يبدو أن الحروب الحالية في الشرق الأوسط لم تعد تُخاض حصراً عبر الجيوش النظامية وجبهات القتال المعهود. كذلك لم تعد موازين القوى تُقاس حصراً بحجم الترسانات الصاروخية أو أسراب الطائرات المقاتلة. فقد أصبح الصراع في السنوات الأخيرة أكثر تعقيداً، إذ أضحت الجغرافيا نفسها جزءاً فاعلاً من أدوات المواجهة، بعد أن كانت مجرّد رقعة تقع فيها العمليات العسكرية لعقود طويلة. في هذا السياق، برزت المضائق البحرية والممرّات الملاحية الحيوية كنقاط ارتكاز إستراتيجية تتحكّم في مسارات تدفّق الطاقة والتجارة العالمية، وبات تعطيلها كفيلاً بإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، بل في الاقتصاد العالمي برمّته.
لقد أدركت إيران مبكراً أنّ مضيق هُرمز وباب المندب ليسا مجرّد شرايين لوجستية في بنية الاقتصاد العالمي، بل هما مفاتيح سيادية في ميزان القوى؛ فمن يمتلك القدرة على تعطيل هذه الشرايين أو مجرّد التهديد بالمساس بها، يمتلك نفوذاً يتخطى حدود المواجهة العسكرية المباشرة ليمتدّ إلى صميم الأسواق المالية وسلاسل الإمداد العالمية. ومع اتّساع رقعة المواجهة الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية، أُقحمت المضائق في صميم منظومة الردع والمساومة الإيرانية، فارتبط أي حديث عن مآلات الصراع ارتباطاً وثيقاً بمسألة الأمن البحري.
في هذا الإطار، يقدّم تقدير الموقف هذا قراءة تحليليّة مُفصّلة عن السُبل التي أسهمت في إعادة توظيف الجغرافيا البحرية، والمضائق على وجه الخصوص ضمن الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية. ويسلّط الضوء على كيفية إعادة توظيف تشكيل الجغرافيا الإستراتيجية لتحديد مسار الصراع في منطقة الشرق الأوسط.
النفوذ الإيراني: من بسط القوّة إلى إعادة التشكيل الإستراتيجي
استندت إستراتيجية إيران الإقليمية طوال العقود الماضية إلى منطق يُحيد تماماً عن النموذج الكلاسيكي لبسط السيطرة العسكرية المباشرة؛ وجوهر هذا المنطق هو استغلال مواطن الهشاشة في عدد من السياقات العربية بهدف بناء شبكة نفوذ مركبة عبر الجهات الفاعلة المحلّية غير الحكومية المرتبطة بطهران أيديولوجياً وسياسياً وعسكرياً. ففي لبنان، يتجسّد هذا النفوذ في حزب الله، وفي العراق، عبر طيف واسع من الفصائل المسلحة، وصولاً إلى التغلغل العسكري والأمني في بنية النظام السوري البائد، وجماعة الحوثيين في اليمن.
لا يسعى هذا النمط من التوسّع إلى احتلال الأراضي بمفهومه التقليدي، بل يرمي إلى بناء شبكة نفوذ عابرة للحدود مرنة وقادرة على التكيّف، ويمكن إدارة إيقاعها وفقاً لديناميكيّات التصعيد والتهدئة. وبذلك، تتحوّل هذه الجبهات إلى منصّات ضغط متعدّدة الأغراض: تُفعّل تارةً في أوقات الأزمات، وتارةً أخرى تُجمّد جزئياً خلال مراحل التفاوض، دون أن تضطرّ إيران إلى تحمّل التكلفة الكاملة الناجمة عن الانخراط المباشر في كلّ جبهة. والأهم من ذلك، أنّ هذه الشبكة تتخطى حدود البعد الجغرافي الصرف، لتُعيد تشكيل البيئة الإستراتيجية ذاتها، بحيث تصبح أيّ مواجهة مع إيران هي مواجهة مع منظومة مُمتدّة من الوكلاء والكيانات، وليست مجرّد صِدام بسيط مع دولة واحدة محصورة داخل حدودها السيادية.
بهذا المعنى، لا تكتفي إيران بملء الفراغ الأمني أو السياسي الذي خلّفته القوى الدولية أو الأنظمة الضعيفة، بل تعيد تشكيل هذا الفراغ وتحوّله إلى جزء من حزام ردع يُحاصر خصومها، ممتدّاً من شرق المتوسط إلى المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وبمجرّد دمج هذه البيئات الهشّة مع المناطق البحرية المحيطة بها، تنتقل طهران من هندسة النفوذ البري إلى هندسة النفوذ البحري، مُحوّّلةً المضائق الحيوية إلى امتداد طبيعي لشبكة نفوذها البرية.
استخدام المضائق الحيوية كأسلحة وأدوات نفوذ
في الحروب الكلاسيكية، كان الهدف هو بسط السيطرة الدائمة على الممرّات البحرية، إمّا من أجل ضمان حرية الملاحة أو حرمان الطرف الآخر من الوصول إليها. أمّا في الصراعات المركبة المعاصرة، فقد ترسّخ منطق مغاير: قد تكون القدرة على تهديد الممرّ المائي أو تعطيله جزئياً أكثر فاعلية، وأقل كلفةً من السيطرة المطلقة عليه. فبمجرّد خلق حالة من عدم اليقين بشأن أمن العبور سيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط، ورفع علاوات التأمين، وإجبار الشركات على إعادة تقييم مساراتها ومدى تعرّضها للمخاطر.
انطلاقاً من هذا المنطق، وظّفت إيران موقعها الجغرافي في مضيق هُرمز، إلى جانب مقدراتها البحرية وترسانتها الصاروخية، لرفع مستوى التهديد تدريجياً من دون تجاوز عتبة الإغلاق الكامل التي قد تستدعي ردّاً دولياً واسع النطاق. فالهجمات على السفن التجارية، والتقارير عن زرع الألغام البحرية، والتصريحات السياسية التي تُلمّح إلى قدرة إيران على إغلاق المضيق، كلها أدوات ضمن حملة تعطيل مدروسة لا تقطع شريان الطاقة قطعاً كاملاً، بل تُرسّخ في الوعي العالمي إدراكاً حادّاً بمدى هشاشة هذا الشريان وسهولة تعطيله وقطعه.
وبهذا المعنى، لم يعد مضيق هُرمز مجرّد ممرّ لتدفّق ملايين البراميل النفطية يومياً، بل تحوّل إلى ركيزة أساسية في منظومة الردع الإيرانية؛ وهي ورقة تُشهر بحدّة أو تُخفى بحذر تبعاً لمسار المفاوضات حول الملفات الشائكة الأخرى، بدءاً من الملف النووي والعقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى ترتيبات الأمن الإقليمي ونطاق الدور الإيراني في مناطق النفوذ الناشئة.
اليمن والبحر الأحمر: من أطراف الصراع إلى مركزه
إذا كان مضيق هُرمز يُمثّل الرافعة المباشرة لنفوذ إيران في الخليج، فإنّ باب المندب يعمل كامتداد جيوسياسي غير مباشر لنفوذها عبر اليمن. يكمن التطوّر النوعي هنا في تحوّل جماعة الحوثيين من جهة فاعلة محلّية منخرطة في صراع داخلي مع الحكومة اليمنية ودول التحالف، إلى عنصر محوري في بنية إستراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى استغلال الممرّات البحرية وتوظيفها كأسلحة وأدوات نفوذ باعتبارها ركيزةً أساسيةً من منظومة الردع الإيرانية الشاملة.
يمنح موقع اليمن الإستراتيجي على الضفة الشرقية للبحر الأحمر، وقربه المباشر من باب المندب، الحوثيين قدرةً استثنائيةً على التأثير في أحد أهم الممرّات البحرية العالمية. ومع تنامي قدرات الحوثيين الصاروخية والبحرية، وتزايد وتيرة هجماتهم على السفن التجارية والعسكرية، ارتفعت تكلفة العبور عبر هذا الممرّ ارتفاعاً ملحوظاً. وفي أوقات متعدّدة، اضطرّت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها وسلوك طرق أطول وأكثر كلفةً، ما سلّط الضوء على مدى هشاشة هذا المضيق البحري الحيوي.
يعكس هذا الواقع تنامي الأهمّية الإستراتيجية للبحر الأحمر باعتباره مسرحاً بحرياً متنازع عليه أكثر فأكثر، وتتشكّل ملامحه وفق تجاذبات الصراع الإقليمي وديناميكياته. كما يبرهن على نجاح إيران في بناء عمق إستراتيجي مزدوج: وهو عمق سياسي بري يمتدّ عبر وكلائها ووحداتها المنتشرة من العراق حتى لبنان، وعمق بحري يتجسّد في قدرتها على التأثير المتزامن في مضيق هُرمز وباب المندب.
في هذا المشهد، أثبت الحوثيون دورهم كجهة فاعلة إقليمية قادرةً على التأثير في موازين القوى تتخطى بكثير حدود الجغرافيا اليمنية، مُكتسبين بذلك ثقلاً تفاوضياً إضافياً، مع اعتبارهم في الوقت ذاته رافعةً لإيران في مسألة الضغط البحري عند ملتقى طرق التجارة العالمية.
حصار الخليج وإعادة تعريف التهديد
مع تصاعد وتيرة التهديدات المتزامنة في الخليج والبحر الأحمر، يبرز سيناريو يحمل دلالة تحليليّة بالغة يتجسد في مفهوم الحصار الإستراتيجي للخليج من الجنوب. فبينما يمثّل مضيق هُرمز البوابة الشرقية لصادرات الطاقة الخليجية، يُعدّ باب المندب نقطة العبور الرئيسة لهذه الصادرات نحو الأسواق الأوروبية عبر قناة السويس. وتُظهر قدرة إيران على التأثير المباشر في مضيق هُرمز وغير المباشر في باب المندب، إمكانيات متنامية في مجال الضغط على منافذ الطاقة الخليجية ومحطاتها.
لا يقتصر هذا التطوّر على إضافة جبهة جديدة إلى حسابات الأمن الخليجي فحسب، بل يُعيد تماماً تعريف ماهية التهديد في جوهره؛ فالتهديدات لم تعد ذات طابع تقليدي في المقام الأول، ولم يعد مصدرها واحد، ما يجعل احتواءها عبر تعزيز الدفاعات على جبهة معينة أمراً صعباً للغاية. حيث أصبحت هذه التهديدات بمثابة مخاطر متعدّدة الاتجاهات تتقاطع فيها الأبعاد البحرية والبرية، وتتداخل فيها أدوار الدول مع أدوار الجهات الفاعلة غير الحكومية، وتصبح المضائق الحيوية نفسها جزءاً من ميدان المعركة المتنازع عليه.
وبناءً عليه، من المهم أن تشمل إستراتيجيات الدول الخليجية سيناريوهات الانتقال من احتواء التهديد المحدّد المعالم إلى سيناريوهات الدفاع عن الممرّات والمجالات المتعدّدة في آن واحد. وقد يتضمن ذلك تداعيات بعيدة المدى تشمل عقيدتها العسكرية، ووضع قواتها، وأولويات النفقات الدفاعية. كذلك، تكشف هذه السيناريوهات عن قيود النموذج الأمني الذي يرتكز ارتكازاً مفرطاً على مظلة الحماية الخارجية؛ إذ أثبتت التجربة الراهنة أنّ القدرات الدولية المتقدّمة، مهما بلغت، لا يمكنها ضمان سلامة كلّ سفينة في البحر الأحمر أو الخليج، ولا يمكنها تحييد كل تهديد يصدر عن الجهات الفاعلة غير الحكومية التي توظّف أساليب حرب العصابات البحرية وأساليب الهجمات غير النمطية.
ردع متباين وضغوط متعدّدة الجبهات
تكمن الإستراتيجية الإيرانية المتطوّرة في عزوفها عن مجاراة الخصوم في القدرات التقليدية، وتبنّيها نموذج ردع متباين يرتكز على توظيف أدوات منخفضة التكلفة نسبياً ذات أثر إستراتيجي بالغ. ويعتمد هذا النموذج على إنشاء شبكة متشابكة من نقاط الضغط الموزّعة على امتداد المنطقة، بحيث يؤدّي تفعيل الضغط في جبهة ما إلى تخفيف الضغط عن جبهات أخرى، أو تعزيز موقف إيران التفاوضي في ملفات تبدو للوهلة الأولى منفصلة تماماً عن جوهر الأزمة الراهنة.
وضمن هذا المنطق، تصبح المضائق والممرّات البحرية عُقداً محوريةً في شبكة الردع. فتهديد الملاحة عبر مضيق هُرمز يرفع تكلفة العقوبات الاقتصادية، والضغوط عند باب المندب تُربك حسابات القوى العظمى حين تُفكّر في التدخل العسكري المباشر، فيما يُشتّت تحريك الوكلاء عبر جبهات متعدّدة انتباه خصوم إيران ويجبرهم على استنزاف قدراتهم ونشر قواتهم عبر مساحات جغرافية متغيّرة وشاسعة. وبهذا، تتشكّل بنية ردع لا تقوم في جوهرها على إظهار التفوق العسكري التقليدي بقدر ما تقوم على إدارة التعقيد والتحكّم فيه.
يعكس هذا المنطق فهماً عميقاً لسُبل تطوّر القوة في العصر المعاصر، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والمعلوماتية والقانونية فيما بينها، ولم يعد من الممكن حسم الصراعات بضربة صاروخية واحدة أو عبر حملة ضربات جوية مهما بلغت قوتها. وباتت القوة يوماً بعد يوم تُقاس بالقدرة على تعطيل سلاسل الإمداد، وتقويض ثقة الأسواق، وخلق حالة من عدم اليقين تستنزف موارد الخصوم وأعصابهم دون الحاجة إلى خوض حرب شاملة. وفي قلب هذه المعادلة، تبرز المضائق البحرية كنقاط ضعف عالمية، يمكن لأيّ تعطيل محدود فيها أن يتردّد صداه في النظام الاقتصادي العالمي بأسره.
نحو تبنّي إطار جديد للأمن البحري العربي
في ظلّ التحوّلات الراهنة، بات من الواضح أنّ المقاربات التقليدية للأمن البحري العربي لم تعد تفي بالغرض. فالفصل بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، والنظر للمضائق كملفات معزولة، لا يتسق مع طبيعة التهديد المتشابك الذي يربط مضيق هُرمز وباب المندب وقناة السويس في سلسلة إستراتيجية واحدة.
ويتطلّب الردّ الفعّال صياغة مفهوم شامل للأمن البحري العربي يستند إلى جملة من الركائز الجوهرية: أولها الإقرار بأنّ أمن المضائق ليس شأناً عسكرياً بحتاً، بل هو مسألة سيادية واقتصادية وإستراتيجية تمس مباشرةً دور الدول العربية في النظام العالمي وقدرتها على صون مصالحها الحيوية. وثانيها بناء أُطر وثيقة للتعاون البحري والاستخباراتي بين الدول المُطلّة على هذه الممرّات المائية، تشمل آليّات مشتركة للإنذار المبكر والمراقبة، والتبادل المنهجيّ للمعلومات، والتخطيط المُنسّق في الممرّات البحرية أثناء التهديدات.
أمّا الركيزة الثالثة، فتكمن في إعادة صياغة الشراكات مع القوى العالمية، بما يوازن بين الاستفادة من القدرات العالمية المتقدّمة، والحفاظ على الاستقلالية الإستراتيجية العربية وتطوير القدرات الذاتية وتعزيزها. فلا يمكن للأمن البحري أن يظل مرتهناً بالكامل للترتيبات الخارجية، ولا أن يُختزل في وجود الأساطيل الأجنبية في المياه الإقليمية. بل يجب أن يصبح جزءاً من مشروع أوسع للاعتماد الإستراتيجي العربي على الذات، يربط حماية المضائق بالتنمية الاقتصادية المستدامة وصون السيادة الوطنية.
الخاتمة
تسعى إيران من توظيفها الراهن للمضائق والممرّات البحرية في المقام الأول إلى تغيير قواعد اللعبة برمّتها لا إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي. فمن خلال امتلاك القدرة على تهديد شرايين الطاقة والتجارة العالمية، وبناء شبكة نفوذ تمتدّ من شواطئ الخليج إلى ضفاف البحر الأحمر، تعمل طهران على ترسيخ معادلة إستراتيجية تجعل من أيّ محاولة لعزلها أو شنّ ضربات عليها، تنطوي على تكلفة باهظة لا تطال خصومها وحدهم، بل تطال أيضاً الاقتصاد العالمي برمّته.
غير أنّ هذه الإستراتيجية، رغم ما تُتيحه لإيران من أدوات نفوذ وضغط، إلا أنها تحمّل في طياتها مخاطر جسيمة تطال المنطقة والعالم بأسره. فبمجرّد تحويل المضائق إلى أدوات صراع، يصبح النظام الاقتصادي الدولي رهينةً للصدمات المتكرّرة، وتتحوّل الأزمات المحلّية إلى هزّات عالمية تعصف بأسعار الطاقة وتدفّقات التجارة وسلاسل الإمداد. ومع كل جولة تصعيد تترسّخ حقيقة لا مفرّ منها: أنّ حياد الممرّات البحرية وحرمتها لم يعودا أمراً مسلماً به، وبهذا تكون الجغرافيا قد تخلّت عن كونها إطاراً ثابتاً للصراع، بل غدت سلاحاً فتاكاً في حدّ ذاتها.