أثار العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023، والذي استهدف مدنيين أيضاً، موجة واسعة من الإدانات العالمية. وفيما شهد الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا تحولّاً مطّرداً لصالح القضية الفلسطينية، واصلت الحكومات الغربية دعمها القوي لإسرائيل إلى حدّ كبير.
وقد جاءت أيّ معارضة دولية شديدة لسلوك إسرائيل من الجنوب العالمي أساساً. وقادت جنوب أفريقيا الحملة مبكراً برفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023 بشأن انتهاكات إسرائيل المزعومة لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.1 وقد صوّتت دول الجنوب العالمي مراراً وبأغلبية ساحقة لصالح وقفٍ فوري لإطلاق النار في الأمم المتحدة طوال فترة الحرب.
في سجّل الجنوب العالمي تاريخٌ طويلٌ من التضامن مع القضية الفلسطينية، لا سيما في “مؤتمر باندونغ” الأفريقي الآسيوي التاريخي الذي انعقد عام 1955 في إندونيسيا، وضمن حركة عدم الانحياز. غير أنّ هذا التقليد التضامني تراجَعَ بعدما وضعت الحرب الباردة أوزارها، في ظلّ تهميش حركة عدم الانحياز، وانحسار الاهتمام بالقضية الفلسطينية غداة التوقيع على اتفاق أوسلو عام 1993، والاحتكار الأمريكي لـ”عملية السلام”.
تُقيّم هذه الورقة تجدّد التضامن في دول الجنوب العالمي مع فلسطين في الآونة الأخيرة من خلال قراءة استجابات الدول.2 وتَطرح أسئلة عن مدى هذا التجدّد وتأثيره، وعن دوافعه وقيوده، بالإضافة إلى آثاره على فلسطين والنظام العالمي على نطاق أوسع.
وتشير هذه الورقة إلى أنّه على الرغم من التصاعد الملحوظ في تضامن دول الجنوب العالمي مع فلسطين، فإنّ تأثيره على السياسات الإسرائيلية يبقى محدوداً، لا سيما وأنّ العقوبات المادية الآيلة إلى تغيير السياسات الإسرائيلية لم تتبنّاها سوى عدد من الدول. بيد أنّ هذه الاستجابات أسهمت في الحؤول دون تآكل القانون الإنساني الدولي في الوقت الذي لم تمتنع فيه القوى العظمى ومعظم حلفائها الرئيسيين عن حماية هذه المعايير فحسب، بل تواطأت في بعض الحالات في انتهاكها بشكلٍ صارخ. وبذلك، تدافع دول الجنوب العالمي عن مبدأ عالمٍ تحكمه مدوّنة سلوك مشتركة بحدّها الأدنى في خضم الأزمات العالمية المتداخلة.
وُلد “الجنوب العالمي”، الذي كان يُعرف سابقاً بـ”العالم الثالث”، غداة إنهاء الاستعمار في آسيا وأفريقيا.3 وشكّل “مؤتمر باندونغ” الأفريقي الآسيوي عام 1955 محطة مفصليّة في تاريخ تضامن العالم الثالث. في وقتٍ لاحق، تأسّست حركة عدم الانحياز عام 1961، واستضافت كوبا التيارات الأكثر ثوريةً من العالم الثالث في مؤتمر القارات الثلاث الذي انعقد في هافانا عام 1966. بلغ تضامن الجنوب ذروته في السبعينات، في ظلّ النقاش حول النظام الاقتصادي الدولي الجديد في الأمم المتحدة وشبه الإجماع على القضية الفلسطينية والنضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
بيد أنّ الجنوب العالمي لم يعد اليوم كما كان في السابق. فقد حلّ ترحيبٌ حذر بالاستثمار والتجارة الأجنبيين محل الدعوات الواسعة إلى الاكتفاء الذاتي. وتمكّنت مجموعة من الدول النامية، معظمها في آسيا، من الخروج من فئة الدول المنخفضة الدخل وتحقيق التصنيع السريع، من خلال إعطاء الأولوية للصادرات على حساب سياسة إحلال الواردات. وقد أدّى ذلك كلّه إلى تزايد التفاوت الاقتصادي داخل الجنوب العالمي، سواء من حيث الثروة أو الدخل.
ينعكس هذا التنوّع أيضاً في تحوّل الهويات الجيوسياسية، ويُعزّزه تلاشي الذاكرة المرتبطة بالاستعمار الرسمي. من هذا المنطلق، باتت دول الجنوب العالمي تعطي الأولوية لمصالحها الخاصة عوضاً عن محاولة تشكيل كتلة شبيهة بحركة عدم الانحياز.4 وتُركّز هذه الدول على الصعود الوطني، مع تفسير أضيق للمصالح الوطنية في معظم الحالات. يُمكن وصف الجنوب العالمي الجديد بأنه “واقع جيوسياسي”، تسود فيه نزعة الاعتماد على الذات.5 هذا هو العالم الذي يتعيّن على الفلسطينيين التعامل معه.
قوبلت الفظائع المرتكبة في غزة بتجدّد تضامن دول الجنوب في دعم القانون الدولي. وقد شكّلت الحرب القانونية الأداة الأبرز التي استخدمتها دول الجنوب العالمي في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية في غزة. وأظهرت عمليات التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة دعماً ساحقاً من مختلف أنحاء الجنوب العالمي لوقف القتال وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح جميع الرهائن.6 وقد اعتُمدت أربعة قرارات رئيسية تُطالب بالهدنة أو بوقف إطلاق النار بأغلبية كبيرة بعد اندلاع الصراع في غزة. واضطلعت الدول العربية، ولا سيما الأردن ومصر، بدورٍ محوري في صياغة هذه القرارات وإدخالها، وحشدت ائتلافات واسعة من الدول الراعية، التي انضمت إليها إسبانيا في وقت لاحق.7
اتُخذت الخطوة الرئيسية الأولى في 27 أكتوبر 2023 حين اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو إلى “هدنة فورية ومستدامة” وإلى وقف الأعمال العدائية. وأدان النصّ جميع أعمال العنف ضد المدنيين وطالب الأطراف كافة بالامتثال الفوري والكامل للقانون الدولي. وحظي القرار بدعم واسع من أغلبية دول الجنوب العالمي، إذ نال 96 صوتاً مؤيّداً.8 غير أنّ مجموعة صغيرة إنما مهمة من الدول امتنعت عن التصويت، بما فيها الكاميرون وإثيوبيا والهند والفلبين، وبنما والأوروغواي وزامبيا. وصوتت ضده عدد من الدول، من ضمنها غواتيمالا وباراغواي وفيجي وعدد من سائر دول جزر المحيط الهادئ.
أما التصويت المهم التالي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 ديسمبر 2023، فَدعا إلى “وقف فوري لإطلاق النار لأغراض إنسانية” في الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، وإلى “الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وامتثال الأطراف كافة لالتزاماتها بموجب القانون الدولي”. وقد نال القرار دعم أغلبية أكبر من دول الجنوب العالمي، إذ ارتفع عدد الأصوات المؤيّدة إلى 109. ومن جهتها، انتقلت إثيوبيا وفيجي والهند والفلبين وزامبيا إلى تأييد القرار، خلافاً لتصويتها في أكتوبر.9
جرى التصويت الرئيسي التالي في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد زهاء عام، في 11 ديسمبر 2024، وطالب القرار بـ”وقف فوري لإطلاق النار” في غزة وبإنهاء الحصار الإسرائيلي. واعتُمد بسهولة إذ حظي أيضاً بـ109 أصوات من دول الجنوب العالمي.10
استؤنف التحرّك في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أعقاب انهيار وقف إطلاق النار المتفاوَض عليه في غزة (الذي دام نحو شهرين) في مارس 2025 بعدما عاودت إسرائيل هجماتها بشكل أحادي. وفي 12 يونيو 2025، شكّل التصويت بنداء الأسماء انتكاسة طفيفة في دعم دول الجنوب العالمي، إذ تراجع عدد الأصوات المؤيّدة إلى 99. وكانت الإكوادور وإثيوبيا والهند وبنما من بين الدول التي انتقلت إلى الامتناع عن التصويت.
يكشف التمعّن في هذه الأرقام عن تضامنٍ متين. لكنّه يظهر أيضاً بعض الاختلافات الخفيّة وإنما المهمة داخل الجنوب العالمي. وقد تجلّى ذلك في ديسمبر 2023 خلال التصويت على تعديل قدّمته الولايات المتحدة ويُشير إلى حركة حماس بالاسم (ولكن ليس إسرائيل) ويدين “هجماتها الإرهابية الشنيعة”.11 وقد عارض هذا التعديل حزامٌ متّصل من الدول ذات الأغلبية المسلمة يمتدّ من موريتانيا في أقصى غرب أفريقيا إلى باكستان، بالإضافة إلى إندونيسيا وماليزيا. وانضمّت إلى هذه المجموعة جنوب أفريقيا وكوبا وبوليفيا ونيجيريا وأوغندا وبعض الدول الأخرى ذات الأغلبية غير المسلمة. غير أنّ باقي دول الجنوب العالمي، بما فيها دول رئيسية مثل الهند والفلبين وسنغافورة وتشيلي والبيرو وكينيا وغانا، أيّدت التعديل الأمريكي، فيما امتنعت البرازيل وكولومبيا والمكسيك وجامايكا وإثيوبيا وتايلاند، وغيرها من البلدان، عن التصويت.12
إذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرب ما يكون إلى برلمان عالمي، فإنّ محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تُمثّلان سلطة العالم القضائية. وقد شكّل تقديم جنوب أفريقيا دعوى بحق إسرائيل لدى محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023، بشأن انتهاكها المزعوم لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، تطوّراً تاريخياً. واستندت بريتوريا علناً في ملف الدعوى إلى السياق التاريخي والأسباب الجذرية، بما في ذلك إشارات إلى الاستعمار والفصل العنصري.
إلا أنّ هذه القضية تخطّت النطاق الثنائي بأشواط. فقد تدخّلت دول متعدّدة من الجنوب العالمي رسمياً لدعم الدعوى المقدّمة من جنوب أفريقيا، من بينها بليز وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا وكوبا وليبيا والمكسيك وجزر المالديف. وفي يوليو 2025، أعلنت البرازيل عن نيّتها الانضمام إلى القضية.13 وعلاوة على ذلك، رفعت نيكاراغوا دعوى منفصلة ضد ألمانيا أمام محكمة العدل الدولية في أبريل 2024 بشأن انتهاك برلين المزعوم لالتزاماتها من خلال مواصلة دعم إسرائيل، وطالبتها بوضع حدّ لمبيعات الأسلحة إلى إسرائيل.14
تُشكّل المحكمة الجنائية الدولية، التي تحاكم الأفراد وليس الدول، محوراً من محاور الحرب القانونية التي يقودها الجنوب العالمي. ففي نوفمبر 2023، رفعت جنوب أفريقيا وبوليفيا وبنغلادش وجزر القمر وجيبوتي إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم محتملة ارتُكبت بحق الفلسطينيين. وفي يناير 2024، تقدّمت المكسيك وتشيلي بطلب إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في فلسطين منذ 13 يونيو 2014.15 وفي خطوة مثّلت انتصاراً كبيراً للجهات المُشتكية، أصدر المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف دولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق (بالإضافة إلى ثلاثة من قادة حركة حماس، بمن فيهم قائدها العسكري) بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مزعومة.16
ذهبت مجموعة من الدول أبعد من الخطوات الدبلوماسية والقانونية واتخذت إجراءات مهمة من الناحية المادية في ما يتعلّق بإسرائيل. من خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، استدعت كل من بليز والبرازيل وتشيلي وكولومبيا وبوليفيا وهندوراس وتشاد وجنوب أفريقيا سفيرها، بينما قطعت أو علّقت بليز وبوليفيا وجنوب أفريقيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. ومن جهتها، استدعت تشيلي ملحقيها العسكريين.
كما اتّخذت بعض الدول إجراءات اقتصادية بحق إسرائيل. فقد فرضت ماليزيا حظراً بحرياً على السفن التابعة لأكبر شركة شحن إسرائيلية، “زيم”.17 وفي يونيو 2024، أعلنت كولومبيا عن حظر صادرات الفحم إلى إسرائيل (التي تقدَّر قيمتها بـ300 مليون دولار سنوياً) وأنهت اتفاقية التجارة الحرة معها في أكتوبر 2025.18 أما رئيس تشيلي فقد قدّم مشروع قانون يحظّر كل السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة.19 ومن جهتها، وقّعت البرازيل على اتفاقية تجارة حرة مع السلطة الفلسطينية في بادرة دعم لفلسطين.20 وأعلنت إندونيسيا عن نيّتها معالجة ألفي جريح فلسطيني من غزة في منشأة طبية على أراضيها.21 كما فرضت تشيلي قيوداً على علاقاتها الدفاعية مع إسرائيل، فألغت تدريبات عسكرية وتوقّفت عن شراء الأنظمة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.22
وفي يناير 2025، أسّست مجموعة من دول الجنوب العالمي “مجموعة لاهاي” تضامناً مع فلسطين واعتراضاً على الإجراءات الإسرائيلية في غزة.23 ووصفت جنوب أفريقيا الجهود التي تبذلها المجموعة بأنّها “تدفع القانون الدولي قدماً في عصر الإفلات من العقاب”.24 وخلال اجتماع المجموعة في بوغوتا في يوليو 2025، التزمت 13 دولة بتطبيق ستة إجراءات محدّدة للضغط على الدولة الإسرائيلية بهدف تغيير مسارها.25 وتضمّنت هذه الإجراءات منع توفير الأسلحة إلى إسرائيل أو نقلها إليها، ومنع عبور أو رسو أو خدمة أيّ سفينة يُشتبه بنقلها عتاداً عسكرياً إلى إسرائيل، وضمان عدم استخدام أي أموال عامة لدعم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ودعم الإجراءات القضائية الوطنية والدولية لضمان المساءلة والعدالة، بالإضافة إلى مساندة الولايات القضائية الدولية.
في دول الجنوب العالمي عبر أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بذل السفراء الفلسطينيون ومسؤولون آخرون جهوداً منسّقة بغية الدفاع عن القضية الفلسطينية في وسائل الإعلام والمناسبات والفعاليات الاجتماعية، وكذلك أمام المسؤولين الحكوميين مباشرة منذ السابع من أكتوبر 2023. وتتعدّد الأمثلة على ذلك في المكسيك وتشيلي والبرازيل والهند وإندونيسيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، وغيرها من الدول.26
كما اضطلعت مجموعات المجتمع المدني الفلسطيني بدورٍ رئيسي في رسم ملامح النقاش ونتائج السياسات في الجنوب العالمي. على سبيل المثال، تحتفظ “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” بمنسّقين ناشطين مخصّصين لكلّ منطقة في الجنوب العالمي حيث حشدت الدعم على مدى سنوات. وفي العام 2020، وقّع عشر رؤساء سابقون، وأكثر من 700 عضو في البرلمان، وشخصيات بارزة، وقادة المجتمع المدني من شتى أنحاء الجنوب العالمي، على بيانٍ تبنّوا فيه مطالب الحركة باتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل بسبب ممارساتها القمعية في فلسطين.27
ما الأنماط التي يمكن استنتاجها من السجل التجريبي لاستجابات الجنوب العالمي إزاء غزة؟ بادئ ذي بدء، تجدر الإشارة إلى أنّ المطالبة بوقفٍ فوري لإطلاق النار، وتوفير المساعدات الإنسانية، والإفراج عن جميع الرهائن، شكّلت موقفاً ثابتاً من معظم دول الجنوب العالمي، وهو ما رفضته إسرائيل وداعموها الغربيون رفضاً منهجياً.
أما في ما يتعلّق بالإجراءات الملموسة التي تتخطّى الحرب القانونية، فإنّ عدداً أقل من دول الجنوب العالمي قد تحرّك فعلاً. وتمثّل “مجموعة لاهاي” خطوة مهمة ومتعدّدة الأطراف في هذا الاتجاه. بمعنى آخر، يحاول هذا الائتلاف التدخّل حيثما فشلت الأمم المتحدة. بيد أنّ الدول الثلاث عشرة الموقّعة على تعهّد “مجموعة لاهاي” تشكّل أقليّة واضحة، بحيث لا تمثّل سوى 11.5 في المئة و20 في المئة من سكان الجنوب العالمي وناتجه المحلي الإجمالي، على التوالي.28
وتواجه “مجموعة لاهاي” عائقاً إضافياً يتمثّل في ضعف التأثير المادي المباشر للجنوب العالمي على إسرائيل مقارنة بالولايات المتحدة والقوى الأوروبية الكبرى، مثل ألمانيا.29 ولا تُعدّ سوى الهند والبرازيل من بين أكبر خمس عشرة وجهة للصادرات الإسرائيلية،30 فيما تندرج تركيا والهند وفيتنام ضمن أكبر خمسة عشر مصدراً لواردات إسرائيل.31 من اللافت أنّ الهند تُعدّ المشتري الأكبر للأسلحة الإسرائيلية في العالم. ومن ناحيتها، تمثّل الفلبين عميلاً مهماً للصناعات الدفاعية الإسرائيلية. ومن بين هذه الدول الخمس في الجنوب العالمي التي تربطها بإسرائيل علاقات مادية وثيقة، فإنّ تركيا والبرازيل فقط حضرتا اجتماع بوغوتا، ووحدها تركيا وقّعت على الإجراءات الست الملموسة لـ”مجموعة لاهاي”.
صوّتت ما بين 25 و30 دولة من دول الجنوب العالمي، أي ما يقارب 20 في المئة من المجموع، أحياناً فقط أو لم تصوّت بتاتاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح وقف إطلاق النار في غزة.32 ويُعزى هذا الغموض أو هذه المعارضة إلى مجموعة من العوامل المختلفة، من بينها السياسة الداخلية. لقد طوّرت الحكومة اليمينية المتشدّدة في الهند تقارباً أيديولوجياً عميقاً مع إسرائيل منذ تسلّمها مقاليد السلطة عام 2014، علماً أنّ مسار العلاقات كانت يسير في هذا الاتجاه منذ اعتراف الهند بإسرائيل عام 1992.33 كما توفّر إسرائيل للهند أسلحة ومساعدة تكنولوجية متقدّمة من دون شروط تُذكر.
خلال الحرب الباردة، كانت دول متعدّدة في أمريكا اللاتينية، التي كانت ترزح آنذاك تحت أنظمة ديكتاتورية عسكرية مدعومة من الولايات المتحدة، موالية لإسرائيل باعتبارها حصناً منيعاً في وجه الشيوعية. تُعزى الآراء المعاصرة حول إسرائيل في المنطقة إلى دوافع أكثر تنوّعاً. لطالما كان اليسار في المنطقة من أشد المعارضين للممارسات الإسرائيلية في فلسطين. وكانت الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية، مثل بوليفيا وكولومبيا وكوبا ونيكاراغوا، في طليعة النشاط السياسي المتعلّق بهذه المسألة، متأثّرة بتاريخ الدعم الإسرائيلي للأنظمة الديكتاتورية العسكرية في عددٍ من هذه البلدان. من جهة أخرى، أبدى الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وبدرجة أقل الرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا، تقارباً أيديولوجياً قوياً مع إسرائيل. علاوة على ذلك، أصبحت شرائح واسعة من سكان أمريكا اللاتينية من المسيحيين الإنجيليين، ما أدى إلى صعود الصهيونية المسيحية في المنطقة.
كما أنّ الصهيونية المسيحية تحظى بنفوذٍ ملحوظ في منطقة المحيط الهادئ، حيث تسود الميول الإنجيلية العميقة بين المواطنين. علاوة على ذلك، تُقيم دول متعدّدة في المحيط الهادئ، مثل بابوا غينيا الجديدة وبالاو، علاقات أمنية وثيقة واعتمادية مع الولايات المتحدة، ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف حيادية أو موالية لإسرائيل والولايات المتحدة.34
وتؤدّي الروابط الشخصية المتينة دوراً أساسياً كذلك. في سجّل رئيس الكاميرون، بول بيا، الذي يعدّ حكمه من الأطول في العالم، تاريخٌ من الموالاة لإسرائيل امتدّ على أربعة عقود. لم تعترف الكاميرون، شأنها شأن إريتريا في أفريقيا، بفلسطين يوماً. ومن جهتها، نسجت إثيوبيا روابط تاريخية عريقة بإسرائيل. امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة بشأن التقسيم عام 1947 ولم تعترف بإسرائيل إلا في العام 1961.
على مستوى أعمق، تبرز مقاربتان متنافستان في التعامل مع القضية الفلسطينية. فعندما يُقدَّم إطارٌ على أنّه “إرهابي”، تميل بلدان متعدّدة من الجنوب العالمي إلى انتهاج مقاربة دولتية مناهضة للإرهاب، ما يدفعها إلى إظهار تعاطف أكبر مع إسرائيل ويؤدي إلى انقسام ائتلاف الجنوب العالمي على نحو شبه متساو. تُفسّر مخاوف حقبة ما بعد الاستعمار هذا التحوّل إلى حدّ ما، مقرونة بحالة عامة من القلق من عنف الجهات الفاعلة غير الحكومية. ويُعدّ جزء كبير من هذه الدول ثمرة التقسيم الاستعماري والاستراتيجيات القائلة بمبدأ “فرّق تسد”، ما أسفر عن مشاريع غير مكتملة لتحقيق وحدة الأراضي وبناء الأمم. وقد تجلّت هذه المقاربة خلال التصويت على التعديل الأمريكي المذكور آنفاً والذي يدين حركة حماس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2023.35 كما ظهر ذلك في التوصيف الذي اعتمدته دول رئيسية مثل البرازيل والهند وسنغافورة لهجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 على أنّه هجوم إرهابي، في ردود فعلها الأولية.36
من ناحية أخرى، تميل دول الجنوب العالمي إلى الالتفاف حول موقف تضامني حين يتمثّل إطار النقاش بالاستعمار الجديد أو الاحتلال الأجنبي المدعوم من الغرب. وتُعد فلسطين من أقدم قضايا إنهاء الاستعمار التي ما زالت عالقة بموجب القانون الدولي، ولديها تاريخ طويل من الدعم في الجنوب العالمي، وما زالت هذه الذكريات حيّة.
قد يعكس الطيف الممتد من التضامن إلى اللامبالاة صراعاً بين ما بعد الاستعمارية والواقعية. لا شك في أنّ معظم دول الجنوب العالمي تمتلك الاثنين معاً إلى حدّ كبير، إلا أنّ الواقعية تشهد صعوداً بينما تتراجع ما بعد الاستعمارية في ظلّ الانحسار التدريجي لذكريات الحقبة الاستعمارية الرسمية.
يُطرح سؤال في غزة على نطاق واسع: كيف يمكن أن يكون المجتمع الدولي عاجزاً إلى هذا الحد في وجه فظائع مماثلة؟ لكن في عالمٍ تسود فيه النزعة الواقعية ومنطق الاتكال على النفس، لا ينبغي توقّع أمراً مختلفاً. وينطبق ذلك بشكل خاص على دول الجنوب العالمي التي لديها الكثير لتخسره، ونفوذ محدود لتمارسه، والقليل لتكسبه في مواجهة إسرائيل وداعميها الغربيين النافذين. ومن شأن دوافع مبنيّة على المصالح البحتة أن تدفع دول الجنوب العالمي إلى اللامبالاة في وجه معاناة غزة وفلسطين.
تكمن المفاجأة إذاً في أنّ مجموعة كبيرة من دول الجنوب العالمي قد تصرّفت ضد مصالحها المادية، ورفعت صوتها عالياً لإدانة إسرائيل أو ملاحقتها قضائياً، وحتى لفرض عقوبات عليها. وكما ذُكر أعلاه، يشير ذلك إلى أنّ مقاربة ما بعد الاستعمار والإيمان بأهمية القانون الدولي لا يزالان حاضرين بقوة في الجنوب العالمي.37
في حين أنّ الدول العظمى قادرة على البقاء والدفاع عن نفسها في عالمٍ تغيب فيه سيادة القانون، فإنّ القوى المتوسّطة والدول الصغرى عاجزة عن ذلك. وهذا يمنح الدول البعيدة النظر منها حافزاً للدفاع عن القانون الدولي عندما يُنتهك بشكلٍ صارخ من أجل منع نشوء عالمٍ مستقبلي حيث يمكن أن يتعرّض أي كان لهيمنة الأقوياء المطلقة على الضعفاء.
تُدرك الدول التي تتّخذ إجراءات رداً على ما يجري في غزة، قيود الحرب القانونية وحدود نفوذها في تغيير السلوك الإسرائيلي. غير أنّ اللجوء إلى الأدوات الدبلوماسية والقانونية يُمكّن هذه الدول أيضاً من ضمان صمود القانون الإنساني الدولي، على الرغم مما يتعرّض له من انتهاكات. من جهتها، تقرّ إسرائيل بخطورة أفعالها، وإلا لما حاربت بهذه الشراسة أمام محكمة العدل الدولية، مستعينةً بأفضل المحامين.
من خلال فرض نقاش دولي مستمر ومنظّم حول الفظائع المرتكبة في غزة، نجح الجنوب العالمي في ضمان صمود القانون الدولي لمواصلة النضال في انتظار عالمٍ تعترف فيه جميع القوى، كبيرة كانت أم صغيرة، اعترافاً كاملاً بضرورة وجود حدّ أدنى من القواعد المشتركة التي ينبغي الالتزام بها. ويكتسب ذلك طابعاً ملحّاً لا سيما عندما نتعرّض جمعينا، من دون أيّ استثناء، لتهديدات متزايدة تتمثّل في التحديات العالمية من حروب وتدهور بيئي وأمراض.
قدّم كل من زكريا رحيمي وبان ثو المساعدة البحثية في إعداد هذا العمل.