صندوق السودان الإنساني:

كيف يواجه التمويل الإنساني اقتصاد الحرب؟

تقدير موقف، مارس 2026
9 مارس، 2026

المقدّمة

 بات العمل الإنساني في الدول الهشّة والمتأثّرة بالنزاعات يعتمدُ أكثر فأكثر على آليات التمويل الجماعي، لما توفّره هذه الآليات من فرص لتعزيز تدفّق المساعدات، وتحسين أُطر التنسيق بين المانحين، وزيادة مرونة الاستجابة في البيئات المتقلّبة والديناميكية. توفر صناديق التمويل الجماعي آلية لضخّ أموال غير مقيّدة من جهات مانحة متعدّدة، حيث توضع في صندوق مشترك لتُوزَّع لاحقاً على شركاء التنفيذ وفقاً لتقييم الاحتياجات وتغيّر الأولويات التشغيلية. ورغم النظر إلى هذا التمويل الجماعي باعتباره أداة فعّالة لتقديم مساعدات منسّقة، فإنّه يتعرّض في الدول المتأثّرة بالنزاعات إلى عدّة مخاطر منها: تحويل الأموال عن مسارها وتسييس المساعدات، وسوء استخدام الموارد المالية، فضلاً عن الحدّ من مستوى التوطين.

 

ومن أبرز آليات التمويل الجماعي نذكر <<الصناديق الاستئمانية متعدّدة الشركاء>>، و<<الصناديق الإنسانية القُطْرية المشتركة>> اللذين تديرهما الأمم المتحدة. يقدّم “صندوق السودان الإنساني” مثالاً على قدرة هذا النوع من الصناديق على إيصال المساعدات الضرورية في سياقات الحروب الأهلية، وتفكّك سلطة الدولة على أراضيها. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحوّل السودان إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، مع نحو 12 مليون نازح داخلياً وما يقارب 4.5 مليون لاجئ، ما أدّى إلى تضخّم الاحتياجات الإنسانية، في وقت تتراجع فيه المساعدات الإنسانية حول العالم.

 

يتناول هذا المقال “صندوق السودان الإنساني” بوصفه دراسة حالة لآليات التمويل الإنساني الجماعي في بلد مزّقته الحروب. فيستعرض هيكلية الصندوق وأداءه، كما يراجع التجارب الدولية في استخدام التمويل الجماعي في الدول الهشّة، ويقيّم مدى كفاية الضوابط التي يضعها المانحون للحد ّمن سوء استخدام الأموال. وتخلص الدراسة إلى أن التحدّيات المشار إليها بشأن التمويل الجماعي في بيئات النزاع، وإن كانت وجيهة، إلا أنّها تحديات بنيوية تطال آليات تمويل أخرى أيضاً. وكذلك، فإنّ التمويل الجماعي غالباً ما يكون أكثر قدرة على الحدّ من هذه المخاطر مقارنة بنماذج التمويل الأخرى. إلى ذلك، يشير التحليل إلى أنّ مزايا التمويل الجماعي تتعزّز بشكل كبير في حال الحفاظ على الضوابط المؤسّسية في سياقات النزاع، بما يشمل رفع مستوى التنسيق بين المانحين وزيادة المرونة في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتغيّرة.

 

 

صندوق السودان الإنساني

أُنشئ “صندوق السودان الإنساني” عام 2006 على شكل آلية تمويل جماعي قائمة على جمع مساهمات من مانحين متعدّدين ضمن صندوق قطري مشترك، بهدف توجيه موارد المانحين لدعم الاحتياجات الإنسانية الملحّة والاستجابة لحالات الطوارئ في مختلف أنحاء البلاد. وتعتمد هذه الآلية على جمع مساهمات المانحين في صندوق واحد غير مقيّد بتخصيصات محدّدة. فيكتسب هذا النموذج أهمية خاصّة في مناطق النزاع أو البيئات الهشّة، إذ يحدّ من المخاطر التي قد يواجهها كل مانح بشكل منفرد، ويوفّر في الوقت ذاته مرونة إدارية ورقابة ضرورية، بما يتيح للجهّات المنفّذة تبسيط الاستجابات والتعامل مع الظروف عالية المخاطر.

 

يعتمد التمويل الجماعي على أنظمة إدارية قائمة على تقييم المخاطر لضمان المساءلة في البيئات المتقلّبة. إذ غالباً ما تتطلّب مناطق النزاع إجراءات إدارية مرنة تتيح لفرق العمل الإنساني التكيّف سريعاً مع الأوضاع الأمنيّة المتغيّرة واحتياجات السكّان المتبدّلة. كما يسهم توحيد إدارة هذه الصناديق في تقليص الأعباء والتكاليف المرتبطة بالامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، وهي متطلّبات معقّدة في مناطق النزاع. ويمكن لهذه الآليات أيضاً التصدّي لمحاولات بعض الجهّات غير حكومية لتحويل مسار المساعدات، كما تساعد على تقليص احتمالات حصول مضاربة على العملات أو تلاعب في عمليات الشراء.

 

تتولّى إدارة “صندوق السودان الإنساني” وحدة تمويل العمل الإنساني التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تحت إشراف منسّق الشؤون الإنسانية في السودان. وقد صُمّم الصندوق ليتكامل مع مصادر التمويل الإنساني الأخرى، بما في ذلك التمويل الثنائي والصندوق المركزي للاستجابة لحالات الطوارئ.

 

يعمل الصندوق بتعاون وثيق مع المنظّمات غير الحكومية الوطنية والمنظمّات غير الحكومية الدولية ووكالات الأمم المتحدة، لتخصيص موارد المانحين وتوجيهها إلى أكثر الاحتياجات الإنسانية إلحاحاً، وفق ما تحدّده “خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان”. كما ينشط الصندوق عبر نافذتين رئيسيتين للتخصيصات التمويلية: نافذة التخصيصات الاعتيادية المرتبطة بخطة الاستجابة الإنسانية، ونافذة التخصيصات الاحتياطية المرتبطة بالاستجابة السريعة لحالات الطوارئ.9 ويهدف الصندوق إلى توفير تمويل سريع يمكن توقّعه يتيح الاستجابة للأزمات الناشئة، مع تعزيز التنسيق بين الجهّات الإنسانية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظلّ الحجم الهائل للاحتياجات الإنسانية في السودان.

 

أصبح الصندوق جزءاً محورياً من منظومة العمل الإنساني في السودان. ففي عام 2024، قدّم تمويلاً مباشراً بقيمة 181 مليون دولار إلى 35 منظّمة شريكة، إلى جانب دعم غير مباشر لـ63 منظّمة غير حكومية أخرى. وشملت تخصيصات الصندوق ولايات السودان الثماني عشرة، حيث استحوذت دارفور على الحصّة الأكبر بنحو 45 في المئة. وتغطّي هذه التخصيصات الغذاء والصحّة والمياه، والصرف الصحي، والمأوى الطارئ، وغيرها. لا يعتمد هذا الصندوق على هيكلية ثابتة لتوزيع المساعدات، بل تتكيّف تخصيصاته بصورة ديناميكية مع الصدمات والاحتياجات المتغيّرة في مختلف المناطق والقطاعات، وهو يتابع تطوّرات الأزمة الإنسانية بشكل مستمر.

 

كذلك، يلتزم “صندوق السودان الإنساني” بالإرشادات العالمية للصناديق الإنسانية القطرية المشتركة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. ونظراً للتحديات الناجمة عن ضعف الاتصال، عزّز الصندوق في عام 2023 آليات المتابعة عن بعد، وهو العام نفسه الذي اندلع فيه النزاع الحالي. وتعتمد عملية المتابعة على جمع بيانات متقاطعة من مصادر متعدّدة، تشمل المكاتب الفرعية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ونقاط الاتصال في المجموعات القطاعية، وقادة المجتمعات المحليّة، بما يضمن رقابة أكثر فعالية على تنفيذ المشاريع.

 

واصل الصندوق تطوير آليات المتابعة في عام 2024 عبر الرصد الميداني، وإجراء تفتيشات مالية مفاجئة، إلى جانب اعتماد آليات متابعة الأقران من خلال منظّمات غير حكومية وطنية تعمل كجهات وسيطة. وفي عام 2025، عزّز الصندوق نظام “الرقابة عبر طرف ثالث،” بالتنسيق مع المانحين ووكالات الأمم المتحدة، من خلال التعاقد مع شركة متخصّصة لتنفيذ هذه المهمّة.

 

 

التمويل الإنساني في زمن الحرب والاقتصادات المتفكّكة

يُعتبر القيام بأنشطة إنسانية في بيئات تتعرض للنزاعات مهمّة صعبة بطبيعتها. إذ تواجه الجهّات الإنسانية جملة تحدّيات، منها صعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة بالنزاع واحتمال إساءة استخدام الأموال وتصاعد الحساسيات والضغوط السياسية، فضلاً عن شحّ الخبرات بسبب نزوح الأشخاص ذو الكفاءة من مناطق النزاع نحو مناطق أكثر أماناً، وتزايد المخاطر التي تهدّد السلامة الجسدية للعاملين المتبقين. تدفع هذه التحديات بعض المانحين إلى التردّد في تقديم المساعدات في أماكن النزاع، انطلاقاً من اعتقاد مفاده أنّ من الأفضل تجنّب التمويل في بيئات يصعب فيها التخطيط الكامل لتخصيص الموارد أو التحكّم بها أو مراقبة استخدامها.

 

غير أن النزاعات طويلة الأمد هي تحديداً السياقات التي تشتد فيها الحاجة إلى المساعدات الإنسانية. فالعاملون في مناطق النزاع يواجهون المخاطر أيضًا وهم خارج نطاق عملهم. ومن ثمّ، فإنّ التعامل هذه المخاطر والتحديات ومواصلة دعم السكّان الذين هم في أمسّ الحاجة إلى العون، يبقى خياراً أفضل من الاختباء خلف إجراءات بيروقراطية تترك المجتمعات تواجه الجوع أو الفقر المدقع. وقد أثبتت الصناديق الإنسانية القطرية المشتركة أهميّتها كآلية تضمن استمرار تدفّق المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر احتياجاً. ومع ذلك، تظلّ هناك مجموعة من التحديات التي يتعيّن إدارتها والحدّ من آثارها، وهي:

 

ديناميكيات مناطق النزاع:

تُشكّل النزاعات المسلّحة مصدراً لتعقيد التحديات القائمة أصلاً في حالات الطوارئ الإنسانية. ففي هذه السياقات، قد تتغيّر طبيعة الاحتياجات الإنسانية ومواقعها بسرعة كبيرة، ما يفرض اعتماد مقاربات مرنة وسريعة التكيّف لإدارة المساعدات وتوزيعها. كما تتصاعد الضغوط السياسية، إلى جانب الضغوط المالية التي قد تدفع إلى تحويل المساعدات إلى استخدامات أخرى. إلى ذلك، من الصعب المتابعة والتقييم للتأكّد من استخدام الأموال بفاعلية، ما يفتح المجال لسوء الاستخدام المالي.

 

بدورها، تتيح الصناديق الإنسانية القطرية المشتركة للمانحين توجيه أموالهم عبر مؤسّسات وسيطة على المستوى القُطري تفهم السياق المحلّي ولديها شبكة من الشركاء والخبرات قادرة على الحدّ من المخاطر المرتبطة بالعمل في بيئات النزاع. وفي هذا السياق، تبرز أهمية إرساء آليات تدقيق وحوكمة قويّة تزوّد المانحين بالثقة للاستثمار، وفي الوقت نفسه توفّر المرونة اللازمة للاستجابة السريعة للظروف المتغيّرة على الأرض. لا عجب إذاً أن يصرّح توم فليتشر، منسّق الإغاثة في حالات الطوارئ، أن هدفه توجيه 50 في المئة من التمويل الإنساني عبر آليات كهذه.

 

وللحدّ من سوء استخدام الأموال، يمكن للسودان الاستفادة من الإرشادات وأفضل الممارسات التي سبق أن اعتُمدت في تجارب مشابهة. فعلى سبيل المثال، عزّز “صندوق اليمن الإنساني” أنشطة المتابعة الميدانية عبر المكاتب الفرعية التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، حيث نُفّذت 186 مهمّة متابعة. كما كثّف عمليات التفتيش المالي المفاجئ، إذ بلغ عددها 102 في المئة من الحدّ المطلوب. إلى ذلك، يضمّ الصندوق فريقاً داخل البلاد يتولّى متابعة الأموال والمشاريع بصورة دقيقة ومستمرّة. كما يعتمد قناة تنسيق مفتوحة ومخصّصة تضمن مواءمة العمليات مع مبادئ العمل الإنساني، بما يوفّر منظومة من الضوابط والتوازنات التي تساعد على منع إساءة استخدام الأموال أو تسييسها.

 

 

توطين التمويل:

تاريخياً، تدفّقت المساعدات الإنسانية في معظمها عبر المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية الدولية، بدلاً من المؤسّسات المحلية والمنظمات غير الحكومية الوطنية. وقد أثار هذا النوع من التمويل المخاوف بشأن العدالة في إيصال المساعدات وفاعليتها، إذ غالباً ما تكون الجهّات المحليّة أقدر على فهم الاحتياجات الفعلية للسكان. كما يُخشى أن يؤدي هذا النهج إلى الحدّ من فرص المؤسّسات المحليّة في تطوير قدراتها وتعزيز دورها. وعليه، أصبحت مسألة توطين المساعدات واحدة من القضايا الرئيسية التي تأثّر على النقاش العالمي حول العمل الإنساني. ففي عام 2016، تعهّدت “القمّة العالمية للعمل الإنساني” بجعل الاستجابة الإنسانية “محليّة قدر الإمكان ودولية عند الضرورة”.

 

ومع ذلك، يظلّ تطبيق مبدأ التوطين عملياً تحديّاً كبيراً في مناطق النزاع. فمحدودية القدرة على متابعة التنفيذ وتقييم النتائج، إلى جانب المخاوف المشروعة من تسييس التمويل أو ضعف القدرات التنفيذية لدى بعض الجهّات المحليّة، لا تزال تدفع المانحين إلى تفضيل شركاء دوليين لتنفيذ المشاريع، فيما يقتصر دور المنظمات المحلية على عقود فرعية. في حالة السودان و”صندوق السودان الإنساني”، ذهب نحو 96 في المئة من التمويل عام 2024 إلى المنظّمات غير الحكومية الدولية، فيما حصلت المنظمات الوطنية على أقل من 1 في المئة فقط، كما تولّت المنظّمات الدولية تنفيذ ما يقارب من 70 في المئة من المشاريع.

 

أمّا “صندوق الصومال الإنساني” فقد تمكّن بالفعل من تجاوز الهدف المرجعي الذي حدّده اتفاق “الصفقة الكبرى” لعام 2016 إذ وجّه أكثر من 78 في المئة من موارده مباشرة إلى المنظّمات غير الحكومية المحلية أو الشركاء الوطنيين. وقد أسهم ذلك في إيصال المساعدات حتى إلى السكان المقيمين في مناطق يصعب الوصول إليها. كما يتعاون الصندوق مع “وحدة إدارة المخاطر في الأمم المتحدة بالصومال” التي توفّر معلومات متخصّصة حول القضايا المرتبطة بالمخاطر وآليات إدارتها وأفضل الممارسات، إضافة إلى تعزيز القدرة على رصد حالات عدم الامتثال لدى المنظّمات التابعة. وتساعد هذه الممارسات في حماية المانحين وضمان الاستخدام السليم والشفّاف للتمويل الإنساني.

 

 

ضمان كفاية الضوابط لدى المانحين

التدقيق والتحقق من شركاء التنفيذ

في سياقات النزاع، حيث يصعب متابعة التنفيذ وقياس النتائج بدقّة، يصبح الاعتماد على سمعة شركاء التنفيذ وخبراتهم أمراً ضرورياً. ولهذا تتّبع الصناديق الإنسانية القطرية المشتركة، بما في ذلك “صندوق السودان الإنساني”، إرشادات عالمية تقيّم بدقّة أهليّة المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية للحصول على التمويل. وتشمل هذه الإجراءات المسح الأولي، والتسجيل الرسمي، وإجراء العناية الواجبة، وتقييم القدرات المؤسّسية، إضافة إلى تحديد مستوى المخاطر المرتبط بكل جهة شريكة. ورغم أن هذه الآليات تعرّضت أحياناً لانتقادات بسبب ما يُنظر إليه كإجراءات بيروقراطية معقّدة، إلا أنَّ مثل هذه التدقيقات تظل ضرورية لضمان المرونة التشغيلية.

 

دعم التمويل المحلي عبر زيادة المخصصات

شهدت الصناديق الإنسانية القطرية المشتركة في السنوات الأخيرة إصلاحات في آليات تنفيذ السياسات، من أبرزها اتفاق “الصفقة الكبرى” عام 2016، الذي حدّد معياراً يقضي بأن يُوجَّه ما لا يقلّ عن 25 في المئة من التمويل الإنساني في أي سياق معيّن إلى الجهّات المحلية والوطنية المستجيبة، بشكل مباشر قدر الإمكان. وفي حالة “صندوق السودان الإنساني”، يتطلب تحقيق هذا الهدف تحسينات عاجلة، إذ تبدو إجراءات الامتثال المرتبطة بأنظمة إدارة المخاطر في هذا النوع من الصناديق الإنسانية معقّدة ويصعب على كثير من الجهات المحلية استيفاؤها. ومن هنا، ينبغي للمانحين إتاحة المجال أمام المنظّمات غير الحكومية الوطنية والمؤسّسات المحلية لإدراج هامش تمويلي إضافي يسهّل بناء القدرات المؤسّسية. ويمكن تبرير هذا النهج باعتباره مساهمة في التنمية بالدولة.

 

توطين المجالس الاستشارية

تسجّل الصناديق الإنسانية القطرية المشتركة في بعض الدول المتأثّرة بالنزاعات نمطاً أكثر توازناً وتنوعاً في التعاون مع المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية. ففي ميانمار، يُوجَّه نحو 65 في المئة من التمويل عبر المنظمات غير الحكومية الدولية، مقابل 28 في المئة عبر المنظمات الوطنية. في المقابل، تتولّى المنظمات غير الحكومية الوطنية تنفيذ نحو 65 في المئة من المشاريع. ويعود ذلك جزئياً إلى تركيبة المجلس الاستشاري للصندوق، الذي يتمتع بتمثيل محلّي أكثر توازناً مقارنةً بما هو قائم في السودان. ومنذ عام 2023، اعتمد الصندوق الإنساني القطري في السودان عدداً من المبادرات الهادفة إلى زيادة حصّة المنظمات الوطنية من التمويل، من بينها توسيع تمثيلها في المجلس الاستشاري، إلى جانب اعتماد آلية تمويل مرنة تُعرف باسم “مجموعة المساعدة المتبادلة”  (Mutual Aid Group) التي صُمّمت لدعم المبادرات الصغيرة التي تقودها المجتمعات المحلية.

 

 

الخلاصة

تطرح الأزمات الإنسانية في سياقات النزاعات، كما هو الحال في السودان، تحدّيات كبيرة أمام إيصال المساعدات الدولية. فصعوبة الوصول إلى المناطق المتأثّرة والتشرذم السياسي ومخاطر تحويل الأموال عن مسارها وضعف القدرات المؤسّسية، جميعها عوامل تعقّد إيصال المساعدات في الوقت الذي تكون فيه الاحتياجات الإنسانية في أشدّها. وفي مثل هذه الظروف، توفّر آليات التمويل الجماعي، مثل “صندوق السودان الإنساني” مزايا مهمّة مقارنة بالتمويل الثنائي أو التمويل القائم على المشاريع. فمن خلال جمع موارد المانحين ضمن إطار حوكمة منظّم، تسهم هذه الآليات في تعزيز التنسيق بين الجهات الإنسانية الفاعلة، وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، إضافة إلى توفير مرونة تشغيلية للاستجابة للأزمات المتغيّرة.

 

في نهاية المطاف، تعتمد فاعلية آليات التمويل الجماعي على قوة الضوابط المؤسسية التي تنظّم عملها. فإجراءات التدقيق الصارمة وأنظمة المتابعة القائمة على تقييم المخاطر والعمليات الشفّافة وتعزيز الرقابة عبر أطراف ثالثة، جميعها عناصر أساسية للحفاظ على ثقة المانحين وضمان نزاهة تدفّق المساعدات. كما يُعدّ توسيع مشاركة الجهّات الوطنية والمحلية أولويّة مهمّة في هذا الإطار. ومع توافر الضوابط المناسبة واستمرار الإصلاحات، يمكن للصناديق الجماعية أن تؤدي دوراً محورياً في استدامة العمل الإنساني في أكثر البيئات هشاشة وتضرّراً من النزاعات حول العالم.

 


الهوامش
1 “Country-Based Pooled Funds,” United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), accessed February 25, 2026, https://www.unocha.org/country-based-pooled-funds;  OCHA, Country-Based Pool Funds and Regional Humanitarian Pooled Funds 2024: in Review, Annual Report (Geneva: OCHA, 2024), https://cerf.un.org/sites/default/files/resources/CBPF_SR_2024.pdf.
2 “Sudan Situation,” UNHCR Operational Data Portal, accessed February 22, 2026, https://data.unhcr.org/en/situations/sudansituation.
3 “Sudan Humanitarian Fund,” OCHA, accessed 23 February, 2026, https://www.unocha.org/sudan-humanitarian-fund.
4 ICVA. Pooled Funding at a Crossroads: A Comprehensive Review and Analysis. May 2023. https://www.icvanetwork.org/uploads/2023/06/Pooled-Funding-at-a-Crossroads-A-Comprehensive-Review-and-Analysis.pdf
5 OCHA, “Country Based Pooled Funds – Exceptional Procedures endorsed by USG July 2025,” 18 August 2025. https://www.unocha.org/publications/report/world/country-based-pooled-funds-exceptional-procedures-endorsed-usg-july-2025
6 També, Noémi. Unintended Consequences of AML/CTF Regulation: The Challenges of Banking Non-profit Organisations. European Center for Not-for-Profit Law, December 2021. https://ecnl.org/sites/default/files/2022-02/Unintended%20consequences%20of%20AML-CTF%20regulation%20the%20challenges%20of%20banking%20non-profit%20organisations_0.pdf
7 OCHA, “Sudan Humanitarian Fund.”
8 OCHA, Sudan Humanitarian Needs and Response Plan 2026. 26 February 2026. https://humanitarianaction.info/plan/1514/document/sudan-humanitarian-needs-and-response-plan-2026
9 “– About the Sudan Humanitarian Fund: Allocation Process,” OCHA Sudan, Accessed 23 February 2026, https://www.unocha.org/about-sudan-humanitarian-fund/allocation-process.
10 OCHA, Sudan Humanitarian Fund 2024 Annual Report, (Sudan: OCHA, 2024), https://www.unocha.org/publications/report/sudan/sudan-humanitarian-fund-annual-report-2024.
11 OCHA, Country-Based Pooled Funds Global Guidelines, Report (Geneva: OCHA, 2022),  https://www.unocha.org/publications/report/world/country-based-pooled-funds-global-guidelines-enaresfr.
12 ICVA. Risk Sharing in Pooled Funds: Insights for Donors, Fund Managers and NGOs on advancing risk sharing and localization. July 2025. https://www.icvanetwork.org/uploads/2025/07/Risk-Sharing-in-Pooled-Funds-July-2025-ICVA.pdf
13 United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Yemen Humanitarian Fund (YHF) 2024 Annual Report, 2025, p.19, accessed February 20, 2026.  https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-fund-yhf-2024-annual-report-enar
14 OCHA, Yemen Humanitarian Fund 2024 Annual Report (Yemen: OCHA, 2024), https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-fund-yhf-2024-annual-report.
15 Elkahlout, Ghassan, Sansom Milton, Taha Yaseen, and Elham Raweh, “Localisation of Humanitarian Action in War-Torn Countries: The Experience of Local NGOs in Yemen.” International Journal of Disaster Risk Reduction 75 (June 2022),  https://doi.org/10.1016/j.ijdrr.2022.102921.
16 OCHA, Country-Based Pooled Funds Annual Report 2024 (New York: OCHA, May 2025), https://cbpf.data.unocha.org/.
17 Elkahlout at al, “Localisation of Humanitarian Action in War-Torn Countries.”
18 International Council of Voluntary Agencies (ICVA), Risk Sharing in Pooled Funds, Report (Geneva: ICVA, July 2025), https://www.icvanetwork.org/uploads/2025/07/Risk-Sharing-in-Pooled-Funds-July-2025-ICVA.pdf.
19 The Grand Bargain is a UN platform that brings together donors and aid organizations committed to improving the effectiveness of humanitarian action, in order to get more means into the hands of people in need. Its official website can be accessed at: https://interagencystandingcommittee.org/grand-bargain
20 OCHA, Somalia Humanitarian Fund Annual Report 2024 (Somalia: OCHA, 2025), https://www.unocha.org/publications/report/somalia/somalia-humanitarian-fund-annual-report-2024.
21 OCHA, Country-Based Pooled Funds: Global Guidelines.
22 ICVA, Risk Sharing in Pooled Funds.
23 Deloffre, Maryam Zarnegar. “Brokering Localization: Country‐Based Pooled Funds in Humanitarian Assistance.” Public Administration and Development (August 2025), https://doi.org/10.1002/pad.70019.