منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير 2026، اضطرت تركيا إلى إدارة الحرب ضمن بيئتها الأمنية. وقد استند ردّ أنقرة على تلك الحرب إلى قراءة مركزية واحدة مفادها أنّ الاضطرابات الحالية لم تكن نزاعاً إقليمياً حتمياً، بل نتاج خيار إستراتيجي أمريكي–إسرائيلي، حيث يصوّر الخطاب الرسمي والعام التركي إسرائيل على نطاق واسع على أنّها المحرك الرئيسي للتصعيد.
ومع ذلك، ظلّت مساحة تركيا للمناورة مقيّدة بعوامل لا تملك السيطرة عليها ولا يمكنها التحكم بها: مستوى التباعد الإستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب على الرغم من شراكتهما العملياتية، وقدرة إيران على مواصلة الصمود، وخيارات الدول الثالثة التي تستضيف القواعد الأمريكية في ما يتعلّق باستيعاب التداعيات الإقليمية. ومع ذلك، تبدو أنقرة راضية إلى حدّ كبير عن حفاظها على الحياد، وتجنّب التورط المباشر، وإرساء سردية تشدّد على دورها كوسيط دبلوماسي.
لقد أدان الرئيس رجب طيب أردوغان الضربات الافتتاحية، إذ اعتبرها انتهاكاً لسيادة إيران وللقانون الدولي، ودعا إلى العودة الفورية للحوار الدبلوماسي ووقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، لم تبرر التصريحات التركية ردّ إيران التي وسّعت نطاق الحرب جغرافياً. فقد انتقد أردوغان وكبار المسؤولين الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية، معتبرين أنّها أخطأت إستراتيجياً لأنهّا وسّعت نطاق الحرب بدلاً من احتواءها. ووصف وزير الخارجية هاكان فيدان علناً إستراتيجية إيران في ضرب الدول الخليجية بأنها “خاطئة للغاية“. وتُظهر هذه التصريحات مجتمعةً أن أنقرة حاولت تصوير نفسها على أنّها مناهضة للحرب، ومنتقدة بشدة لدور إسرائيل في إشعال الأزمة، ومعارضة في الوقت ذاته لأساليب الردّ الإيراني التي تُوسّع نطاق التوتر الإقليمي.
وقد عزّز رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن هذا الطرح، محذراً من أنّ الحرب قد تُؤدي إلى نشوب “حرب أخوية” طويلة الأمد بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس. ما يعكس هاجساً تركياً واضحاً: لا يكمن الخطر الأكبر في تبادل الصواريخ أو تضرّر البنية التحتية فحسب، بل في تفكّك المجتمعات والأنظمة السياسية في المنطقة على حدّ سواء. كما ويُفسر ذلك سبب اعتزاز أنقرة الواضح بمقاومة الضغوط للدخول في الحرب، وإبقاء الحوار مفتوحاً مع إيران، والسعي إلى الدبلوماسية النشطة عبر الرياض والدوحة وأبو ظبي وأنقرة ومسقط والقاهرة وإسلام آباد. وتُعزّز هذه الخطوات مجتمعةً الصورة التي تُفضلها أنقرة لنفسها: حياد ايجابي يهدف إلى الحفاظ على مكانتها.
مع ذلك، وصلت الحرب إلى تركيا في غضون أيام. فبفضل اعتراضات الصواريخ في 4 و9 و13 و30 مارس، أصبحت تركيا أول دولة عضو في حلف الناتو تتأثر فعلياً بالتداعيات الإيرانية. وقد أكّد حلف الناتو اعتراض الصواريخ التي استهدفت المجال الجوي التركي أو دخلته، كما رفع من مستوى تأهبه الدفاعي عقب هجمات مارس، وأعاد التأكيد علناً على استعداده للدفاع عن تركيا. واتّسم ذلك بأهمية بالغة، إذ وضع تركيا في آن واحد تحت حماية الحلفاء وتحت الضغط للحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية مع إيران والمنطقة ككلّ.
تكتسب تركيا أهمية في هذه الحرب لا بصفتها دولة متأثرة بها فحسب، بل لأنّها تقع عند نقطة التقاء أربعة محاور سياسية ستُحدد المرحلة المقبلة من الصراع: إدارة التحالف، ودبلوماسية الأزمات، والتداعيات الإقليمية، والمرونة الاقتصادية. يتمحور السؤال الأساسي حول كيفية إدارة أنقرة للتوتر القائم بين التزاماتها تجاه حلف الناتو وموقعها الإقليمي في وقت تعيد فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط، وما الذي يعنيه ذلك عملياً لعلاقاتها مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة والحلف. ولكلّ توجّه ثمن. فالتقارب المفرط مع الموقف الأمني لحلف الناتو يُنذر بتفاقم الاحتكاك مع إيران ويُضيّق هامش أنقرة الدبلوماسي الإقليمي.
في المقابل، قد يُثير الابتعاد المفرط عن توجهات الولايات المتحدة وحلف الناتو شكوكاً حول مصداقية تركيا داخل الحلف في ظلّ حالة من عدم الاستقرار المتزايد. وقد يُعزز اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل موقع أنقرة السياسي الإقليمي والمحلي، ولكنه قد يُعقّد العلاقات مع واشنطن ويُقلّص فرص الانخراط لخفض التصعيد.
ولا يتمثّل هدف أنقرة المباشر في التوسع عبر الفوضى، بل في تجنب التهميش الإستراتيجي في نظام إقليمي يُعاد تشكيله بشكل متزايد بواسطة القوة. لذلك يبقى هامش المناورة المتاح لأنقرة على المحكّ في بيئة إقليمية متدهورة تتسم بعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات القوى الكبرى، وضعف سلطة المؤسسات، وتزايد أهمية التحالفات المؤقتة.
ولا تقتصر أهمية هذا التموضع على الجانب الوصفي فحسب، بل تترجم مباشرة إلى أربعة مجالات سياسية ستشكل خيارات تركيا في المرحلة المقبلة من الصراع.
أولًا، تُعدّ تركيا، بصفتها حليفاً على الجناح الجنوبي، حالة اختبار لقدرة حلف الناتو على تعزيز دفاعاته من دون الانزلاق إلى شراكة سياسية أو عسكرية مشتركة للحرب. وتقوم مهمة الناتو في الدفاع الصاروخي الباليستي على حماية أراضي الدول الحليفة وسكانها وقواتها من تهديدات الصواريخ الباليستية، وتحتلّ تركيا موقعاً مركزياً في هذه المنطقة الجغرافية بفضل موقعها وبنيتها التحتية ومنظومة الرادار الخاصّة بها، بما في ذلك قاعدة كورجيك وقربها من قاعدة إنجرليك.
ومع ذلك، فهذه الحرب ليست حرب الناتو بالمعنى المقصود للدفاع الجماعي. فقد أوضح حلف الناتو أنه ليس طرفًا معادياً في الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضدّ إيران. وقد حافظ الحلف على حذره، إذ عزّز موقفه الدفاعي لكنّه رفض تحويل تعرّض تركيا للصواريخ إلى منطق حرب يشمل الحلف بأسره. يعكس هذا التحفّظ تقديراً سياسياً مفاده أن الناتو لا ينبغي أن يُخاطر بالانكشاف المباشر المفرط في صراع يحكمه عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترامب بقدر كبير والتصعيد الأمريكي الإسرائيلي، بقدر ما تحكمه الردود الإيرانية. وقد استفادت تركيا من هذا التحفّظ: إذ تحصل على الحماية من دون أن تستدرج، حتى الآن، إلى مواجهة بين الناتو وإيران.
ثانياً، تبقى تركيا محوراً أساسياً في المسألة الدبلوماسية المتعلقة بإمكانية استمرار إدارة الأزمات الإقليمية حتى في ظلّ ضعف الوساطة الرسمية. فهي لا تزال من بين الجهات الفاعلة القليلة التي حافظت على الحوار مع إيران فيما استمرّت في التنسيق الفعّال مع واشنطن وعواصم دول الخليج وباكستان. في الوقت نفسه، نسّقت أنقرة مع الدول الخليجية وباكستان لاحتواء التصعيد والحفاظ على قنوات خفض التصعيد. وقد أكّدت التحليلات التركية والدولية ذلك.
ثالثًا، تكتسب تركيا أهمية في الإدارة الإقليمية لتداعيات الحرب، لا سيما مع ازدياد القيود التي تواجهها الدول الخليجية نتيجة انكشافها المباشر. وقد أوضحت الدوحة دعمها لجهود باكستان، لكنّها لم تلعب دور الوسيط بشكلٍ مباشر، نظراً لتركيزها على الدفاع عن البلاد ضدّ الهجمات الإيرانية. هذا لا يعني انسحاب الدول الخليجية من العمل الدبلوماسي، بل أنّ انكشافها المباشر يحدّ من أهميّتها في المفاوضات. ما يُفسّر الاهتمام المُوجّه إلى المسار الرباعي الناشئ. كذلك، تُسهم تركيا جزئياً في سدّ هذه الفجوة: فهي غاضبة من الضربات الإيرانية، لكنها ليست مُحبطة استراتيجياً من إيران كما هو الحال في عدد من العواصم الخليجية بعد سنوات من الانخراط يليه الاستهداف المباشر.
رابعاً، عززت الحرب الصلة بين الصراع الخارجي والضعف الداخلي. وقد صرّح وزير الطاقة، ألب أرسلان بيرقدار، في 25 مارس، أنّ كل ارتفاع في أسعار النفط بمقدار دولار واحد يضيف نحو 400 مليون دولار إلى فاتورة الطاقة في تركيا. وبحلول أواخر مارس، كانت أسعار الطاقة المُتأثرة بالحرب قد أدّت بالفعل إلى تفاقم توقعات التضخم في تركيا. فقد كانت إيران قد زوّدت تركيا بنحو 13 في المئة من وارداتها من الغاز العام الماضي، بينما ظلت كلّ من روسيا وأذربيجان من أكبر الموردين، ما يعني أنّ انكشاف أنقرة حقيقي وإن لم يكن مطلقاً. فقد كانت إيران قد زوّدت تركيا بنحو 14 في المئة من وارداتها من الغاز العام الماضي، بينما ظلت كلّ من روسيا وأذربيجان من أكبر الموردين، ما يعني أنّ انكشاف أنقرة حقيقي وإن لم يكن مطلقاً. وحتى من دون أن تشكّل تركيا طرفاً مباشراً في المواجهة في مضيق هرمز، تظل عرضة للخطر بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وتقلبات السوق الأوسع. وبهذا المعنى، لا تمثل الحرب أزمة أمنية لتركيا فحسب، بل اختباراً لمرونتها الاقتصادية على حدّ سواء.
تتّحد هذه المجالات الأربعة أيضاً في دعم أنقرة للدبلوماسية المصغرة الناشئة، والتي توفر نافذة مفيدة حول كيفية محاولة تركيا الحفاظ على مجال للمناورة في ظل ظروف الحرب وضعف المؤسسات وعدم التوازن في القيادة الإقليمية.
لا شكّ أن الدبلوماسية المصغرة التي تضمّ تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر أصبحت أكثر أهمية مما بدت عليه في البداية، لا سيما بعد وقف إطلاق النار والجولة المكثفة من المفاوضات الدبلوماسية التي تلته. ومع إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة 14 يوماً في 8 أبريل، وما أعقبه من جهود لتحويله إلى ترتيب أكثر استدامة، بات هذا الاطار أكثر تأثيراً: لا ككتلة متماسكة تشترك في إستراتيجية شاملة، بل كمنصة تنسيق عمليّة سعت من خلالها الدول الإقليمية المنكشفة إلى احتواء التصعيد، ودعم المفاوضات، وصياغة شروط الاستقرار ما بعد الأزمة.
ويبدو أنّ باكستان قد شكّلت الوسيط العملياتي الرئيسي في هذه العملية، حيث استضافت مسار إسلام آباد، ونقلت المقترحات بين واشنطن وطهران، وساعدت في دفع الأطراف نحو إطار لوقف إطلاق النار، بينما اتخذت تركيا موقفاً دبلوماسياً داعماً ميسّراً أكثر من كونها وسيطاً رئيسياً.
وبالتالي، لم يكن ما ظهر تحالفاً مستقراً بقدر ما كان “ائتلافاً للدول المقيدة“: أي دول لا تجمعها رؤية إستراتيجية موحّدة، بل تربطها هشاشتها المشتركة تجاه اضطرابات الطاقة والأسواق، وتداعيات الصراع إقليمية، وخطر الانجرار إلى حرب تتسّع رقعتها.
بهذا المعنى، خدم هذا الاطار أهدافاً عدّة في آن واحد: كسب الوقت، والإشارة إلى أن الحرب لم تكن بلا تكلفة سياسية أو اقتصادية على المنطقة بأسرها، والحفاظ على قدر من الفاعلية الإقليمية في وقت ظلت فيه الآليات المتعددة الأطراف الرسمية ضعيفة.
في هذا الإطار أيضًا، وفّر منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الذي عُقد في الفترة الممتدّة ما بين 17 و19 أبريل، ساحةً أوسع لتمثيل هذه الدبلوماسية، فضلاً عن كونه مركزاً للتنسيق، حيث استضاف الاجتماع الثالث لوزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والمملكة العربية السعودية ضمن إطار “الملكية الإقليمية”، والذي ركّز على إيجاد حلول إقليمية للتحديات الإقليمية. غير أنّ الأهمية السياسية لأنطاليا لا تتجسّد في أيّ انتصار دبلوماسي فوري بقدر ما تتمثّل في دورها كمنصة إنطلاق لترسيخ العلاقات ما بعد وقف إطلاق النار. وقد أشارت الاجتماعات إلى أنّ الجهات الفاعلة الإقليميّة تسعى إلى إضفاء الطابع المؤسسي على التشاور عقب فترة وقف إطلاق النار الأولى، حتّى وإن ظلّت استدامة هذا المسعى غير مؤكّدة، وسيكمن الاختبار الحقيقي في قدرة هذا الإطار غير الرسمي على التحوّل من إدارة الأزمات إلى تأثير مستدام في الجولة التالية من المفاوضات. وحتّى إن تعثّرت هذه الجهود، فإنها تكشف مع ذلك عن سعي أوسع نحو تعزيز الدور الإقليمي في ظلّ تآكل الأطر المؤسسية.
النتيجة المفضلّة لتركيا ليست في أن تكون إيران الأقوى، ولا في إيران المنهارة. فإيران الأقوى تُبقي على التنافس بشروط غير مواتية في العراق وسوريا؛ أمّا انهيار إيران فيزيد من خطر تدفقات اللاجئين، وانعدام الأمن الحدودي، وإعادة تنشيط المجموعات المسلّحة، والتفكك بين المكوّنات المجتمعية. ويكتسب تحذير قالن، من اندلاع حرب بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس أهمية خاصة هنا، إذ يعكس هاجساً تركياً محدّداً: وهو أنّ الخطر الإستراتيجي الحقيقي لا يكمن في قوّة الدولة الإيرانية بقدر ما يكمن في الانهيار الاجتماعي والسياسي الذي قد يعقب محاولات إعادة هندسة إيران بالقوة.
وهنا تدخل المسألة الكردية في صلب التحليل. إذ تقع تركيا في قلب المجال الجيوسياسي الكردي، الذي يتقاطع مع الساحات الرئيسية المتأثّرة بالحرب كافة. كما تؤثّر التطورات في المناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا والعراق وإيران بشكل مباشر في الأمن الداخلي لتركيا، وإدارة حدودها، ونفوذها الإقليمي.
وقد أشارت مصادر تركية، إلى جانب تحليلات خارجية، إلى قلق أنقرة من احتمال انجرار حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) أو تشكيلات كردية مسلّحة مجاورة إلى الحرب ما قد يعقّد مسار تركيا للسلام، فضلًا عن أمن حدودها. وقد سعت أنقرة إلى الحؤول دون اكتساب الصراع بُعداً كردياً برياً مباشراً، وذلك من جهة عبر الإبقاء على مسارها الداخلي المتّصل بالقضية الكردية، ومن جهة أخرى عبر معارضة أيّ إستراتيجية إقليمية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل تستغلّ الانقسامات الإثنية والطائفية في داخل إيران ومنعها (حتّى الآن). ولكن من وجهة نظر أنقرة، تكمن الأهمية في الردع: منع الحرب من التحوّل إلى سيناريو أوسع لقوات كردية برية، بما قد يفضي إلى ارتدادات متزامنة عبر إيران والعراق وسوريا وتركيا.
كذلك، تشكّل العلاقات مع إسرائيل قيداً مختلفاً. ففي ظلّ تصعيد حادّ في الخطاب الثنائي مؤخّراً، ازداد موقف أنقرة السياسي حدّة: إذ يتهّم المسؤولون الأتراك الآن إسرائيل بشكل صريح بالسعي إلى تصنيف تركيا “عدّوها الجديد” بعد إيران، حيث صرّح وزير الخارجية هاكان فيدان بأنّ “إسرائيل لا تستطيع العيش من دون عدو بعد إيران”، وأنّ كلاً من حكومة نتنياهو وبعضاً من أطياف المعارضة يعملون على تصوير تركيا على هذا النحو. ويستمرّ الخطاب الرسمي التركي في تصوير إسرائيل بوصفها المصدر الرئيسي للاحتدامات الإقليمية الراهنة. ولا تتوقّع أنقرة أن تستجيب إسرائيل في عهد نتنياهو للضغوط التركية وحدها.
يُنظر إلى العلاقات مع إسرائيل كقيد مختلف. فعلى الصعيد العلني، ازداد موقف أنقرة السياسي حدّة. إذ يتهّم المسؤولون الأتراك إسرائيل بشكل صريح بالسعي إلى تصنيف تركيا “عدّوها الجديد” بعد إيران، حيث صرّح وزير الخارجية هاكان فيدان بأنّ “إسرائيل لا تستطيع العيش من دون عدو بعد إيران”، وأنّ كلاً من حكومة نتنياهو وبعضاً من أطياف المعارضة يعملون على تصوير تركيا على هذا النحو. ويستمرّ الخطاب الرسمي التركي في تصوير إسرائيل بوصفها المصدر الرئيسي للاحتدامات الإقليمية الراهنة. ولا تتوقّع أنقرة أن تستجيب إسرائيل في عهد نتنياهو للضغوط التركية وحدها. في الوقت نفسه، كانت أنقرة قد حافظت في السابق على قنوات تقنية محدودة وغير علنية مع إسرائيل، حيثما اقتضت إدارة المخاطر ذلك. غير أنّ الحفاظ على مثل هذه القنوات بات أكثر صعوبة بشكل ملحوظ في ظلّ الظروف الراهنة.
ولا يزال امتداد الصراع إلى سوريا والعراق يشكّل محوراً أساسياً، وإن بطرق مختلفة. ففي سوريا، يمكن أن تؤدّي الحرب إلى إضعاف السلطة الهشّة، وتعقيد عملية الاندماج في مرحلة ما بعد الأسد، وإعادة إشعال التوترات حول المناطق الخاضعة للإدارة الكردية أو المتنازع عليها، حتّى وإن لم تعد تواجه أنقرة التهديدات بالوكالة ذاتها التي سادت في السنوات السابقة. أمّا في العراق، فيكمن الخطر في تداخل هجمات الميليشيات، والتوترات في إقليم كردستان، وسياسات الممرات، إضافة إلى تزايد حدّة الخلاف بين مؤسسات الدولة الرسمية والجهات المسلّحة شبه المستقلّة، ولا سيّما فصائل الحشد الشعبي التي لا تخضع بالكامل للقيادة المركزية في بغداد.
يفرض الرأي العام والسياسة الداخلية قيوداً إضافية على خيارات أنقرة. فقد منحت الحرب أردوغان دفعة سياسية من خلال تعزيز صورة القيادة الرصينة في مواجهة المخاطر الخارجية، رغم استمرار هشاشة الوضع الاقتصادي. وفي الوقت عينه، تفرض هذه الدفعة متطلّبات مقابلة: يتعيّن على الحكومة مواصلة تحقيق التوازن بين العداء الشعبي لإسرائيل، والخوف الشعبي من اتّساع نطاق الحرب، والقلق الاقتصادي، وانتقادات المعارضة المرتبطة للوضع الأمني المتردي، بما في ذلك التحفظات إزاء أيّ توسع ظاهر لحلف الناتو أو إقامة هياكل عسكرية حليفة جديدة على الأراضي التركية. كما تشير نتائج استطلاع أجرته مؤسسة متروبول في مارس، تناقلتها وسائل إعلام عدّة، إلى أن أغلبية كبيرة تفضّل الحياد أو الوساطة على الانضمام إلى أيّ من المعسكرين.
يبقى السيناريو الأرجح على المدى القريب ليس تهدئة مستقرة ولا اندلاعاً تلقائياً لحرب إقليمية، بل حالة ممتدّة من عدم اليقين الإستراتيجي. وقد ظلّت رسائل ترامب نفسها متقلّبة وقسرية، مهدّدة بشنّ ضربات أوسع نطاقاً. كما يستمرّ التنسيق مع دول الخليج والمساعي الدبلوماسية التي تقودها باكستان، ولكن من دون تحقيق اختراق حاسم. وفي الوقت ذاته، تجري الأنشطة العسكرية والجهود الدبلوماسية والرسائل بالتوازي. ويؤدي ذلك إلى تقليص وقت الإنذار المتاح لدول مثل تركيا، التي يتعيّن عليها إبقاء دفاعاتها الجوية جاهزة، وجهودها الدبلوماسيّة مستمرّة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي في آنٍ واحد.
في حال تصاعدت الحرب أكثر، قد تحقّق تركيا عدداً من المكاسب من نواح معيّنة. إذ ستزداد أهميّتها بالنسبة لحلف الناتو، وستصبح أكثر ارتباطاً بإدارة الأزمات في الدول الخليجية، وربما أكثر أهميّة كأحد الأطراف الأخيرة القادرة على التواصل بين الأطراف المتنازعة. ولكن من المرجّح أن تفوق التكاليف هذه الفوائد. إذ ستتفاقم كلفة الطاقة والتضخّم العام، وسيزداد الضغط على أمن الحدود، وسيصبح احتواء تداعيات الصراع الكردي والعراقي أكثر صعوبة، بينما سيتقلّص هامش حرية أنقرة في البقاء محميّة ومنخرطة جزئيّاً.
أمّا في حال اتّجه الصراع نحو خفض جزئي للتصعيد، فستحقّق تركيا مكاسب أكثر استدامة، إذ ستتمكّن من الحفاظ على مصداقيتها داخل حلف الناتو من دون التورّط بشكل أعمق، والإبقاء على صورتها كجهة فاعلة إقليميّة جادّة، والحدّ من صدمات الطاقة والتضخّم، وتعزيز الادّعاء بأنّها أسهمت في إبقاء المسار الدبلوماسي حيّاً في الوقت الذي كان فيه الآخرون إمّا أطرافاً مباشرة في الصراع أم بعيدين جداً عنه.
لقد أنجزت أنقرة حتّى الآن الكثير ممّا يمكن لدولة تسعى إلى خفض التصعيد أن تقوم به فعلياً: فقد رفضت المشاركة الهجومية، وحافظت على قنوات الحوار مع إيران، واعتمدت على حلف الناتو للدفاع بدلاً من شنّ الحرب، ونسّقت مع المسارات التي تقودها دول الخليج وباكستان، كما حاولت منع الحرب من الانزلاق نحو منطق عرقي.
تسعى أنقرة جاهدة إلى قيام نظامٍ إقليمي مستدام، تكون فيه أكثر فاعليّة لا أكثر عجزاً. وبصرف النظر عن السيناريوهات المحتملة، فقد وضعت تركيا نفسها في موقعٍ يُعدّ، من منظورها الخاص، ملائماً نسبيّاً. فقد أضافت بذلك بعداً جديداً إلى سرديتها الأوسع كدولة متوسطّة القوة تتبنّى سياسة “التحوّط الاستراتيجي”: الحماية بتحالف أمني، نقد لمحرّكات الحرب الرئيسيّة، الحفاظ على قنوات التواصل مع خصومها، والسعي إلى تحويل موقفها إلى مكسب دبلوماسي.
ينبغي على تركيا الحفاظ على الانضباط الإستراتيجي الذي خدمها بشكل جيّد حتّى الآن: عبر الفصل بين الدفاع والإفراط في الالتزام، والفصل بين قنوات الاتصال غير الرسمية الضرورية وبين الخطاب العام، ومقاومة فكرة أن الخيارين الوحيدين هما المشاركة في الحرب أو فقدان الأهمية. ولا تستطيع تركيا إجبار الأطراف المتنازعة على تقديم تنازلات، لكنها لا تزال قادرة على التأثير في البيئة المحيطة بالصراع عبر المساهمة في منع الانهيار الدبلوماسي التام، والحدّ من امتداد تداعياته إلى مجالها الأمني، وحماية هامش مناورتها في أزمة تتشكّل إلى حدّ كبير بفعل قوى خارجة عن سيطرتها.
يعني ذلك أيضاً تجاوز إدارة الأزمات والعمل على ضمان أن يُعاد تشكيل الشرق الأوسط بعد الحرب بطريقة أقلّ اعتماداً على الإملاءات العسكرية الخارجية، وأكثر ارتكازاً على توافق سياسي إقليمي. لذا، ينبغي على أنقرة السعي إلى إضفاء طابع رسمي على المسار المصغّر الناشئ الذي يضمّ باكستان والسعودية ومصر، وتحويله إلى صيغة أكثر استدامة لتحقيق الاستقرار الإقليمي.
الهدف من ذلك ليس في إنشاء كتلة جامدة، بل في بناء منصة إقليمية للملكيّة الإقليميّة ذات مصداقية، في وقتٍ لا تزال فيه القنوات المتعدّدة الأطراف الرسمية ضعيفة، والجهات الفاعلة الخارجية تلجأ إلى فرض الأوامر القسرية. وقد وفّر منتدى أنطاليا الدبلوماسي بالفعل منبراً سياسياً أولياً لهذا النهج، بما في ذلك الاجتماع الثالث لوزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية، الذي تمحور بشكل صريح حول إيجاد حلول إقليمية للتحديات الإقليمية.
ومن المهمّ أن تعمل أنقرة الآن على ترسيخ هذا الزخم من خلال مشاوارات منتظمة، وتنسيق الرسائل في أوقات الأزمات، ووضع أجندة مشتركة بشأن تعزيز وقف إطلاق النار، والأمن البحري، وإدارة تداعيات الصراع على المستوى الإقليمي.
بالإضافة إلى ذلك، تتمثّل الأولويّة الثانية الأكثر تحديداً في مواصلة ترجمة ما تقوم به تركيا بالفعل في مجالي الربط والطاقة إلى عقيدة إستراتيجيّة أكثر وضوحاً لتعزيز المرونة. لذا، ينبغي النظر إلى مشروع طريق التنمية في العراق، والممرّ الأوسط، وتنويع مصادر الطاقة عبر أذربيجان ومورّدين آخرين، وحتّى الانخراط التقني الهادئ في البنية التحتية المرتبطة بسوريا، لا كمشاريع اقتصادية فحسب، بل كآليات تحصين ضدّ نظام إقليمي أكثر تفككاً على حدّ سواء. وتُظهر دروس الأسابيع الماضية بوضوح أنّ تركيا، حتّى عندما لا تشكّل طرفاً مباشراً في الصراع، تبقى شديدة التعرض لتداعياته بسبب أسعار الطاقة، وخطوط الشحن، وتقلّبات السوق الأوسع. لذلك ينبغي على أنقرة تقديم ملفات البنية التحتية والخدمات اللوجيستيّة والتنويع لا كملفات اقتصادية ثانوية، بل كمكوّنات أساسية للأمن القومي والإقليمي. وإذا ما نُفِّذ هذا النهج بشكل متماسك، فإنه يتيح لتركيا تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر نفوذ، والمرونة إلى قوّة إستراتيجية.