عقب السابع من أكتوبر 2023 بعامين، انكشف مدى عمق الأزمة السياسية التي كانت تتفاقم منذ سنوات، وأدركها الشعب الفلسطيني. فقد واجه الفلسطينيون طوال هذه الفترة أخطر تهديد لوجودهم الوطني منذ نكبة 1948، حيث غابت قيادتهم المؤسّساتية عملياً، وعجزت عن الارتقاء إلى مستوى الحدث، فلم تتجاوز تشرذمها، وأخفقت في وضع إستراتيجية موحّدة لمواجهة التحديات الجسيمة التي تعترض سبيلهم.
تعكس أزمة القيادة هذه، في جوهرها، حالة التآكل التدريجي الذي استنزف حيوية النظام السياسي الفلسطيني المؤسساتية، وديناميكيته السياسية على مدى عقود، ما أضعف قدرته على إنتاج قيادات جديدة وإستراتيجيات بديلة.
في نهاية المطاف، أدّت حالة الإخفاق التي أصابت مشاريعه الوطنية المتعاقبة، بدءًا من التحرير الكامل للوطن عبر النضال المسلّح وصولاً إلى التسوية المناطقية وبناء الدولة على أساس حلّ تفاوضي، إلى تراجع الشمولية السياسية. إذ أفرغت القيادة الحاكمة المؤسّسات من مضمونها ورسخت سلطتها، بالتوافق مع الأطراف الخارجية التي أعطت الأولوية لتحييد المقاومة الفلسطينية في وجه طموحات التوسّع الإسرائيلي المناطقية.
بالتالي، رزح الفلسطينيون تحت وطأة القيادة الضعيفة، شديدة القمع، المدعومة من الخارج، والمتشبّثة هيكلياً ببرنامج سياسي فاشل، لا تستجيب لقاعدتها الشعبية ولا تواجه أيّ منازع من الفصائل السياسية المتكلّسة والمشرذمة، وهي قيادة غير مستعدّة لتسهيل التجدّد السياسي خوفاً من فقدان قبضتها على السلطة.
ينظر هذا الفصل في أزمة القيادة الفلسطينية قبل فترة السابع من أكتوبر وخلالها.
قبل فترة طويلة من أحداث السابع من أكتوبر 2023، التي أغرقت حياة الفلسطينيين في حالة غير مسبوقة من الاضطراب، تخبّطت الحركة الوطنية الفلسطينية في أزمة قيادة عميقة ومُزمنة. وكانت مؤسّستها التمثيلية الأساسية، أي منظمة التحرير الفلسطينية، في حالة من التعطّل والجمود منذ زمن طويل. وعلى الرغم من أنّ جذور هذه العملية قد تعود إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تلاه من هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية ونفي كوادرها، واغتيال عدد من قادتها في المنفى، وتداعيات القمع الإسرائيلي الشديد خلال الانتفاضة الأولى، فإنّ هذه الورقة تركّز على التحوّل الذي طرأ نتيجة عملية أوسلو للسلام ومشروع بناء الدولة.
وسعياً وراء أهداف منظمة التحرير الفلسطينية المتعلّقة بإقامة الدولة، عملت القيادة تدريجياً على تجريد الهيئة المركزية للحركة الوطنية من أيّ دور فعلي في صناعة القرار يتجاوز إعادة التأكيد على التزامها باتفاق أوسلو والمحافظة على إنجازها الأبرز، أي السلطة الوطنية الفلسطينية.1
بيد أنّ السلطة الفلسطينية لم تُصمّم أصلاً للقيادة الوطنية. فقد أُنشئت، بصفتها منبثقة عن اتفاق أوسلو، ككيانٍ انتقالي يقتصر دوره على إدارة أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة الواقعَين تحت الاحتلال، وذلك تحت إشراف إسرائيل وبرعاية خارجية، ما جعلها خاضعة لقيود زمنية ومناطقية واختصاصية صارمة.2 من هذا المنطلق، أدّى انتقال السلطة التدريجي من منظمة التحرير الفلسطينية إلى السلطة الفلسطينية طوال حقبة أوسلو إلى تقييد عملية صناعة القرار الفلسطيني بطرق منهكة وكارثية متعدّدة.
بالإضافة إلى ذلك، سعت القيادة التنفيذية، بدءاً بياسر عرفات ثم محمود عباس، إلى تسلّم مقاليد المؤسّستين معاً، ما أدّى إلى دمج تفويضَي بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، وإلى إضفاء قدر من الضبابية على الديناميّة الخاصة بالعلاقة بينهما.
علاوة على ذلك، وعلى خلفيّة إعادة تموضع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة، أصبحت صناعة القرار الفلسطيني معرّضة بشدّة للإكراه الإسرائيلي ونفوذ الجهات المانحة الغربية. وقد تسبّب التداخل بين أدوار القيادة، وبين إدارة مسؤوليات الحكم ومتطلّبات التحرير الوطني في آن واحد، بإرباك التمييز بين الإدارة البيروقراطية والكفاح الثوري. بالإضافة إلى ذلك، أخضع هذا التداخل مشروعَ التحرير (وهو تفويض منظمة التحرير الفلسطينية) لقيود الحكم شبه الذاتي الإدارية (وهو تفويض السلطة الفلسطينية)، فيما سمح للدول المانحة بربط تمويل السلطة الفلسطينية بشروط غالباً ما تراعي المصالح الإسرائيلية.3
لم يكن ذلك مجرد سوء تقدير سياسي، بل إعادة هندسة بُنيوية للسياسة الفلسطينية. فقد حوّلت عملية أوسلو الحركة الوطنية إلى جهاز حوكمة متواطئ، بحيث لم يعتمد بقاؤه المؤسساتي على دفع مشروع التحرير قدماً فحسب، بل في المحافظة على النظام في ظلّ الاحتلال. من هذا المنطلق، كان فشل القيادة ملازماً، أي بعبارة أخرى نتيجة إطار سياسي مصمّم لعرقلة صناعة قرار مستقل.
بالإضافة إلى ذلك، أدّت إعادة الترتيب البُنيوي والجغرافي هذه، إلى قطع الصلة بين صنّاع القرار تحت الاحتلال، والمجتمعات الفلسطينية في المنفى، من اللاجئين والشتات الذين كانوا يشكّلون في ما مضى العمود الفقري للحركة الوطنية، بمن فيهم القادة الذين اعترضوا على اتفاق أوسلو وبقوا خارج الأراضي المحتلة.
في أواخر الثمانينات، شكّل صعود حركة حماس، التي عملت خارج هياكل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، تحدياً إضافياً لسلطة هاتين المؤسستين وبرنامجهما السياسي طوال فترة التسعينات وفي العقد الأول من الألفية الثانية. وفيما انهارت عملية أوسلو، حذت شرعية السلطة الفلسطينية حذوها، ما عمّق أزمة القيادة. كذلك، قاد قرار حماس خوض انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006 وفوزها بأغلبية المقاعد، إلى اندلاع صراعِ عنيف على السلطة مع رئاسة محمود عباس وحركة فتح، بلغ ذروته في الانقسام السياسي والجغرافي عام 2007 بين قطاع غزة الخاضع لسيطرة حماس والضفة الغربية التي تديرها السلطة الفلسطينية بقيادة فتح.4
كذلك، تبيّن أنّ الانقسام شكّل كارثة سياسية، لا سيما بالنسبة إلى أُسس القيادة الفلسطينية نفسها. فبينما أفرغ عباس ما تبقّى من المؤسسات الواقعة ضمن نطاق سيطرته من مضمونها وأحكم قبضته عليها، تراجعت العمليات الديمقراطية الناشئة لتحلّ محلّها سلطويّةٌ مكشوفة، ما أسهم في تقويض شرعيّته كقائد للحركة الوطنية.5 كما انحدرت “القيادة التحويلية”، بحسب مفهوم جيمس ماكغريغور بيرنز وبرنارد باس، التي تُحفّزها شخصيات مُلهمة ورسالة جماعية، إلى نظام حكم شخصي قائم على المحسوبية والقمع.6
كما أدّى أسلوب القيادة داخل حركة فتح نفسها، الذي انتهجتها القيادة الحالية التي تتمحور حول المركزية والإقصاء، إلى تهميش شخصيات عدّة وإبعادها، ومن بينهم قادة أصغر سناً مثل: مروان البرغوثي ومحمد دحلان وجبريل الرجوب، الذين سعوا في مطلع العقد الأول من الألفية الثانية إلى الاضطلاع بدورٍ أكبر في صناعة القرار، ولكن جرى صدّهم. وقاد ذلك إلى تفكّك حركة فتح وانقاسمها إلى فصائل متعدّدة، كما تجلّى في تكاثر اللوائح المتنافسة التابعة لفتح قبل الانتخابات النيابية لعام 2006 وانتخابات عام 2021 التي أُلغيت.7
في غضون ذلك، أُضعفت قدرة المجتمع الفلسطيني على التعبئة بشكلٍ متعمّد.8 فقد تعرّض النشطاء والمنتقدون، لا سيما في صفوف الشباب، للمضايقة والاحتواء والمراقبة من الأجهزة الأمنية لكلّ من إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وأصبحت القوى الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، التي تلقّت التدريب والتمويل والغطاء السياسي من جهات خارحية، الذراع التنفيذية لهذا النظام. لم يكن التنسيق الأمني مع إسرائيل خياراً سياسياً فحسب، بل الآليّة الرئيسية التي مكّنت منظومة أوسلو من الاستمرار، عبر تجريم المقاومة وقمع المعارضة وتحويل تَبَعيّة القيادة إلى سمة دائمة من سمات الحياة السياسية الفلسطينية.
بالإضافة إلى ذلك، قضى التخلّي عن الانتخابات على أيّ مسار فعلي للمنافسة السياسية أو لصعود قيادة جديدة. فقد استنزف احتكارُ عباس ودائرته الضيّقة للسلطة ديناميّةَ الحياة السياسية الفلسطينية، فيما حصر النقاشَ السياسي في مسألة الخلافة بدلاً من التجدّد.
وعلى الرغم من عمل حماس خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية، فقد حقّقت هذه الحركة أداء أفضل على الصعيد المؤسساتي، إذ إنّ إجراءاتها البيروقراطية الداخلية وقدرتها على التجدّد مكّنت بُنيتها القيادية من تحمّل سنوات من الاغتيالات والاعتقالات والنفيّ القسري. وعلى الرغم من أنّ الحركة لم تعانِ من الانحدار السياسي الشديد الذي شهدتهُ حركة فتح، فإنّ الحصار الخانق الذي فرضته إسرائيل على غزة، وعجز حماس عن تحقيق التحرير أو الإغاثة أو الإدارة الفعالة، فضلاً عن ممارساتها القمعية، أدى إلى تراجع شعبيّتها إلى حدّ كبير في صفوف السكان الذين تتولى إدارة شؤونهم في الحكم.
وفي ظلّ الحصار والعزلة والإقصاء عن هياكل صناعة القرار الوطني، وجدت حماس نفسها من دون شرعية التجديد الانتخابي أو ضمن قيود الإطار القيادي الجماعي. وبالتالي، لم تكن قدرتها على التحرّك بشكلٍ أحادي، ولا سيما في قرارها بشنّ عملية “طوفان الأقصى”، انحرافاً عن المسار، بل نتيجة بنيوية لحركة وطنية مفكّكة وبلا قيادة.
خارج هذه الهياكل السياسية الرسمية، ينبض الشتات الفلسطيني بحيوية لافتة، إذ يواصل الناشطون ومنظمات المجتمع المدني والشبكات العابرة للحدود انخراطهم العميق في النضال الوطني. ومع ذلك، فإنّهم مستبعدون من آليات العمل السياسي المؤسساتي وعاجزون عن تنسيق جهودهم ضمن إستراتيجية موحّدة. وتُجسّد المبادرات القائمة على الحقوق، على غرار “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” (BDS)، هذه الطاقة ولكنها تكشف أيضاً حدود المناصرة حين تنفصل عن جهة سياسية فاعلة معترف بها وتملك برنامجاً سياسياً متماسكاً.
في غياب سلطة معترف بها وموارد مالية وأدوات ضغط قسرية، تبقى مبادرات الشتات عاجزة من الناحية البنيوية عن الحلول محلّ قيادة مؤسساتية، مهما بلغت قوتها الإقناعية على الصعيدين الأخلاقي والخطابي. وبالفعل، غالباً ما تعمد القيادة الفلسطينية المعترف بها دولياً نفسها إلى تعطيل جهوده، لا سيما وأنّ اعتماد هذه القيادة على قيود سياسية ومالية وأمنية خارجية يدفعها إلى عرقلة المبادرات التي تقع خارج نطاق تفويضها الضيّق، أو إلى إضعافها.
عشية السابع من أكتوبر، كان الفلسطينيون يفتقرون إلى قيادة موحّدة وتمثيلية. وإذ كانت الحركة الوطنية مشرذمة جغرافياً وسياسياً، عملت كل جهة من بقاياها بمعزل عن الأخرى سعياً وراء أجندات متباينة، بل متعارضة في أغلب الأحيان. وفي المحصلة، كانت النتيجة حركة وطنية منهكة إلى حدّ كبير وغير مهيأة إطلاقاً لتداعيات القرار الأحادي الذي اتّخذته حركة حماس بشنّ عملية عسكرية غير مسبوقة ضد إسرائيل.
عمل كل فصيل من الفصائل الفلسطينية تاريخياً بمعزل عن الآخر وبأساليب رسمت ملامح الحركة على نطاقٍ أوسع، وتجلّى ذلك في عمليات اختطاف الطائرات التي نفّذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في السبعينات والتي أشعلت حرب “أيلول الأسود” مع المملكة الأردنية الهاشمية، أو”حرب المخيمات” المدعومة من سوريا في لبنان في الثمانينات في أعقاب طرد منظمة التحرير الفلسطينية، أو المفاوضات السرية التي خاضتها حركة فتح مع إسرائيل والتي أفضت إلى اتفاق أوسلو، فإنّ قلّة من هذه القرارات ولّدت تداعيات بحجم هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر.
على مدى العامَين التاليين، تعرّض الفلسطينيون للهجوم الأشد فتكاً وتدميراً على وجودهم الجماعي منذ نكبة عام 1948، بحيث شكّلت الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة إبادة جماعية من حيث النطاق والنيّة. فقد قُتل ما لا يقلّ عن 70 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال.
ويُقدّر الخبراء بأنّ الخسائر المباشرة وغير المباشرة في الأرواح الناتجة عن الجوع والأمراض والنقص في الرعاية الطبية قد تَرفع الحصيلة إلى مئات الآلاف.9 علاوة على ذلك، هُجّر أكثر من مليوني شخص، فيما انتشرت المجاعة بعدما منعت إسرائيل عمداً وصول الغذاء والماء والدواء.10
ودُمّرت معالم غزة الحضرية، وسُوّيت بنيتها التحتية بالأرض، ومُحي إرثها الثقافي. باختصار، لقد حُوّل القطاع بشكلٍ متعمّد إلى منطقة غير صالحة للسكن.
أما في الضفة الغربية، فقد تصاعد العنف والقمع إلى أعلى مستويات منذ عقود، إذ تكثّفت اعتداءات المستوطنين والمداهمات العسكرية والاعتقالات الجماعية، فيما بلغت عمليات مصادرة الأراضي مستويات لم يسبق لها مثيل منذ التوقيع على اتفاق أوسلو عام 1993. كما هُجرت عشرات المجتمعات قسراً. وفي المدن الشمالية مثل جنين ونابلس وطولكرم، سعى الجيش الإسرائيلي إلى سحق المقاومة المسلّحة عبر العقاب الجماعي وخنق الاقتصاد، فَزَرع بيئة خيّم عليها الخوف والشلل.11
برز غياب القيادة الفلسطينية على نحو لافت طوال هذه الكارثة، فلم يجتمع المجلس الوطني الفلسطيني، الذي يُعد أعلى هيئة تمثيلية في منظمة التحرير الفلسطينية، ولو لمرة واحدة. وغاب محمود عباس، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، عن المشهد العام، ولم يظهر إلا نادراً في المحافل الدولية مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، من دون إطلاق أيّ حملة دبلوماسية جادة لحماية شعبه، ناهيك عن القيام بزيارة إلى قطاع غزة.
لا يعكس هذا الشلل سلوك سياسي في أواخر الثمانينات من عمره فحسب، بل عقوداً من الاهتراء المؤسّساتي. فقد أصبحت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية متلقّيتين سلبيتين لأجندات تُحرّكها جهات خارجية، عوضاً عن المبادرة إلى صياغة رؤية سياسية. من هذا المنطلق، ليست أزمة القيادة الفلسطينية مجرد مسألة غياب، بل حالة عرقلة، إذ حتى في ظلّ وجود اعتراف قانوني وقنوات دبلوماسية، فإنّ غياب جهة سياسية فاعلة موحّدة ورسمية يُعطّل هذه الأدوات. فالقانون الدولي وآليات التضامن بحاجة إلى تفعيل. وفي غياب قيادة شرعية قادرة على توظيفها، تتراكم الانتصارات القانونية، ويتصاعد الدعم الشعبي ثم ينحسر، من دون ممارسة أي تأثير سياسي فعلي.
يبدو أنّ الأهمية الوحيدة التي اكتسبتها السلطة الفلسطينية في هذه المجزرة الجماعية تَمثّلت في حاجة الدول العربية إلى مُحاور فلسطيني صُوري، لتأمين مخرج من احتمال تورّطها في مرحلة ما بعد الحرب في غزة. بعبارة أخرى، حرصاً على تجنّب الانزلاق في دور دائم في مجالَي الأمن والحوكمة، لا سيما في ظلّ العرقلة الإسرائيلية لتسويةٍ سياسية أشمل للصراع، كانت الدول العربية بحاجة إلى تأمين كيان فلسطيني يُمكنها تسليمه المسؤولية في نهاية المطاف.
لا تزال “دولة فلسطين” عنواناً معترفاً به في الدبلوماسية الدولية، لكنّها تتحدّث من دون سلطة سياسية واضحة أو وحدة في الهدف، نظراً لافتقارها إلى السيادة، ولضبابية التداخل المؤسّساتي، وغياب الشرعية الشعبية لقيادتها.
من جهتها، أُنهكت حركة حماس إلى حدّ كبير بفعل الردّ العسكري الإسرائيلي على هجوم السابع من أكتوبر وتعمّق عزلتها الدبلوماسية في أعقاب الهجوم. فقد صُفّيت قيادة الحركة في غزة، فيما تعرّض مكتبها السياسي في المنفى لعمليّات اغتيال في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، أو انشغل مكتبها بمفاوضات وقف إطلاق النار واحتواء التداعيات خلال العامَين اللذين أعقبا عملية السابع من أكتوبر.
ولا شكّ أن حركة حماس كانت منبوذة من قِبَل الحكومات الغربية وعدد من الدول العربية، ما حرمها من النفوذ الدبلوماسي اللازم للتأثير في نظام ما بعد الحرب. وحيثما أُتيح لها مقعد على طاولة المفاوضات، اضطرت إلى التفاوض تحت وطأة ضغوط شديدة، وغالباً ما فُرضت عليها إنذارات نهائية، كان ثمنُ رفضها يُلقى على كاهل السكان المدنيين. وفي ظلّ التراجع المطّرد لأهمية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، أدى هذا الوضع إلى تجريد الفلسطينيين من أيّ دور في المداولات الدولية الآيلة إلى رسم ملامح مستقبلهم.
لقد برز التهميش السياسي الذي تعرّضت له القيادة الفلسطينية في صياغة “خطة السلام” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المؤلّفة من عشرين نقطة، والتوقيع عليها في أكتوبر 2025. ولم تكن حماس غائبة عن المفاوضات التي أفضت إلى صياغة الخطة فحسب -باستثناء موافقتها على إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين ومناقشة بنود تفكيك نفسها- بل رُفضت دعوة عباس لحضور مراسم التوقيع في مصر في البداية، قبل أن يُكتفى بمنحه دوراً مراقباً لا غير.12
وعلى الرغم من ورود اسم السلطة الفلسطينية في خطة ترامب للسلام لعام 2025، نتيجة إصرارٍ عربي على الأرجح، فإنّ مشاركتها المستقبلية في حكم غزة مشروطة ببرنامج إصلاحي خاضع لإشراف إسرائيلي. وفي الوقت الراهن، تُختزل المشاركة الفلسطينية بشكلٍ عام في لجنةٍ تنفيذية أقرّ تشكيلها مجلسٌ دولي بقيادة دونالد ترامب، وتخضع لتعليماته.
كانت تداعيات هذا الفراغ كارثية، إذ يفتقر الفلسطينيون إلى صوت موحّد يُعبّر عن قضيتهم على الساحة الدولية، ما يجعلهم عرضة للأجندات الخارجية، ويمنعهم أيضاً من اقتناص الفرص الناشئة من تحت الركام. ولا يمكن للتضامن العالمي والوضوح القانوني والاستنكار الأخلاقي، وإن بلغت مستويات غير مسبوقة، أن تحلّ محلّ السلطة المؤسساتية والقيادة الفاعلة. بدورها، استغلّت إسرائيل التشرذم السياسي الفلسطيني لاحتواء الضغوط الدولية بتكلفة محدودة، واثقةً من غياب قيادة موحّدة قادرة على تحويل الإدانة إلى نتائج ملموسة.
من ناحية أخرى، باءت المحاولات الرامية إلى رأب الصدع في النظام السياسي المجزأ أو استعادة التمثيل الشرعي عبر إحياء منظمة التحرير الفلسطينية، بالفشل أيضاً. ففي العام 2024، اجتمع 14 فصيلاً فلسطينياً في موسكو وبكين لمناقشة تشكيل حكومة وحدة وطنية وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية. بيد أنّ ما تسرّب من وراء الكواليس يُشير إلى أنّ محمود عباس رفض اتفاق بكين، ما أدى إلى تعثّر تنفيذه وتكرار نتيجة 17 عاماً من محاولات المصالحة الفاشلة.13
على نحو مماثل، واجهت المبادرات التي أطلقتها الجاليات الفلسطينية في الشتات بهدف إحياء منظمة التحرير الفلسطينية صعوبات في اكتساب الزخم، لا سيما بسبب عرقلة عباس. وخير مثال على ذلك “المؤتمر الوطني الفلسطيني” الذي انعقد في الدوحة في فبراير 2025 واستقطب مئات المشاركين، بمن فيهم عدد من الشخصيات البارزة. وفيما اكتسبت هذه المبادرة زخماً متزايداً، سارع عباس إلى شجبها باعتبارها مؤامرة خارجية، وعرقلت السلطةُ الفلسطينية سفر عشرات المشاركين من الضفة الغربية لحضور المؤتمر.14
وانهارت مبادرات شعبية أخرى كذلك أمام المعضلة المتمثّلة بإصلاح البنى القائمة أو بناء هياكل جديدة، وحتى اليوم لم تبرز أي قيادة بديلة. في الوقت نفسه، استمرّ عباس في الدفع باتجاه تنصيب حسين الشيخ، ذراعه اليمنى، خلفاً له، على الرغم من أنّه لا يتمتّع بأي دعم شعبي.15 اضطلع الشيخ لفترة طويلة بدور الوسيط بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الإسرائيلية العسكرية، وقد وصفه مسؤولون أمنيون إسرائيليون بأنه “رجلهم في رام الله”، ما نسف مصداقيته بنظر الفلسطينيين.16
ومع ذلك، عيّن عباس الشيخ عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في يناير 2022، ثم رقّاه إلى منصب أمينها العام في مايو من العام نفسه.17 وفي أبريل 2025، استحدث عباس منصبَين جديدين – نائب رئيس دولة فلسطين ونائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية- وعيّن الشيخ فيهما.18 وفي أكتوبر 2025، أصدر عباس مرسوماً نصّ على تعيين الشيخ رئيساً بالنيابة في حال وفاة عباس أو عجزه لمدة تصل إلى 90 يوماً إلى حين إجراء انتخابات، في خطوةٍ لا تستند إلى أيّ أساس قانوني بموجب القانون الأساسي الفلسطيني.19
في المقابل، يبقى مروان البرغوثي، الذي يُعتبر الشخصية التوافقية الأبرز، قابعاً في السجون الإسرائيلية، على الرغم من تجدّد الضغوط الآيلة إلى إطلاق سراحه في أعقاب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 ومحاولة حماس تحريره عبر صفقة لتبادل الرهائن.20
وفي حال تعثّر ذلك، فإنّ عرقلة المسارات الديمقراطية لتجديد التمثيل الشرعي الفلسطيني تُمهّد لاندلاع حرب أهلية. ولكن حتى إذا جرى تجنّب هذا السيناريو من خلال إبرام اتفاق لتقاسم السلطة، فإنّ الإرادة الشعبية الفلسطينية ستظلّ مهمّشة.
لم يعد غياب قيادة فعّالة مجرّد خلل سياسي، بل أضحى حالة طوارئ وطنية. فمن دون هيئة تمثيلية موحّدة وشرعية، لا يمكن للفلسطينيين مواجهة التهديدات الوجودية المحدقة بهم أو الاستفادة من الفرص الدبلوماسية الناشئة عن تصاعد عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.21 يجد الفلسطينيون أنفسهم اليوم في وضع شبيه بفترة ما بعد العام 1948، أي بلا قيادة، ومشرّدين ومنقسمين. لكن خلافاً للماضي، باتوا يملكون اليوم مكتسبات ملموسة يمكن توظيفها. فالهوية والقومية الفلسطينيتان أقوى من أيّ وقت مضى، وقد بلغ التضامن الدولي مع الفلسطينيين مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. واعتباراً من أكتوبر 2025، أصبح عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين 157 دولة.
كذلك، قضت الأحكام الصادرة مؤخراً عن محكمة العدل الدولية ووكالات الأمم المتحدة بعدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري، وباحتمال انتهاكه “لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها”.22 كما تَعتبر المحكمة الجنائية الدولية عدداً من القادة الإسرائيليين فارين من العدالة. بعبارة أخرى، أثبتت أبرز المؤسسات الدولية الإجرام الإسرائيلي، ما يُشكّل أساساً متيناً للسعي إلى المساءلة.
لكن على الأرض، تستمرّ إسرائيل في استخدام قوة قسرية طاغية، ليس من خلال الاحتلال العسكري فحسب، بل عبر هيمنتها على الاقتصاد الفلسطيني والنخبة السياسية. ولا تتحلّى القيادة الحالية، المقيّدة بالامتيازات والتبعية، بالإرادة الصلبة لتحدّي هذه البنية.
لكي تتعافى الحركة الوطنية الفلسطينية، لا بدّ من أن تُعطي الأولوية لإعادة تشكيل قيادة شرعية ومستقلة، من خلال مَهمّتَين أساسييتين: أولاً، إنشاء مؤسسات تعكس التنوّع الجغرافي والسياسي الكامل للشعب الفلسطيني، على امتداد فلسطين التاريخية ومخيمات اللاجئين والشتات حول العالم؛ وثانياً، استعادة استقلالية صناعة القرار إلى أقصى حدّ ممكن، بعيداً كل البعد عن الإكراه الذي يمارسه الاحتلال والوصاية الخارجية، حتى لو استدعى ذلك نقل مراكز صناعة القرار إلى خارج الأراضي المحتلة.
تحمل اللحظة الراهنة في طيّاتها مخاطر وفرصاً على حدّ سواء، إذ يواجه الفلسطينيون حالة غير مسبوقة من الدمار والتهجير، بينما يحظون في المقابل بمستويات تاريخية من التعاطف الدولي والاعتراف القانوني. وبغية تحويل هذا الرصيد المعنوي والدبلوماسي إلى تقدّم سياسي ملموس، ينبغي عليهم إعادة بناء قيادة جماعية قادرة على توحيد النضال من أجل الحقوق والحكم والتحرير. وفي غياب مثل هذه القيادة، ستظلّ الحركة الوطنية الفلسطينية بلا دفّة، تتأرجح بين الكارثة والفرصة، وعاجزة عن رسم مسار يقود إلى تقرير المصير الحقيقي.