أشعلت الضربات المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، حرباً امتدت لتشمل جزءاً واسعاً من منطقة الخليج.1 ورغم إعلان عدد من الدول الخليجية عدم سماحها باستخدام أراضيها من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل في الحرب، فإن ذلك لم يمنع إيران من استهداف أصول عسكرية أمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي، ملحقةّ أضراراً أيضاً بالبنية التحتية المدنيّة.2 3في المقابل، تواصل الدفاعات الجوّية في الدول الخليجية اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة في حوادث شبه يومية، ما يضع حكومات المنطقة تحت ضغوط متزايدة للرد على هذه الهجمات، رغم حرصها على تجنّب الانخراط المباشر في الحرب.4
في ظلّ تصاعد الضغوط الإيرانية على دول الخليج، تجد المنطقة نفسها في بيئة أمنية شديدة التعقيد لم يعد يسهل فيها الفصل بوضوح بين حالتَي السلم والحرب. فمن جهة، تسعى هذه الدول إلى تجنّب الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة، حفاظاً على مكتسباتها الاقتصادية والتنموية، وحرصاً منها على حُسن علاقاتها مع القوى العالمية والإقليمية. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن لهذه الدول أن تتجاهل أمنها الوطني وبنيتها لتحتية الحيوية، لا سيّما في مجالات الطاقة والملاحة البحرية والاتصالات، والتي أصبحت عملياً ساحات مناورة بين القوى الكبرى والأطراف الإقليمية.
وفي خضمّ هذا الصراع الذي يزداد تعقيداً، أصبح يُنظر للحياد على أنه ضعف، حيث تتحوّل الدول الخليجية إلى ساحة لتبادل الرسائل الإستراتيجية بين الخصوم، قبل أن تتحوّل إلى ساحة مواجهة فعلية محتملة.
تُبيّن ورقة السياسات هذه أنّ التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران كشف مدى إمكانية صمود الحياد التقليدي الذي تتمسك به دول الخليج. وبالتالي، باتت هذه الدول مطالَبة بتحقيق توازن بين الردع والجهود الدبلوماسية، بما يحمي سيادتها وبنيتها التحتية الحيوية، وتجنّب الانجرار إلى مواجهة أوسع.
لا شكّ أن التطوّرات الراهنة في الشرق الأوسط تعكس العودة إلى الصراعات القديمة ولكنها تُشير إلى تحوّل جوهري في طبيعة الحروب التي تخوضها المنطقة. فلم تعد النزاعات محصورة بجبهات واضحة وخطوط قتال ثابتة، بل تمتد بصورة متزايدة إلى البنى التحتية للطاقة ومسارات الملاحة البحرية وأدوات الضغط الاقتصادي. وفي هذا السياق، لم يعد الحياد يُقاس بالبيانات الرسمية أو التصريحات الدبلوماسية فحسب، بل أيضاً بطبيعة البيئة التي تشملها العمليات، بما فيها البنية العسكرية والشراكات الأمنية.
فوجود قواعد عسكرية غربية إلى جانب شبكات لوجستية واستخباراتية مرتبطة بتحالفات أمنية إقليمية،5 يجعل الدول الخليجية، وفق الحسابات الإيرانية، جزءاً من الحرب حتى وإن لم تشارك هذه الدول مباشرة في العمليات العسكرية. حيث تحتفظ الولايات المتحدة وحدها بشبكة من القواعد والمنشآت البحرية ونقاط عمليات متقدّمة في ما لا يقلّ عن 19 موقعاً في الشرق الأوسط، بينها ثماني قواعد دائمة في المنطقة تشمل البحرين، والكويت، وقطر، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة.6 7 وبذلك، يصطدم الحياد السياسي على أرض الواقع حتماً بحقيقة الانخراط اللوجستي والتقني.
من المنظور الإستراتيجي الإيراني، يُعدّ توسيع نطاق الأهداف المشمولة بالردع ضرورة تكتيكية وسياسية في آن معاً. فالأهداف لا تقتصر على الخصوم المباشرين لطهران، بل تمتدّ أيضاً إلى حلفائهم وشركائهم. من هذا المنطلق، يرمي استهداف الدول الخليجية، رغم إعلانها الحياد، إلى تحقيق غايتين أساسيتين. الأولى تكمن في إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أنّ أمن شركائها في المنطقة ليس بمنأى عن تداعيات التصعيد، وأنّ أي حرب في المنطقة ستترجم إلى كلفة اقتصادية وأمنية باهظة للقوى الخارجية المنخرطة فيها. أمّا الرسالة الثانية فموجّهة إلى الدول الخليجية نفسها، تحذّرها من أنّ كلفة استضافة البنية العسكرية واللوجستية الغربية سترتفع حتماً في أوقات الحرب،8 وأن وجود هذه المنشآت يُعدّ مشاركة ضمنية في المواجهة من وجهة النظر الإيرانية. بموجب هذا المنطق، يتحوّل الحياد السياسي في الحسابات العسكرية إلى ما يمكن وصفه بـ”حياد غير مكتمل”. فقد تعلن الدولة الحياد الكامل، لكنّها تظلّ عمليّاً عرضة للضغط والاستهداف. هكذا، يصبح الاستهداف أداة ضغط تهدف إلى التأثير في سلوك الخصم ضمن البيئة الإقليمية، وهو ما قد يدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في تحالفاتها، أو على الأقلّ إلى تقليص دورها في دعم التحالفات الدولية.
تضع هذه المعادلة دول الخليج أمام خيارين متناقضين. الأوّل، الانخراط العسكري المباشر في الحرب، وهو خيار ينطوي على مخاطر تصعيد لا يمكن توقّعها وكلفة مرتفعة، فضلاً عن احتمال توجيه موارد التنمية نحو المجهود الحربي، بما قد يخلّف آثاراً طويلة الأمد على نماذجها الاقتصادية والاجتماعية. أمّا الخيار الثاني فيتمثل في حصر الردّ ضمن إطار دفاعي محسوب، مع العمل على ترسيخ معادلة ردع قادرة على منع تكرار مثل هذه الاستهدافات، أو على الأقلّ الحدّ من وتيرتها وحجمها.
هنا، يقدّم التاريخ مثالاً واضحاً على ذلك. فعندما غزا صدّام حسين الكويت عام 1990، حاول جرّ إسرائيل إلى المواجهة عبر إطلاق صواريخ “سكود” على أراضيها.9 غير أن إسرائيل اتخذت القرار بعدم الانخراط مباشرة في القتال، مُبقية المواجهة ضمن إطار التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. كان ذلك قراراً إستراتيجياً في احتواء الاستفزاز لتجنّب توسيع نطاق الصراع بطريقة قد تخدم الخصم في نهاية المطاف. ولا تعني هذه التجربة الدعوة إلى الاستسلام أو التردّد في الدفاع عن السيادة، بل تظهر أنّ الردّ لا يقتضي دائماً الانخراط الكامل أو التصعيد نحو مواجهة مفتوحة. ففي بعض الأحيان، الردع الأكثر فاعلية يكون في حرمان الخصم من تحقيق هدفه في توسيع مسرح الحرب، ما يجنّب المنطقة الانزلاق إلى حرب متعدّدة الجبهات ليس بوسع أي طرف السيطرة على مسارها.
الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة مع إيران يستحضر تجربة الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي التي أسفرت عن مئات آلاف القتلى وألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد والبنية التحتية في البلدين على مدى ثماني سنوات، مخلّفة خسائر هائلة احتاجت الدولتان عقوداً للتعافي منها.10 واليوم، ستكون كلفة سيناريو مماثل أعلى بكثير، في ظلّ اندماج اقتصادات الخليج بعمق في الأسواق العالمية واعتمادها على استقرار طرق الملاحة البحرية.11 في هذا السياق، لا تُقاس الحروب بالانتصارات التكتيكية الأوّلية، بل بكلفتها طويلة الأمد، بما يشمل تأثيرها على الأجيال المقبلة وهدر فرص التنمية واستنزاف الاحتياطيات المالية التي يفترض توجيهها إلى التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والتحوّل الاقتصادي، بدلاً من استنزافها في المجهود الحربي.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الرهان على قدرة الضربات الجويّة وحدها لتغيير النظام في إيران يفتقر إلى الواقعية والأفق المحدود. فالتجارب الحديثة، من أفغانستان إلى العراق وليبيا وسوريا، تظهر بوضوح القدرة المحدودة للقصف الجوي على إسقاط الأنظمة السياسية الراسخة. حيث يتطلّب تحقيق هذا الهدف وجود بري طويل الأمد، وما يرافق ذلك من كلفة سياسية وعسكرية هائلة، إضافة إلى مستوى مُعيّن من الالتزام، الذي أثبت التاريخ عدم استعداد حتى القوى الكبرى على تحمّله. فالضربات الجوية قد تُضعف القدرات العسكرية وتُلحق أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية، لكنها نادراً ما تفضي إلى تسوية سياسية نهائية في صراعات ذات جذور بنيوية عميقة. وعليه، فإنّ أي تصعيد جوّي واسع النطاق قد يطيل أمد المواجهة من دون تحقيق نتيجة إستراتيجية واضحة، ويدفع المنطقة إلى حلقة متواصلة من التصعيد.
يبقى صدّ أي اعتداء واجباً سيادياً لا لبس فيه. فحماية الأجواء والمنشآت الحيوية والبنى التحتية الأساسية والأصول الاقتصادية تمثّل أولوية لأي دولة، كما هو حال حماية المدنيين. غير أن التفكير الإستراتيجي يُدرك أن الردع العسكري وحده لا يكفي، بل ينبغي أن يقترن بأدوات ردع سياسية واقتصادية ودبلوماسية. ويكمن التحدّي في تحقيق توازن دقيق بين الردّ الدفاعي وبين تجنبّ الانجرار وراء حرب إقليمية أكثر اتساعاً. لان اتساع رقعة الحرب يجعل من احتوائها أمراً صعباً للغاية. فالمواجهة لن تبقى محصورة في ضربات متبادلة على أهداف عسكرية، بل ستمتد إلى الاقتصاد وقطاع الشحن والطاقة، ما يدفع الحكومات إلى تحويل جزء كبير من الإنفاق العام من التعليم والرعاية الصحية إلى إنفاق عسكري يُرهق كاهل الدول. وفي نهاية المطاف، سيدفع المدنيون الثمن.
من زاوية أخرى، يُشكّل تفكّك إيران أو انهيارها كدولة تهديداً لمصالح منطقة الخليج ومصالح القوى الإقليمية الرئيسة. فالعبر المستخلصة من الصراعات السابقة واضحة: انهيار النظام لا يعني نهاية النزاع، بل غالباً ما يقود إلى مرحلة جديدة من الفوضى وصعود الميليشيات والفراغ الأمني وامتداد الصراعات عبر الحدود. بالتالي، فإنّ بقاء إيران دولة متماسكة ومستقرّة وآمنة هو مصلحة إقليمية بقدر ما هو شأن داخلي. فالتفكّك الجيوسياسي قد يمهّد لحروب عابرة للحدود واضطرابات طويلة الأمد، ويفتح الباب أمام تدخّلات خارجية في المنطقة لسنوات طويلة، إن لم يكن لعقود مقبلة.
يُمكن النظر إلى استهداف مصادر الطاقة في الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز بوصفهما جزءاً من استراتيجية ضغط واسعة. 12 فدفع أسعار الطاقة العالمية للارتفاع وزعزعة استقرار الأسواق المالية يوجّهان رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحرب لن تبقى محصورة جغرافياً داخل المنطقة، بل ستمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى حثّ القوى الكبرى على ممارسة ضغوط سياسية على الخصوم، أو أقلّه الدفع نحو خفض التصعيد، قبل أن تتحوّل الأضرار الاقتصادية إلى واقع دائم. غير أن هذا النهج قد يرتد عكسياً. فالدول الصناعية الكبرى التي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط وغاز الخليج قد تجد نفسها مضطّرة إلى حماية مصالحها بصورة مباشرة أكثر، ما قد يؤدي إلى توسيع دائرة الانخراط العسكري الدولي بدلاً من تقليصها.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو كيف يمكن للأطراف الإقليمية الفاعلة بناء معادلة أمنية تمنع تحوّل الحياد إلى نقطة ضعف. المطلوب هنا، صياغة مقاربة أمنية جديدة تعترف بالترابط الوثيق بين دول المنطقة من الناحية الأمنية، وتسعى إلى إدارته عبر أطر واضحة للردع والتفاوض. فالحياد في زمن الحروب المتداخلة يتطلّب “تحصيناً متعّدد المستويات”، أكان دفاعياً عبر تطوير القدرات العسكرية، أو دبلوماسياً من خلال فتح مسارات للتفاوض والحصول على ضمانات أمنية، أو اقتصادياً عبر تنويع مصادر الدخل وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التلاعب بالأسعار والملاحة البحرية.
تقف دول الخليج أمام خيار إستراتيجي بالغ الحساسية: إمّا أن تصبح جزءاً من تصعيد لا تملك السيطرة على مساره، أو أن تتعامل مع هذا التهديد بقدر من التماسك الإستراتيجي بما يمنع اتساع رقعة الصراع. فالردع يبقى ضرورة، لكن الانجرار إلى تورّط غير محسوب سيكون سياسة ذات تكلفة باهظة. فحماية السيادة واجب، لكن صون المستقبل لا يقلّ أهمية عن ذلك. وفي ظلّ تداخل الرسائل العسكرية مع أدوات الضغط الاقتصادي، يصبح الحفاظ على التوازن السلاح الأكثر فاعلية، ونعني بذلك التوازن بين امتلاك القدرة على الردّ بقوّة، والتحلّي بالحكمة لإبقاء الصراع محصوراً في أضيق نطاق ممكن، بما يحرم الخصوم من تحقيق هدفهم بتوسيع ساحة المواجهة.
في المحصّلة، كشف استهداف إيران لدول الخليج ضعف مفهوم الحياد عندما تتداخل التحالفات. فقد بات واضحاً أن الجغرافيا السياسية لم تعد تُقاس بخطوط عسكرية ثابتة، بل بميادين الضغط الإستراتيجي والاقتصادي. في الوقت نفسه، يطرح هذا الواقع فرصة لإعادة النظر في هندسة الأمن الإقليمي وبناء إطار أمني شامل قادر على إدارة مرحلة جديدة من الحروب التي تتداخل فيها الحدود وتتسمّ بأدوات غير تقليدية. فالمعركة الحقيقية لا تقتصر على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل في منع تحوّل الجغرافيا والاقتصاد إلى أدوات ضغط في يد القوى الخارجية. وحده التفكير الإستراتيجي طويل الأمد، القائم على توازن دقيق بين الردع وضبط النفس، قادر على إنقاذ مستقبل المنطقة من الحاضر الشائك.