آسيا والصراع مع إيران:

لا بُدّ من التحركّ لحماية أمن الطاقة من الخطر

تقدير موقف، مارس 2026
12 مارس، 2026

المقدّمة

أَشعل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران الذي انطلق في 28 فبراير 2026 إحدى أخطر الأزمات التي شهدتها منطقة الخليج منذ عقود والتي طال تأثيرها الدول المستوردة للطاقة في آسيا. إذ يشكل هذا الصراع تهديداً مباشراً لأمنها القومي وليس حرباً بعيدة عنها. فقوى شرق آسيا تستورد نحو 60 في المئة من نفطها من الشرق الأوسط. وفي ظلّ تصاعد الحرب واتّساع رقعتها تتفاقم المخاطر المُحدقة بسلاسل إمدادات الطاقة العالمية على نحو ملحوظ.

 

تبرز هذه المخاطر في تطوّرين بارزَين. يتجسد الأول في إغلاق الحرس الثوري الإيراني لمضيق هرمز ما أسفر  عن شلّ مرور ما يقارب خُمس التجارة العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال . والثاني في تعطيل قدرات إنتاج الطاقة في الخليج نتيجة الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة الرئيسية ، ما أرغم عدداً من شركات الطاقة الكبرى في مختلف أنحاء الخليج على إعلان حالة “القوة القاهرة”، بما فيها شركة “قطر للطاقة” و“شركة نفط البحرين” (بابكو) و“مؤسسة البترول الكويتية” (KPC). كما أوقفت شركة الطاقة الإماراتية العملاقة “شركة أبوظبي الوطنية للنفط” (أدنوك)، الإنتاج في مصفاة الرويس، وهي أكبر مصفاة نفط في الإمارات، في أعقاب هجمات استهدفت بنى تحتية حيوية. وقد هزّت الصدمة المزدوجة الأسواق العالمية ودفعت بالمستوردين الآسيويين إلى البحث عن بدائل.

 

وعلى الرغم من اعتماد الدول الآسيوية على طاقة الشرق الأوسط بشكل كبير، إلا أن دورها ما زال محدوداً في البنية الأمنية الإقليمية على مرّ التاريخ، وذلك بسبب البعد الجغرافي وقدراتها المحدودة على بسط نفوذها في ظلّ هيمنة الولايات المتحدة المستمرة والتي تستمدّها من شراكتها الدفاعية الفاعلة في المنطقة. في المقابل، شكّلت الدول الآسيوية جهات اقتصادية فاعلة أكثر منها شراكات أمنية. في “تقدير الموقف” هذا، نبحث ردّ فعل آسيا على الصراع الدائر، مع تسليط الضوء على عجز الدول الآسيوية عن إحداث التأثير المباشر لتحقيق النتائج السياسية في الشرق الأوسط، وأهمية اتخاذها موقف اقتصادي أكثر حزماً بسبب انكشافها الاقتصادي.

 

 

الصين: إدانة صريحة وخيارات محدودة

 

برزت الصين بصفتها الصوت الآسيوي الأكثر انتقاداً للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. فتعليقاً على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، دان وزير الخارجية الصيني وانغ يي “الاغتيال السافر لزعيم صاحب سيادة”، معتبراً أنّه “أمرًا غير مقبول”. وردّدت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماو نينغ هذا الموقف بعد وقت قصير على إطلاق العملية، فصرّحت أنّ الصين “تعارض بشدة” استخدام العنف ضد دول سيّدة، وطالبت بوقف فوري للاشتباكات.

 

يعكس موقف بكين التداخل بين عدد من الاعتبارات الجيوسياسية والجيواقتصادية. فالصين هي أكبر شريك تجاري لإيران، ناهيك عن أنّ “اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة” الموقّعة في العام 2021 أدرجت إيران ضمن “مبادرة الحزام والطريق” الصينية من خلال الممرّ الاقتصادي بين الصين وآسيا الوسطى وغرب آسيا. بيد أنّ الصين، رغم استثماراتها الاقتصادية الضخمة وروابطها السياسية الوثيقة مع طهران، عجزت عن حماية إيران من الهجمات التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، سواء في العام 2025 أو 2026، ما يكشف عن حذرها في مقاربة الأمن الإقليمي.

 

لقد تجنّبت بكين التدخّل المباشر، ولكنها تحرّكت لحماية رعاياها من خلال إجلاء أكثر من ثلاثة آلاف مواطن صيني من إيران. وفي الوقت نفسه، يشكّل تعطّل الملاحة لفترة طويلة في مضيق هرمز تهديداً مباشراً لأمن الطاقة في الصين، ويفاقم هذا التعطّل توقّفُ قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال. فالصين هي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ توفّر قطر والإمارات العربية المتحدة قرابة 30 في المئة من إجمالي وارداتها. وبالتالي، يعدّ استقرار تدفّق الطاقة من الخليج أمراً حاسماً بالنسبة إلى مصالح الصين الاقتصادية.

 

من وجهة نظر الصين، يمكن أيضاً تفسير التحرّكات الأمريكية في كلّ من إيران وفنزويلا ضمن سياق التنافس بين القوى العظمى، لا سيما وأنّ البلدَين يعدّان مورّدين رئيسيين للطاقة للصين. ومن المرجّح أن تتوجه الصين  إلى الاعتماد بشكلٍ أكبر على روسيا فيما يتعلّق بأمن الطاقة لديها، وذلك في حال تعرّض إحدى هاتين الدولتين إلى تغيير سياسي جذري، ما قد يُسهم في إعادة تشكيل الاصطفافات العالمية في مجال الطاقة.

 

تُظهر مقاربة الصين في الشرق الأوسط نمطاً ثابتاً يجمع بين الاندماج الاقتصادي العميق، والتردّد في تكبّد التكاليف السياسية أو العسكرية ذات الصلة بالنتائج الإقليمية. ومع ذلك، قد تفتح هذه الحرب الباب أمام بكين لاغتنام فرصة استراتيجية، تتمثل في استمرار تآكل القانون الدولي والمعايير المتعلّقة بالسيادة واللجوء إلى القوة وما يتصل بها من خفض التكاليف السياسية للدبلوماسية القسرية في ساحات أخرى، بما فيها تايوان. بالإضافة إلى أن امتداد الصراع إلى حرب مطوّلة، وما يرافقها من استمرار الولايات المتحدة في نشر أصول عسكرية ضخمة في الشرق الأوسط قد يحوّل انتباه واشنطن، وبالتالي يدفع الصين إلى تعزيز موقعها وتفوّقها على الساحة الآسيوية.

 

 

اليابان وكوريا الجنوبية: اعتماد على الطاقة وحذر دبلوماسي

 

تواجه كلّ من اليابان وكوريا الجنوبية معضلة معقّدة. فكلا البلدين يعتمد على الولايات المتحدة في المجال الأمني، وفي الوقت نفسه على الشرق الأوسط لتوفير جزء كبير من إمدادات الطاقة. وقد عكست استجابتهما للأزمة الراهنة التي يتخبّط فيها الشرق الأوسط هذا التوازن الدقيق.

 

من جهتها، توخّت طوكيو الحذر في موقفها. فقد أعربت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي عن “قلق شديد” ودعت إلى خفض التصعيد، لكنها امتنعت في المقابل عن تأييد الضربات على طهران. وتظهر هذه المقاربة المتحفّظة سعي اليابان إلى المحافظة على علاقة عمل براغماتية مع إيران من جهة، وعلى تحالفها الإستراتيجي مع واشنطن من جهة أخرى.

 

كذلك، اتخذت كوريا الجنوبية موقفاً حذراً مشابهاً. فقد شدّدت وزارة الخارجية في سيول على “قلقها البالغ” ودعت إلى الحوار. كما أصدر الرئيس لي جاي ميونغ أمراً بإنشاء نظام للاستجابة الطارئة تحت إشراف رئيس الوزراء كيم مين سيوك بغية إدارة تداعيات الحرب الاقتصادية والأمنية. وجمع وزير الدفاع آن جيو-بيك كبار المسؤولين للنظر في سلامة القوات الكورية الجنوبية المنتشرة ما وراء البحار، والتي تشمل وحدات متمركزة في لبنان والإمارات.

 

إنّ المخاطر الاقتصادية التي يواجهها كلا البلدين هائلة. فاليابان تستورد نحو 75 في المئة من نفطها من الشرق الأوسط، ومعظمه من دول الخليج. ويُعتبر اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال تهديداً ملحاً لا سيما أنّ اليابان تعدّ ثاني أكبر مستورد لهذا الغاز في العالم. وعلى الرغم من أنّ قطر توفّر قرابة 4 في المئة فقط من واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، فإنّ ارتفاع أسعار الطاقة قد يُثقل كاهل الاقتصاد الياباني، بحيث يؤدّي إلى زيادة تكاليف توليد الطاقة وإلى تعميق عجز الميزان التجاري.

 

ولا يقلّ اعتماد كوريا الجنوبية على استيراد الغاز والنفط من المنطقة عن غيرها. فسيول تعتمد إلى حدّ كبير على الغاز الطبيعي المسال في توليد الكهرباء، إذ توفّر كلّ من قطر والإمارات أكثر من 14 في المئة من وارداتها من هذا الغاز. بالإضافة إلى الاضطرابات التي أصابت إمدادات الطاقة، فقد  أدّى إغلاق المجال الجوي في شتى أنحاء الشرق الأوسط إلى بقاء مواطنين كوريين جنوبيين عالقين في المنطقة، بينما تكبّدت بورصة البلاد خسائر كبيرة في اليوم الأول من التداول بعد الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران.

 

 

الهند والسعي نحو تحقيق التوازن

 

اتّسم ردّ فعل الهند على الصراع بالاعتدال وضبط النفس في ظلّ سعيها إلى تحقيق التوازن بين شراكاتها الإستراتيجية المتنافسة. فمن جهة، تحافظ نيودلهي على علاقات اقتصادية مهمة مع إيران، تشمل واردات الطاقة واستثماراتها في ميناء تشابهار الإيراني الذي سبق أن تعرّض لضغوط أمريكية قبل اندلاع حرب 2026. ومن جهة أخرى، نسجت الهند علاقة متينة متنامية مع الولايات المتحدة، علماً أنّ العقوبات الأمريكية أرغمتها في السابق على استبدال النفط الإيراني بإمدادات من دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. مع ذلك، فإنّ هذا التنوع لا يحمي الهند من حالة التوتّر والاضطراب التي تعصف بالمنطقة. إذ تتجذّر روابط الهند الوثيقة مع دول الخليج في وجود ملايين المواطنين الهنود الذين يعيشون ويعملون في المنطقة وتُمثّل تحويلاتهم مصدر دخل مهم للاقتصاد الهندي.

 

وما زال أمن الطاقة يُشكّل الدافع الأساسي وراء الموقف الحذر للهند، لا سيّما أنّها تستورد أكثر من 55 في المئة من نفطها الخام من الشرق الأوسط. ولا يقلّ البعد الذي يكتسبه الغاز الطبيعي المسال أهمية عن النفط، إذ توفّر كل من قطر والإمارات أكثر من 50 في المئة من واردات الهند التي تغذّي توليد الكهرباء وإنتاج الأسمدة. ومن شأن تعطّل إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال لفترة طويلة أن يؤثّر في نمو الهند الاقتصادي بشكل بالغ وأن يفاقم ضغوط التضخم، ما قد يتسبّب بنقص في الطاقة عند ذروة الطلب في فصل الصيف.

 

 

تباين في موقف آسيان

 

لطالما برز انقسام واضح بين دول رابطة آسيان في استجابتها للأزمات. فقد اتخذت الدول الأعضاء مواقف متباينة تعكس التفاوت في طبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وعدد من دول الشرق الأوسط. وقد أدانت ماليزيا بأشد العبارات الضربات الإسرائيلية التي وصفها رئيس الوزراء أنور ابراهيم بـ”محاولة دنيئة لعرقلة المفاوضات الجارية”، داعياً إلى “وقف فوري وغير مشروط للاشتباكات”. ويُسلّط هذا التصريح الضوء على دعم ماليزيا التقليدي للقضايا الإسلامية وعلى موقفها المستقل نسبياً في السياسة الخارجية.

 

أما إندونيسيا وتايلاند وسائر دول آسيان فاقتصرت ردود فعلها على إصدار تحذيرات للسفر، متجنّبةً الإدلاء بتصريحات سياسية حادة. ومن جهتها، أعربت أستراليا (وهي شريك حوار للآسيان) عن دعمها للتحرّكات الأمريكية، إذ أعلن رئيس حكومتها أنطوني ألبانيز أنّ كانبيرا “تدعم الولايات المتحدة في تحرّكها لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي”. يعكس هذا التباين في ردود الفعل الصعوبةَ التي تواجهها آسيان منذ زمن بعيد لتوحيد المواقف من الأزمات الجيوسياسية الكبرى. غير أنّ استمرار الصراع لفترة طويلة قد يؤثّر في رابطة آسيان تأثيراً مباشراً، لا سيما أنّ عدداً كبيراً من الدول الأعضاء يستورد كميات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط.

 

 

من الضعف إلى النفوذ

 

كشفت الأيام الأولى من الصراع عن تفاوت رئيسي: ففي حين تتأثّر الاقتصادات الآسيوية بأسواق الطاقة في الشرق الأوسط بشكلٍ كبير، إلا أن نفوذ الدول الآسيوية محدود في الديناميكيات الآيلة لخفض التصعيد وحالة انعدام الاستقرار الإقليمي على نطاق واسع. وتُنذر الصدمة المزدوجة في مجال الطاقة، المتمثّلة في اضطراب تدفّق النفط بفعل انقطاع حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وتوقّف قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال، بعواقب اقتصادية كارثية.

 

تُشير هذه الهشاشة بأنّ الحكومات الآسيوية قد تُضطر إلى إعادة النظر في الدور الدبلوماسي والأمني التقليدي المحدود الذي تضطلع به في المنطقة. فالدول الآسيوية تمثّل مجتمعةً أكبر سوق لاستيراد الطاقة على مستوى العالم وتستحوذ على حصة ضخمة من الناتج الاقتصادي العالمي. وبالتالي، من شأن تنسيق موقف القوى الآسيوية أن يعزّز نفوذها الدبلوماسي ويتيح لها التأثير بشكلٍ أكبر في الجهود الآيلة إلى خفض التصعيد.

 

كما يمكن لكلّ دولة منفردة التحرّك بغية حماية مصالحها. فمكانة الصين كقوة اقتصادية عالمية ومصالحها الخاصة المرتبطة بالاستقرار الإقليمي تخوّلها تأدية دور مهم في إدارة التوتّرات الإقليمية. بوسع بكين على سبيل المثال التوسّط بين الرياض وطهران للمحافظة على الانفراج الذي توسّطت لتحقيقه في العام 2023. من جهة أخرى، تحافظ كل من سيول وطوكيو على علاقات جيدة مع واشنطن، ويمكنهما بالتالي تشجيع الولايات المتحدة بحذر على خفض التصعيد، عبر الاستفادة من الاتفاقات والصفقات التجارية التي أبرمتها مع إدارة ترامب. أما الهند فيمكنها أيضاً استغلال روابطها المتنامية مع إسرائيل للضغط على حليفها من أجل تجنّب المزيد من التصعيد.

 

أما الركون إلى ردود الفعل واستمرار التشرذم في إدارة الأزمات، سيُبقي الاقتصادات الآسيوية عرضة للصدمات المتأتية من منطقةٍ يمثّل استقرارُها شرطاً أساسياً لازدهارها. لا بدّ أن يدقّ هذا الصراع ناقوس الخطر: إذا كانت الدول الآسيوية تريد تدفّقاً موثوقاً ومستقراً للطاقة، فالأجدر أن يكون دورها فاعلاً في جهود التهدئة وحلّ الصراعات.