل اللجنة المركزية لحركة فتح أعضاء بارزين إلى تقديم استقالتهم احتجاجاً على تهميشهم.8

 

ومع إحكام عباس قبضته على السلطة، قُلّص دور النقابات والاتحادات التي كانت تتمتّع بنفوذ كبير داخل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، ليقتصر على مصادقة القرارات التنفيذية، فيما أُخضع القضاء في السلطة الفلسطينية إلى هيمنة الرئاسة كذلك.9 وإذا كانت غزة تخضع داخلياً لحكم حزب واحد، فإنّ الضفة الغربية الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية كانت تخضع لحكم رجل واحد. ومع ذلك، فإنّ الجهود التي بذلها عباس لإثبات موثوقيّته كشريكٍ تفاوضي لم تلقَ استجابة تُذكر من إسرائيل التي لم تتوانَ عن تجاهل مبادراته ولم توفّر أيّ فرصة لإضعاف السلطة الفلسطينية والمسّ بمكانتها.

 

في غضون ذلك، اختُزل دور الحركات اليسارية الفلسطينية بما فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وحزب الشعب الفلسطيني، إلى حضور رمزي على الساحة السياسية الفلسطينية. فبعدما كانت تتمتّع بنفوذ في السابق، باتت تعتمد على حسن نيّة السلطة الفلسطينية وحماس، وتعمل أساساً كواجهة شكلية، ما مكّن السلطة الفلسطينية وحركة حماس من الادّعاء بأنّ قراراتهما تحظى بتوافق وطني.

 

بحلول أكتوبر 2023، لم يفتقر الفلسطينيون إلى حركة وطنية موثوقة فحسب، بل أيضاً إلى مسار واقعي للخروج من مأزقهم. ولمّا كانوا يعانون من التشرذم السياسي والجغرافي والاقتصادي بشكلٍ مطرد، أتت الأزمة اللاحقة لتفرض ضغوطاً غير مسبوقة على ما تبقّى من نظامهم السياسي.

 

التفكّك ما بعد السابع من أكتوبر

 

وقع هجوم أكتوبر 2023 في سياق خيّم عليه جمود سياسي مزمن، ولكنه كشف كذلك عن مناخ إقليمي ودولي واسع النطاق غير مؤات لحقوق الفلسطينيين على الإطلاق، إن لم يكن معادياً صراحةً.

 

وقد فضحت الحملة العسكرية الإبادية التي شنّتها إسرائيل تواطؤ الغرب ونفاقه.10 كما سلّطت الضوء على عجز الحكومات الإقليمية عن مواجهة إسرائيل أو ردعها عن استخدام قوة عسكرية لم يسبق لها مثيل في فلسطين وفي مختلف أنحاء المنطقة، أو توظيف الدبلوماسية للغاية نفسها.

 

وعلى الرغم من الدعم غير المسبوق الذي حظي به الشعب الفلسطيني لدى الرأي العام الدولي ومن عدد كبير من حكومات الجنوب العالمي، فإنّه لم يؤثّر في مجريات الأحداث تأثيراً مباشراً ملموساً.

 

أمام هذا الواقع، كان الفلسطينيون بحاجة ملحّة إلى موقف سياسي موحّد، غير أنّ الإبادة الجماعية كشفت بصورة مأساوية عن مدى اضمحلال الحركة الوطنية الفلسطينية وضعفها العميق.

 

منظمة التحرير الفلسطينية-السلطة الفلسطينية

 

غداة السابع من أكتوبر، فشلت اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، وهي المؤسّسة التنفيذية العليا في النظام السياسي الفلسطيني، في أخذ زمام المبادرة واتّخاذ موقف واضح، بل على العكس وفي ما يُعدّ تخليّاً عن مسؤوليّاتها، أصدرت سلسلة من البيانات المائعة التي عكست عدم إدراكها للتهديد الوجودي المُحدق بالشعب الفلسطيني، بمن فيهم سكان الضفة الغربية، وبالنظام السياسي الفلسطيني بحدّ ذاته في نهاية المطاف.

 

من جهتها، اكتفت حركة فتح وسائر الفصائل المكوّنة لمنظمة التحرير الفلسطينية بإلقاء خطابات والإدلاء بتصريحات للإعراب عن استيائها من القيادة التي تشكّل نظرياً جزءاً منها. وعندما دعا محمود عباس المجلس المركزي في منظمة التحرير الفلسطينية في أبريل 2025 إلى تعيين حسين الشيخ، أحد أكثر قيادات حركة فتح إثارةً للجدل وأقلّها شعبية، نائباً له وخلفه المتوقَّع، أقرّت الفصائل هذه الخطوة من دون اعتراض، فأثبتت أنّها أصبحت هامشية وأنّ دورها بات يقتصر على أداء شكلي.

 

استغلالاً لهذا الضعف، طالبت الحكومات الغربية السلطة الفلسطينية بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات التي أسهمت في إضعاف النظام السياسي الفلسطيني وأخضعت سياساته لأولويات الولايات المتحدة وأوروبا.11 وشملت هذه الإصلاحات تعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل بغية قمع المجموعات الفلسطينية المسلّحة في الضفة الغربية. لبّت السلطة الفلسطينية هذه المطالب، ما أدى إلى مقتل عدد من الفلسطينيين في هذه العملية وإلى تقويض ما تبقّى لها من مصداقيّة شعبية.

 

وفي استجابة إضافية للمطالب الغربية، شكّل عباس حكومة جديدة في خضمّ الإبادة الجماعية. وشملت الإصلاحات المعتمدة إلغاء شبكة الأمان الاجتماعي لعائلات الأسرى الفلسطينيين، ما ترك آلاف الأُسر الهشّة من دون حماية.12

 

غير أنّ هذه الجهود لم تقابَل بالمثل، ولم تسفر عن تعزيز دور السلطة الفلسطينية أو عن ممارسة الغرب أي ضغط على إسرائيل لتغيير سياساتها المصمّمة لإضعافها بشكلٍ صريح. وفي نهاية المطاف، لم تكتفِ خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر العام 2025، باستبعاد أيّ دور للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة إلى حين استكمال برنامج إصلاحي شامل وإنما غير محدّد، بل حصرت حقوق الفلسطينيين عمداً في تطلّعات قد تُدرج أو لا على جدول الأعمال في وقت غير محدّد في المستقبل.

 

في الوقت الراهن، لا تزال السلطة الفلسطينية تعتمد على أجهزة الإنعاش السياسي والمالي، وغير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها بدفع الرواتب أو على خدمة شعبها وفقاً لرؤيتها التأسيسية للعام 1994. لقد حافظت على تعاونها الأمني مع إسرائيل، وفشلت في مواجهة التصعيد غير المسبوق في هجمات المستوطنين والضربات العسكرية، ما أدّى إلى التهجير القسري لعشرات الآلاف من الفلسطينيين وإلى محو مجتمعات بأكملها.

 

باختصار، يتحكّم بتصرّفات السلطة الفلسطينية الخوف سواء من فقدان ما تبقّى من الانخراط الغربي الشكلي، أو من إثارة ردّ إسرائيلي من شأنه أن يعرّض وجودها للخطر.

 

على الرغم من أنّ الحكومات الغربية تبقى حريصة على تجنّب انهيار السلطة الفلسطينية، فإنّ سياساتها تخفق في تعزيز شرعيتها وسلطتها. بالفعل، في الوقت الذي تُعتبر فيه الوحدة الفلسطينية من أكثر الضرورات الوطنية إلحاحاً، ربطت حكومات متعدّدة سبق أن اعترفت بدولة فلسطين رسمياً في العام 2025 إعلانها بشرط تعهّد عباس بإقصاء حماس عن النظام السياسي الفلسطيني ومنعها من المشاركة في الانتخابات المقبلة. وترسّخت هذه المقاربة في نوفمبر 2025 حين فرضت السلطة الفلسطينية قانوناً جديداً للانتخابات البلدية يحظّر أيّ لائحة حزبية لم توافق رسمياً على البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية وعلى التزاماتها الدولية، أي فعلياً على اتفاقاتها مع إسرائيل.13

 

لقد أصبح الاختناق السياسي للضفة الغربية شبه مكتمل، في ظلّ نجاح عملية إخضاع عامة الشعب الفلسطيني والفصائل السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، لا سيما في الوقت الذي تشتدّ فيه الحاجة إلى مساهماتهم في إعادة الإعمار السياسي والتنظيمي. وبعدما تعرّض الفلسطينيون لسياسات الاحتلال الوحشية وتخلّت عنهم حكومتهم، يستنزفهم نضالهم من أجل البقاء. ونتيجة لذلك، جاء ردّهم على الإبادة الجماعية في قطاع غزة ضعيفاً بشكلٍ لافت.

 

 

حماس

 

تبيّن أنّ القرار الأحادي الذي اتّخذته حماس بشنّ هجوم غير مسبوق على إسرائيل في خضمّ الأزمة العميقة التي تتخبّط فيها الحركة الوطنية الفلسطينية كان كارثياً ليس للحركة فحسب، بل للشعب الفلسطيني على نطاق واسع. وعلى النقيض من التخطيط الذي سبق الهجوم، أثبتت حماس وحلفاؤها في الحركة الوطنية الفلسطينية عدم فهمهم لعمق ومدى التداعيات السياسية والإنسانية لأفعالهم. وقد تجلّى ذلك بأقصى درجاته في قطاع غزة حيث تُرك السكان فعلياً لمصيرهم في وجه حملة القتل الجماعي والدمار التي أطلقتها إسرائيل والتي تخطّت بأشواط كل ما شنّته في السابق.

 

وعلى الرغم من تعرّض حماس لإضعاف شديد، فإنّها لا تزال القوة الفلسطينية المهيمنة في قطاع غزة. فقد صمدت أمام القصف والاجتياح البرّي على مدى أكثر من عامين، وعلى الرغم من اغتيال معظم كبار قادتها وكوادرها، تمكّنت من المحافظة على هياكلها العسكرية والأمنية والمدنية الأساسية. وفي المناطق التي أخلتها القوات الإسرائيلية، أثبتت هذه الهياكل قدرتها على مواصلة عمليّاتها، في حين قُمع أيّ مظهر من مظاهر الامتعاض الشعبي والمعارضة حيثما برز.

 

من الناحية السياسية، حاولت حماس توظيف دورها المركزي في الأزمة للحصول على الاعتراف الدولي الذي لطالما سعت إليه. بيد أنّ هذه الجهود افتقرت إلى رؤية سياسية أعمق ترقى إلى مصاف تطلّعات الفلسطينيين إلى تقرير مصيرهم. فمن جهة، نجحت حماس في إزاحة منظمة التحرير الفلسطينية من مقعد المحاور الفلسطيني الرئيسي في المفاوضات الرامية إلى وضع حد للحرب، وفي مطلع العام 2025، بدأت الولايات المتحدة محادثات مباشرة مع قيادتها.14 ومن جهة أخرى، تحوّل نزع سلاح حماس وإبعادها الدائم عن الحكم -أيّ تفكيكها فعلياً- نقطة توافق بين الحكومات الغربية.

 

في نوفمبر 2025، أضفى القرار رقم 2803 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة طابعاً رسمياً على هذه المطالب على المستوى الدولي. بالفعل، فقد أُلزمت حماس بالتفاوض على إنهاء وجودها كشرطٍ لوضع حدّ للإبادة الجماعية.

 

في حين أيّدت حماس بشكلٍ مشروط هياكل حكم ستُستبعَد منها، رفضت حتى الآن نزع سلاحها بشكلٍ كامل، وإن ألمحت إلى احتمال انفتاحها على إخراج أسلحتها الثقيلة من الخدمة. وقد يترك ذلك الحركة عملياً في موقع السلطة حتى مع تخلّيها عن الحكم الرسمي. لهذه الأسباب وغيرها، قد تستغلّ إسرائيل موقف الحركة لاستئناف حملتها العسكرية بدعم أمريكي وأوروبي.

 

 

المضي قدماً

 

يجد الفلسطينيون أنفسهم اليوم عالقين بين حركتَي فتح وحماس اللتين لم تقدّما أيّ دعم ملموس لهم في الوقت الذي يحاولون فيه البقاء على قيد الحياة في وجه حملة الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل لإلغائهم ككيان وطني وسياسي. كما لم تطرحا أيّ رؤية موثوقة لمستقبلٍ يمكنهم المشاركة في صنعه.

 

وعلى الرغم من أنّ كلتا الحركتين لا تزالان تحتفظان بدعمٍ شعبي نسبي، بفعل اللامبالاة المجتمعية العامة والإرهاق وغياب البدائل، فإنّ شعوراً عميقاً بالاستياء تجاه فتح وحماس لا يزال قائماً. غير أنّ قدراتهما المستمرّة على القمع تتمكّن من احتواء ردود الفعل حتى الآن.

 

قصارى القول، لم تعد الحركة الوطنية الفلسطينية قابلة للاستمرار في وضعها الحالي. ففيما يواجه الشعب الفلسطيني أخطر تهديد لوجوده، يبدو أنّ لا فتح ولا حماس قد أدركتا تداعيات إخفاقاتهما في العقود الماضية أو خلال السنتين المنصرمتين. ولم تُبدِ أيّ منهما قدرة أو استعداداً أو حتى اهتماماً جاداً بدفع التغييرات السياسية الضرورية قدماً.

 

من المستحيل معرفة كيف ستتبلور مشاعر الحزن والغضب والإحباط التي تتنامى اليوم داخل المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة. في نهاية المطاف، قد تنشأ حركة وطنية جديدة بقيادة قادرة على تجسيد حقوق الشعب وتطلّعاته وعلى دفعها قدماً بشكلٍ مقنع، وعلى توحيده جغرافياً وسياسياً، والإقرار بالصدمات التحوّلية التي لا يزال يمرّ بها.

 

وعلى الرغم من حالة عدم اليقين التي تكتنف شكلها النهائي، تُطرح مجموعة من الاحتمالات. إذا كان الهدف هو المحافظة على منظمة التحرير الفلسطينية بما يتيح للفلسطينيين صون الإنجازات التي تحقّقت بشق الأنفس والحؤول دون البدء من جديد على الصعيدين السياسي والمؤسساتي، مع ما يترتّب عن ذلك من تراجع لسنوات، فلا بدّ من تأمين قيادة تمثيلية جديدة تقدّم برنامجاً وطنياً ذات مصداقية. ولتحقيق ذلك، ينبغي إعادة تشكيل حماس والجهاد الإسلامي وإدماجهما، كما يجب بلورة توافق إستراتيجي بين مختلف مكوّناتهما.

 

يتمثّل احتمال آخر بتفكّك حركتي فتح وحماس واختفاؤهما عن الساحة في نهاية المطاف، بفعل مزيج من القيادة المتحجّرة والتنافس الشديد أو النزاع الداخلي. ومن الصعب تصوّر بقاء منظمة التحرير الفلسطينية في حال انهارت حركة فتح قبل إصلاحها. ومن الصعب أيضاً تصوّر قدرة حماس أو الجهاد الإسلامي على الاستمرار بصيغتهما الحالية، نظراً للنتائج الكارثية الناجمة عن حرب الإبادة الجماعية والتوافق الدولي ضد استمرار وجودهما.

 

تماماً كما أنهت النكبةُ الحركةَ الوطنية التي كانت مهيمنة خلال فترة الانتداب البريطاني، فإنّ حالة التشريد الناجمة عن الإبادة الجماعية في غزة، مقرونة بالسياسات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار في الضفة الغربية، قد تولّد فراغاً جديداً، ومن الصعب معرفة ما الذي قد يملؤه في نهاية المطاف.

 

وما يفاقم حالة الاضطراب هو أنّ التخبّط الفلسطيني يتزامن مع فترة من التحوّل الإقليمي والدولي الجذري. فقد تأثّر الشرق الأوسط إلى حدّ كبير بتداعيات السابع من أكتوبر، لا سيما نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتمادية في شتى أنحاء المنطقة وتبدّل موازين القوى. في المقابل، قد تسعى الدول الإقليمية إلى تقييد نشاط الفلسطينيين تفادياً لانعكاساته على أراضيها. وفي الوقت نفسه، أدّت سياسات دونالد ترامب الاقتصادية والسياسية والعسكرية إلى زعزعة النظام الدولي السائد إلى حد كبير، واضعة قدرته على البقاء وصون دوره على المحك.

 

في هذا السياق، يتعيّن على الفلسطينيين التعامل مع ديناميّات سياسية مضطربة واصطفافات متغيّرة، بينما يعيدون بناء نظامهم السياسي من تحت ركام الإبادة الجماعية والانحلال السياسي.

الخاتمة

من غير المرجّح أن يستسلم المجتمع الفلسطيني، الذي بات اليوم أكثر حيوية وتعلّماً مما كان عليه في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، سواء داخل فلسطين أو في المنفى، للشلل وللتدهور السياسي. ومن المرجّح أن تُقنع التعبئة العالمية غير المسبوقة دعماً لحقوق الفلسطينيين منذ العام 2023، الناشطين بأنّ هناك أرضاً خصبة يمكن العمل عليها.

 

لا شكّ في أنّ التغيير المنشود ليس وشيكاً، ولعلّ ذلك النتيجة الأكثر تأثيراً لمسار التدهور السياسي الطويل. بيد أنّ نهضةً فلسطينية تلبّي احتياجات الفلسطينيين تكاد تكون مؤكّدة، نظراً لما يتمتّعون به من مواطن قوة فطرية وتوقهم الدائم إلى الحرية.

 


الهوامش
1 Ali Barada, “UN Special Rapporteur: Gaza Has Become ‘Unlivable,’” Asharq Al-Awsat, October 26, 2018, https://english.aawsat.com/home/article/1438636/un-special-rapporteur-gaza-has-become-‘unliveable’.
2 “Food Insecurity in Palestine – 2022,” Food Security Cluster, https://fscluster.org/sites/default/files/documents/food_insecurity_0.pdf.
3 Yara M. Asi, “We Are Doomed: Young People in Palestine Are Losing Hope”, The New Arab, November 21, 2022, https://www.newarab.com/opinion/we-are-doomed-young-people-palestine-are-losing-hope.
4 Ayman Abdul Majeed, Palestinian Youth: Identity, Participation and Space (American Friends Service Committee, Birzeit University, and the Center for Development Studies, 2020), 10. https://afsc.org/sites/default/files/documents/EN_Palestinian_Youth_Identity_Participation_and_Space_2020_E_version.pdf.
5 Patrick Kingsley and Iyad Abuheweila, “Gaza Protests Struggle to Gain Traction as Police Crack Down,” The New York Times, August 7, 2023, https://www.nytimes.com/2023/08/07/world/middleeast/gaza-strip-protests-hamas.html.
6 “Public Opinion Poll No. 88,” People’s Company for Polls and Survey Research, June 2023, https://pcpsr.org/en/node/944.
7 Sanaa Alsarghali, “The Dissolution of the Palestinian Legislative Council by the Palestinian Constitutional Court: A Missed Opportunity”, IACL-AIDC Blog, July 1, 2021, https://blog-iacl-aidc.org/menaregion/1-7-21the-dissolution-of-the-palestinian-legislative-council-c9bna.
8 “Nasser al-Qudwa Resigns from Fatah Central Committee,” Asharq Al-Awsat, May 7, 2018, https://english.aawsat.com/home/article/1260586/nasser-al-qudwa-resigns-fatah-central-committee.
9 Dana Farraj, “Dismantling Abbas’s Rule over the Palestinian Judiciary,” Al-Shabaka, April 19, 2023, https://al-shabaka.org/briefs/dismantling-abbass-rule-over-the-palestinian-judiciary/.
10 Francesca Albanese, “Gaza Genocide: A Collective Crime: Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Territories Occupied Since 1967,” United Nations, October 20, 2025, https://www.un.org/unispal/document/special-rapporteur-report-gaza-genocide-a-collective-crime-20oct25/.
11 “EU Pushes Palestinian Authority Reform with Millions of Euros Donated at Forum,” The New Arab, November 20, 2025, https://www.newarab.com/news/eu-pushes-pa-reform-million-euro-donations-belgium-forum.
12 Aseel Mafarjeh, “Financial Hardship Mounts for Families of Palestinian Prisoners and Martyrs as PA Slashes Support,” The New Arab, March 5, 2025, https://www.newarab.com/features/palestinian-authority-payment-cuts-leave-families-crisis.
13 “Press Statement Issued by Civil and Human Rights Organizations on the Decree-Law Regarding Local Elections,” AMAN, November 24, 2025, https://www.aman-palestine.org/en/activities/29498.html.
14 “US-Hamas direct talks: What’s happening and what comes next,” Al-Jazeera English, March 6, 2025, https://www.aljazeera.com/n ews/2025/3/6/us-hamas-direct-talks-whats-happening-and-what-comes-next.