الانفراج في العلاقات السعودية الإيرانية:

ضرورة استراتيجيّة

موجز قضية، فبراير 2026
زميل أول غير مقيم

19 فبراير، 2026

النقاط الرئيسيّة:

التقارب السعودي الإيراني هش، ولكنّه ما زال صامداً: استمرّ التواصل الدبلوماسي بين إيران والمملكة العربية السعودية، وذلك على الرغم من الصدمة التي شكّلها الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران في يونيو 2025 وتفعيل إعادة فرض العقوبات تلقائياً. ففي حين تتلاقى كُلاّ من الرياض وطهران على خفض التوتّر كمصلحة مشتركة، إلا أن كلاهما يأخذان حذرهما من الصدمات.

 

لا يزال التطبيع التجاري من التطلعات التي لم تتحقق بعد: تَعِدُ الاتفاقات الثنائية حول التعاون التقني بتحفيز التبادل التجاري السنوي، مدفوعاً بالتنمية الصناعية وتنامي الاستثمارات والسياحة غير أنّ المخاطر تقف عقبة أمام تطور هذه العلاقات.

 

الانفراج أولويةٌ إستراتيجيّةٌ لطهران: فاقمت إعادة فرض العقوبات تلقائياً حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تواجهها إيران، بالإضافة إلى أنّ الضغط المستمر بشنّ هجمات عسكرية إسرائيلية مستقبلية، دفعا بالقيادة الإيرانية الى إصلاح ذات البين مع جيرانها للحدّ من المخاطر.

 

شكّل ردّ فعل مجلس التعاون الخليجي على حرب الاثني عشر يوماً وجهاً من أوجه الانفراج: عزّزت إدانة دول الخليج للأعمال العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، والإشارات الواضحة بأنّها يجب ألا تُستخدم أراضيها أو أجوائها كمنصّات لمثل هذه الهجمات زخم المصالحة.

 

المقدّمة

 

تسعى إيران والسعودية الى تحقيق انفراج في العلاقات بينهما. فبَعد مرور نحو عقد من انقطاع في العلاقات الدبلوماسية، يبدو أنّ هاتين الدولتين حريصتان على تجاوز خلافاتهما. في يناير 2016، قطعت المملكة العربية السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بعد أن أقدم محتجّون على اقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد وإضرام النار فيهما، ردّاً على قيام الرياض بإعدام رجل الدين الشيعي الشيخ نمر النمر.1 وقد أجّجت هذه القطيعة الدبلوماسية منافسة إقليمية مريرة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، إذ سعت إيران الى تصدير الردع عبر حلفائها من دول وجهات فاعلة غير حكومية، فيما سعت السعودية الى احتواء ما اعتبرته سياسة توسّعية إيرانية. بيد أنّ توجّه وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان نحو تنويع الاقتصاد السعودي، تماشياً مع طموح رؤية السعودية 2030، دَفع بالرياض الى اعتبار التوتّر مع إيران استنزافاً للموارد، وهو تقدير تشاطره طهران. فاستأنف البلدان علاقتهما الدبلوماسية في العام 2023 من خلال وساطة صينية.

 

في المقابل، شكّلت مخاوف إيران الأمنية والاقتصادية الملحّة أولوية طارئة لها لتحسين العلاقات مع جيرانها. فقد تغيّر المشهد الإقليمي والدولي إلى حدّ كبير على حساب الجمهورية الإسلامية، حيث اتّبعت إيران نموذجاً للحرب غير المتكافئة ضد المصالح الإسرائيلية والأمريكية لوقت طويل، معتمدةً على مجموعة من الحلفاء من دول وغير دول، تحت شعار محور المقاومة. وقد مُنِي هذا النموذج بانتكاسة كبرى ابتداءً من أواخر العام 2023 فصاعداً، إذ قيّدت اسرائيل بشدّة قدرات حماس وحزب الله. وما كان من ضربات إسرائيل المباشرة على إيران في يونيو 2025، التي تبعها قصف الولايات المتحدة للمنشآت النفطية الإيرانية، إلا أن قوّضت أكثر فأكثر إستراتيجية إيران الردعية.

 

كذلك، تواجه طهران ضغوطاً اقتصادية متجدّدة، فاعتماد إعادة فرض العقوبات تلقائياً من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 أطلق بداية حقبة جديدة من العزلة. في هذا السياق، أصبح تعزيز الانفراج في العلاقات مع المملكة العربية السعودية أهمية إستراتيجية بالنسبة الى القيادة الإيرانية.

 

من هذا المنطلق، يتناول موجز القضية هذا كيف توضع المصلحة المشتركة في تعزيز العلاقات الثنائية محطّ اختبار بفعل الديناميكيات الجيواستراتيجية الأوسع، وكيف تعامل القيادات السياسية في طهران والرياض مع هذه التوترات لمنع العودة إلى مربع التصعيد.

 

لقد شكّل رفض السعودية السماح باستعمال أراضيها او أجوائها في الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025، عاملاً مهماً لتعزيز الانفراج، حيث أدانت الرياض علناً “الاعتداءات” الإسرائيلية “على الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشقيقة”،2 وهو تصريح لافت نظراً للعداء السابق بين الرياض وطهران. وقد أقرّت السلطات الإيرانية بذلك، إذ توجّه وزير الخارجية عباس عراقجي بالشكر للمملكة “على موقفها الشاجب… للاعتداء الإسرائيلي” وأشاد بجهود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الآيلة الى “تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة”.3

 

كذلك شكّلت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في إيران أواخر ديسمبر 2025 دافعاً أكثر أهمية بالنسبة لطهران لتعزيز الانفراج مع السعودية. لا سيّما مع احتمال تهديد المظاهرات الشعبية الحاشدة المناهضة للحكومة الإيرانية بتقويض أسس الجمهورية الإسلامية، وسط تلويح الرئيس الأمريكي ترامب باستئناف الضربات ضد إيران، ما دفع طهران إلى مواصلة رهانها على تحسين العلاقات مع السعودية بهدف التخفيف من حدّة التوتّرات. ولعلّ تعبير الرياض عن مخاوفها بوصفها أيّ هجوم أمريكي آخر على إيران بأنّه تهديد للأمن الإقليمي يثبت صحّة توقّعات طهران بطريقة آيلة للنقاش.

 

لقد فتح الانفراج بين هاتين القوّتين الإقليميتين الباب أمام تعزيز العلاقات التجارية وتنسيق أفضل لمناسك الحج من أجل الحجّاج الإيرانيين. ولكنّ آلية عودة العقوبات التلقائية، ناهيك عن العقوبات الثانوية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية تُعيق التحويلات المالية وتشكّل عقبات خطيرة. علاوة على ذلك، لم تَعمد كُلّ من إيران والسعودية الى تغيير منظورها الإستراتيجي وأهدافها المتضاربة المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وتهدّد هذه التباينات بنسف هذا التقارب. فالمملكة العربية السعودية تنظر الى الولايات المتحدة كشريك أمني إستراتيجي، وقد أبدت استعدادها لإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل ما إن يتحقق قيام الدولة الفلسطينية. أما من وجهة نظر طهران، فإنّ حضور اسرائيل وأمريكا في الخليج هو مصدر لزعزعة الاستقرار في المنطقة. من هنا يشكّل هذا التباين الحادّ في وجهات النظر عبئاً كبيراً على العلاقات السعودية الإيرانية.

 

الانفراج تحت الضغط

 

استُؤنف التواصل رفيع المستوى بين السعودية وإيران عقب اتفاق 2023، بما في ذلك لقاءات ثنائية بين وزيرَي الخارجية ومسؤولين أمنيين. وقد خرج الرئيس بزشكيان بوضوح عن رسالة آية الله روح الله الخميني، مؤسّس الجمهورية الإسلامية، الذي عبّر تكراراً عن ازدرائه لآل سعود.4وابتعدت القيادة الإيرانية، بما فيها القائد الأعلى علي خامنئي، بشكل كبير عن هذه الرؤية. الجدير بالذكر أنّ بزشكيان يستحضر التضامن الإسلامي في وصف العلاقات بين إيران والسعودية. وتشديداً على المصالح المشتركة، يُدخِل بزشكيان المخاوف الايديولوجية والدينية والاستراتيجية في صلب سرديّته. وباستخدامه حجّة أنّ “البلدان الإسلامية، بما فيها السعودية، بمثابة أشقائنا”، يؤكّد أنّ الوحدة بين الدول الإسلامية هي خير حماية من التهديدات الخارجية.5 وقد ساعد هذا التأطير في تحصين الحكومة ضد الاتهامات الداخلية بالضعف، من خلال تصوير انخراطها مع السعودية كشكلٍ من أشكال الدفاع ضد الضغوط الغربية والإسرائيلية وليس كتنازل.

 

وقد أثبت الانفراج في العلاقات السعودية الإيرانية حتى الآن أنّه مقاوم للصدمات كالضربات العسكرية الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025. فالهجمات الإسرائيلية على إيران، بما فيها تلك الموجّهة ضد المنشآت النووية والعسكرية والبنى التحتية الاستراتيجية مثل حقل بارس الجنوبي للغاز، بالإضافة الى الدعم الأمريكي من خلال قصف ثلاثة مواقع نووية، هي تحديداً من طبيعة الأحداث التصعيدية التي كان من شأنها في السابق أن تدفع بالرياض وطهران الى معسكرين متعارضين.6 لكن هذه المرة، بدا الطرفان حريصين على حماية علاقتهما المستأنفة حديثاً.

 

أدانت السعودية الهجمات الإسرائيلية على أنّها اعتداء على السيادة الإيرانية، وحثّت جميع الأطراف على تجنّب توسيع رقعة الصراع.7 كما انضمّت المملكة الى غيرها من دول مجلس التعاون الخليجي في التحذير من المخاطر على الأمن الاقليمي وتدفّق الطاقة.8 في المقابل، ضبطت إيران ردّها لتجنّب توريط أي أراضٍ أو أصول سعودية. وقد شدّد عراقجي على أنّ إيران “لم تكن تسعى الى توسيع رقعة الصراع” الى دولٍ مجاورة، وَوضع الردود الإيرانية في إطار الدفاع عن النفس، على الرغم مما أثارته الضربة الإيرانية على قاعدة العُديد البحرية في قطر من مخاوف في عواصم مجلس التعاون الخليجي.

 

وفي اتصال هاتفي مع بزشكيان بعد ضربات يونيو 2025، أعاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التشديد على سرديّة التضامن الإسلامي، مؤكّداً أنّ “السعودية تقف بجانب أشقائها في إيران ولن تألو جهداً لدعمهم”.9 وأضاف أنّ “العالم الاسلامي بأسره موحّد في دعم ايران”.10 إن هذه الرسالة التي كانت غير قابلة للتصوّر منذ بضعة أعوام، إنما تشير الى أنّ قيادتي طهران والرياض كلتيهما تقرّان بوجود مصلحة مشتركة تقضي بتجنّب التصعيد والحؤول دون نشوب حرب اقليمية أوسع.

 

على الرغم من هذه الاشارات، تبقى العلاقة هشّة، فهي قائمة على حسابات نخبوية، وتتأثّر بشدّة بتصوّرات التهديد وبسنوات من انعدام الثقة. في كلتا الدولتين، ما زالت شرائح من المنظومة السياسية والأمنية تشعر بالريبة تجاه الآخر. في إيران، يرى المنتقدون المتشدّدون في روابط المملكة الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة والانفتاح على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإن كان مشروطاً، دليلاً على عدم موثوقيّتها وعلى كونها ما زالت جزءاً من التحدّيات الإقليمية التي تواجه إيران.11 أما في السعودية، فما زالت آثار الدعم الإيراني السابق للهجمات على البنى التحتية والشحنات النفطية الخليجية، إضافةً الى المخاوف من قدرات إيران النووية والصاروخية، تؤجّج السجال الأمني.12

 

ولا شكّ أن إستراتيجية إيران الردعية غير المتكافئة تآكلت بفعل الخسائر الجسيمة التي لحقت بحلفائها وشركائها منذ 7 أكتوبر 2023. فقد سقط نظام الرئيس السوري بشار الأسد على يد قوة معادية لإيران، ويتعرّض حزب الله لضغط عسكري إسرائيلي مستمر في لبنان، فيما تردّت حالة حماس بشدّة في غزة. وهذا يمثّل خطراً لأنه يدفع إيران الى استخدام أدوات علنية لبسط النفوذ عند أي تصعيد مستقبلي، ما قد يثير ردود فعل أكثر حدّة من قبل الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين.

 

في إطار خطّة العمل الشاملة المشتركة، سلّطت إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة تلقائياً على إيران، الضوء على الطابع الأمني للملف النووي الإيراني. كما أنّ اعادة فرض الحظر على الأسلحة، والقيود على الصواريخ، والعزلة المالية، يُحتَمَل أن تشكّل غطاءً لعمليات إضافية، خفية أو علنية، ضدّ المنشآت الإيرانية، من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة. ومن شأن المأزق المستمر بشأن برنامج إيران النووي، فضلاً عن التوتّرات المتنامية بين طهران وواشنطن عقب موجةٍ جديدة من الاحتجاجات في إيران، أن يختبر قدرة السعودية على الحفاظ على موقف متوازن في وجه تشدّد واشنطن في الموضوع الإيراني.

 

لا يزال التطبيع التجاري من التطلعات التي لم تتحقق بعد

 

ما زالت الروابط الاقتصادية بين إيران والمملكة العربية السعودية ضعيفة. البلدان منتِجان كبيران للهيدروكربونات ولديهما أجندات طَموحة للتنويع الاقتصادي. وقد أشارت الإحصاءات الإيرانية الرسمية في مارس 2025، الى أنّ التجارة غير النفطية بين الدولتين كانت بحدود 25 مليون دولار خلال تلك السنة المالية، مع 61 ألف طن من البضائع المتبادلة.13 وتشمل الصادرات الإيرانية الى السعودية المنتجات الحديدية، والفستق، والزبيب، والسجاد، وألواح الزجاج والتفاح، ما يعكس بعض التنويع.14

 

في هذا المجال، تُساور المسؤولين الإيرانيين تطلعات نحو الروابط التجارية السعودية الإيرانية في المستقبل، مع توقّعات بإنشاء غرفة تجارة مشتركة لتسريع عجلة التجارة الثنائية، لا سيّما على صعيد البضائع الاستهلاكية غير النفطية.15 وهذا يتماشى مع رغبة الرئيس بزشكيان في تطبيع العلاقات مع الدول المجاورة. أما بالنسبة الى السعودية، فإنّ توسيع المجالات التجارية مع إيران يندرج ضمن الجهود الأكثر اتساعاً والهادفة الى ترسيخ موقع المملكة كمركز استثماري ولوجستي إقليمي، وهو يتماشى مع رؤية المملكة الوطنية 2030.

 

إلا أنّ العوائق الهيكلية كبيرة. فالعقوبات المُعاد فرضها تلقائياً والعقوبات الأمريكية الثانوية تثني أبرز الشركات السعودية والدولية عن دخول السوق الإيرانية. فقد أدّت إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة في سبتمبر 2025 إلى استئناف القيود على قطاعَي المصارف والشحن الإيرانيين، التي كانت قد خُفِّفَت بموجب الاتفاق النووي للعام 2015. وتخضع المؤسّسات المالية في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي للأطر التنظيمية الغربية وهذا يعني أنها قد تواجه غرامات جسيمة في حال التهرب من العقوبات.

 

لا شكّ أن كلا الاقتصادين يمرّان بتحوّلات داخلية. ففيما تُعطي أجندة رؤية السعودية 2030 الأولويةَ للاستثمارات الضخمة في البنى التحتية والسياحة والتكنولوجيا، مع التشديد على استقطاب الرساميل الأجنبية. تلجأ إيران على نحو متزايد الى روسيا والصين للتعويض عن العقوبات الغربية. وعلى الرغم من أنّ هذا الواقع لا يحول عن العلاقات الثنائية، فهو يعني أنّ المسارَين التنمويين السعودي والإيراني موجّهان حالياً نحو شركاء خارجيين مختلفين ونظم بيئية تنظيمية مختلفة، ما يعرقل جهود إطلاق مشاريع مشتركة أو سلاسل توريد متكاملة.

 

كذلك، من الصعب تخطّي إرث انعدام الثقة. ففي العام 2019، أُصيب أكبر معمل سعودي لتكرير النفط في بقيق بمسيّرة إيرانية الصنع أطلقها الحوثيون في اليمن.16 كان هذا حَدثاً صادماً للقيادة السعودية، استعرض القدرة التدميرية لإيران في المنطقة بنطاقها الأوسع. في الوقت عينه، تشعر الشركات الإيرانية بالقلق إزاء احتمال حدوث تحوّلات مفاجئة في السياسات بالرياض قد تلي تغيّرات في تصوّرات السعودية للخطر الإقليمي، أو في علاقات المملكة بواشنطن. الطرفان يقرّان بأنّ أي صدمة سياسية كبيرة، على غرار أزمة متجدّدة حول برنامج إيران النووي، أو تصاعد في حدّة التوتّر في اليمن، أو دورة أخرى من الأعمال العدائية بين إسرائيل وإيران، من شأنها أن تزعزع الروابط التجارية طويلة الأمد.

 

على الرغم من هذه القيود، فإنّ التقدّم التدريجي واضح. وما كان استئناف الرحلات المباشرة بين مشهد والدمّام في ديسمبر 2024، بعد انقطاع دام تسع سنوات، إلا أن أوجد قنوات جديدة للسياحة الدينية وسفر الأعمال، بما في ذلك تسهيل زيارات المواطنين السعوديين الشيعة الى مرقد الإمام الرضا في مشهد.17 وقد تعزّزت مكانة الصادرات الإيرانية غير النفطية أيضاً. فبحسب مصادر رسمية، بلغ إجمالي صادرات إيران غير النفطية 74 مليار دولار في العام 2025، بما في ذلك ارتفاع في الصادرات غير النفطية الى السعودية (12,5 مليار دولار)، ما يضعها على قدم المساواة مع العراق،18 في حين أنّ الصادرات السعودية غير النفطية موجّهة نحو أسواق مثل الإمارات العربية المتحدة والهند والصين.19

 

يقتصر البُعد الاقتصادي للانفراج السعودي الإيراني على تدابير رمزية محدودة النطاق. وهو يقدّم سرديّة مفيدة حول المنفعة المتبادلة، ويساعد في ترسيخ فكرة تطبيع العلاقات ضمن تفاعلات بيروقراطية، لا سيما في مجالَي التنسيق الجوي والوفود التجارية. بيد أنّه في غياب تخفيف ملموس للعقوبات ودرجة أعلى من الثقة السياسية، تبقى الروابط التجارية الشاملة مجرّد طموح وجزء من التطلعات.

 

دبلوماسية الحجّ

 

لطالما كانت ترتيبات مناسك الحج مقياساً حساساً للعلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية. ففي الماضي، تحدّت إيران السعودية لإخفاقها في تمثيل المصالح الإسلامية عالمياً، وانتقدت وصايتها على مكّة المكرمة. وفي العام 1987، نظّمت السلطات الإيرانية تجمّعات للحجّاج في مكّة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والعائلة الحاكمة في السعودية، ما أسفر عن مقتل نحو 400 حاج. 20 وفي العام 2015، لقي ما لا يقلّ عن ألف حاجّ حتفهم جراء تدافع في منى خلال موسم الحج، من بينهم قرابة 464 حاجاً إيرانياً؛ وقد أدّت هذه الحادثة إلى تدهور العلاقات الإيرانية السعودية بشكل كبير.21

 

خلال السنوات الأخيرة، تبدّلت الأحوال. ففي أعقاب عودة العلاقات الدبلوماسية في العام 2023، تفاوض مسؤولون سعوديون وإيرانيون بشأن ترتيبات عملية للحجّاج الإيرانيين، بما فيها الحصص والخدمات القنصلية والنقل. وبحلول العام 2025، وافقت السلطات على زيادة حصة الحجّاج الإيرانيين وعمدت الى تحسين الإدارة لموسم الحاج 2026، بما في ذلك تسهيل رحلات مباشرة للحجاج القادمين من مدن إيرانية مختلفة.22 وقد ولّد التنسيق في موضوع الحج تفاعلاً تكنوقراطياً بين الرياض وطهران، وبات المسؤولون الإيرانيون والسعوديون ينسّقون إجراءات تأشيرات الدخول، والبروتوكولات الصحية، ومرافق الإقامة، والنقل.

 

وبرزت دبلوماسية الحجّ كنافذة للتعاون التقني في التقارب السعودي الإيراني. فهي قائمة على عمليات متكرّرة وقابلة للتنبّؤ، وتوظّف سرديّات دينية تشدّد على الوحدة بدلاً من الانقسام. كما أنّ التعاون التقني من أجل الحجّ قابل للتطوير، إذ يمكن لإدارة الأزمات المشتركة والتنسيق القنصلي المتمحورين حول الحج أن يمّهدا الى تعاون أوسع حول ادارة الأزمات والصحة العامة والتبادلات على مستوى الشعب. غير أنّ دبلوماسية الحجّ وإمكاناتها كنموذج للتعاون الثنائي ما زالت عرضةً لتقلّبات المشهد الجيوسياسي الأوسع.

 

انفراج في ظلّ إدارة ترامب

 

فاقمت عقوبات الأمم المتحدة وحملة الرئيس ترامب ضد إيران التوتّرات، فضغوط واشنطن المتجدّدة على إيران متعدّدة المسارات، إذ تعرّضت إيران لهجمات عسكرية مباشرة على منشآتها النووية والعسكرية فضلاً عن الضغوط الاقتصادية. ولا تزال التهديدات الإسرائيلية والأمريكية المتكرّرة تطبع حسابات طهران الاستراتيجية.

 

في هذا السياق، تعتبر القيادة الإيرانية خفض التصعيد الإقليمي ضرورة استراتيجية. ومن هنا، يؤدّي الانفراج في العلاقات السعودية الإيرانية وظائف مهمة. فهو يساعد إيران في إظهار أنّها ليست معزولة في محيطها المباشر. وقد كانت الادانة العلنية للهجمات الإسرائيلية الأمريكية في يونيو 2025 من قبل المملكة العربية السعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، وانتقاد الهجمات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية لافتة، ممّا سمح لطهران بأن تثبت أنّه حتى شركاء الولايات المتحدة في الخليج يعتبرون الأفعال الإسرائيلية والأمريكية مزعزِعة للاستقرار.

 

كذلك، قلّص الانفراج احتمال استعمال الأراضي أو الأجواء السعودية لتسهيل عمليات عسكرية ضد إيران في المستقبل. فالقيادة الإيرانية ترى التواصل مع الرياض جزءاً من استراتيجية أوسع لتهدئة الساحة الخليجية. ويبدو أنّ السلطات الإيرانية تدرك أنّ تهديداتها المتقطّعة بتعطيل حركة الشحن في مضيق هرمز تشكّل بؤرة توتّر لدول مجلس التعاون الخليجي.23 في عهد بزشكيان، توخّت السلطات الإيرانية الحذر لتجنّب مثل هذه التهديدات وإعطاء إشارات بأنّها لا تسعى إلى تأجيج التوتّر في الخليج.24

 

تشكّل التوقّعات الأمريكية باصطفاف المملكة العربية السعودية مع تدابير الإعادة التلقائية وتطبيق عقوبات الأمم المتحدة تحدياً للرياض، فمن شأن هذا الالتزام أن يجعل السعودية عرضةً لاتهامات بأنّها تيسّر الحرب الاقتصادية ضد إيران، ما يفقدها المكاسب الاوّلية التي حقّقتها من خلال إصلاح العلاقات الثنائية. ولكن القيادة السعودية امتنعت حتى الآن عن اتخاذ اجراءات علنية لتطبيق العودة التلقائية للعقوبات.

 

الخاتمة

 

إن الانفراج في العلاقات السعودية الإيرانية هو استجابة لبيئة اقليمية متزايدة التقلّب. وقد أثبت حتى الآن أنّه انفراج صامد، ولكنّه يبقى هشاً وفي مهبّ الحسابات الخاطئة والاستياء المحلّي والضغط الأمريكي.

 

وتبرز مصلحة واضحة لدى اللاعبين الإقليميين في دعم حوار أمني سعودي إيراني لتطوير آلية إدارة الأزمات في الخليج وفي المنطقة على نطاق أوسع. إذ تستطيع القنوات المؤسساتية العادية بين مجلسي الأمن القومي ووزارتي الخارجية ومؤسسات الدفاع أن تساعد الطرفين في توضيح الخطوط الحمراء وتلافي سوء التفاهم. وسيكون ذلك مهماً لتنسيق الردود على التهديدات البحرية والجوية والسيبرانية.

 

وهنا لا بّد من الإشارة إلى أن هذه الحوارات لا تتطلب توافقاً إستراتيجياً مسبقاً، بل تهدف الى مأسسة الانفراج، مع العمل على إدارة التنافس بطريقة تحول دون أي تصعيد غير مقصود. كما أنّ تحصين دبلوماسية الحج، وغيرها من أشكال التعاون الديني، ضد الخلافات السياسية الأوسع يقدّم فرصة لبناء الثقة وتعزيزها. ويمكن لإدارة الحاج بعيداً عن التسييس أن تشكّل نموذجاً يحتذى للتواصل في ميادين أخرى.

 

لا تزال الروابط الاقتصادية السعودية الإيرانية غير متطوّرة، ولكنّها تنطوي على إمكانات نمو واسعة النطاق، من خلال التركيز على القطاعات متدنية المخاطر والأقل عرضة لعقوبات الأمم المتحدة وتحديات الالتزام المالي، على غرار الصحة والإدارة البيئية والإغاثة من الكوارث والتعاون الأكاديمي، فضلاً عن السياحة الدينية (على الرغم من أنّها قد تبقى حساسة). وإذ تثبت هذه المشاريع أنّ التعاون الاقتصادي المحدود يمكن أن يولّد مكاسب متبادلة من دون التعرّض للعقوبات، فهي تتمتّع بالقدرة على بناء قواعد دعم لتعاون طويل الأمد.

 

إنّ الخطوات التي اتخذتها السعودية وإيران من أجل رأب الصدع بعلاقتهما لم ترق الى مصاف الشراكة؛ ولكن من شأنها أن تساعد في ترسيخ نمط من التنافس المنضبط، القائم على التعاون المنتظم والعملي المستند إلى مصلحتهما المشتركة في تجنّب الحرب الاقليمية. وفي ظلّ الضغوط الدولية المتجدّدة على إيران (عقوبات وضعف الردع والتهويل بهجمات إسرائيلية مستقبلية)، يمثّل الانفراج بين إيران والسعودية إنجازاً كبيراً لإيران. كما أنّ الموقف السعودي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025 ومن إعادة تفعيل آلية العودة التلقائية للعقوبات يحمل دلالات مهمة بالنسبة إلى الانفراج السعودي الإيراني.

 

لقد عزّزت هذه التجارب رغبة إيران في تحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يُعتَقَد بأنّه قادر على تحقيق مكاسب دبلوماسية ملموسة. كما أنّه عزّز الإدراك السعودي بأنّ إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع طهران أمر جوهري. وترسي هذه الديناميّات قاعدة متينة للحفاظ على الزخم بغية تحسين العلاقات الثنائية.

 


الهوامش
1 “Saudi Arabia cuts ties with Iran as row over cleric’s death escalates,” Reuters, January 4, 2016, https://www.reuters.com/article/world/saudi-arabia-cuts-ties-with-iran-as-row-over-clerics-death-escalates-idUSKBN0UH01E/.
2 “Saudi Arabia Strongly Condemns the Blatant Israeli Aggressions Against Iran,” Saudi Press Agency, June 13, 2025, https://www.spa.gov.sa/en/w2339269.
3 “Saudi crown prince, Iran’s FM hold ‘fruitful’ talks on bilateral ties, regional security,” Press TV, July 9, 2025, https://www.presstv.ir/Detail/2025/07/09/750874/Iran-Abbas-Araghchi-Jeddah-security-stability.
4 Ervand Abrahamian, Khomeinism: Essays on the Islamic Republic (California: University of California Press, 1993), p.30.
5 “Iran’s President Urges Unity among Muslim ‘Brothers’,” Tasnim News Agency, October 3, 2024, https://www.tasnimnews.com/en/news/2024/10/03/3170997/iran-s-president-urges-unity-among-muslim-brothers.
6 “Iran does not want conflict with Israel to expand but will defend itself, foreign minister says,” Reuters, June 15, 2025, https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-does-not-want-conflict-with-israel-expand-will-defend-itself-foreign-2025-06-15/.
7 “Saudi Arabia condemns Israeli strikes on Iran, urges immediate halt to escalation,” Saudi Gazette, June 13, 2025, https://www.saudigazette.com.sa/article/652660.
8 “Gulf Countries Condemn Israel’s Attack on Iran,” Asharq Al-Awsat, June 13, 2025, https://aawsat.news/n76hb.
9 “MBS says Islamic world backs Iran in call with Pezeshkian,” Al Mayadeen, June 15 , 2025, https://en.mdn.tv/8Vub.
10 Ibid.
11 “Saudi Arabia wants America to restrain Iran without being provoked/ Why does Bin Salman want Iran and America to negotiate?,” Tabnak, November 20, 2025 (in Farsi), https://www.tabnak.ir/005cuz.
12 Ali Alfoneh, “Iran Looms Over Saudi Visit to Washington,” Arab Gulf States Institute, November 18, 2025, https://agsi.org/analysis/iran-looms-over-saudi-visit-to-washington/.
13 “Iran-Saudi Arabia annual non-oil trade stands at $25m,”  Tehran Times, April 15, 2025, https://www.tehrantimes.com/news/511847/Iran-Saudi-Arabia-annual-non-oil-trade-stands-at-25m.
14 “Iran’s non-oil exports to Saudi Arabia increase 99-fold,” TV BRICS, March 14, 2025, https://tvbrics.com/en/news/iran-s-non-oil-exports-to-saudi-arabia-increase-99-fold-/.
15 “Iran and Saudi Arabia are ready to establish a joint chamber of commerce,” The Hamedanian Trading Company, January 31, 2025 (in Farsi), https://hamedaniantc.com/news/%D8%A7%DB%8C%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86%D8%8C-%D8%A2%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%87-%D8%A7%DB%8C%D8%AC%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D8%AA%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1/.
16 “Saudi Arabia oil facilities ablaze after drone strikes,” BBC News, September 15, 2019, https://www.bbc.com/news/world-middle-east-49699429.
17 “Flights resume between Iran’s Mashhad and Saudi’s Dammam as tensions ease’,” Reuters, December 23, 2024, https://www.reuters.com/world/middle-east/flights-resume-between-irans-mashhad-saudis-dammam-tensions-ease-2024-12-03/.
18 “New figures: Iran-Saudi trade sees astonishing 6,483% growth,” Iran Front Page, April 11, 2025, https://ifpnews.com/new-figures-iran-saudi-trade-sees-astonishing-6483-growth/.
19 “Saudi Arabia’s non-oil exports rise 5.5% in August: GASTAT,” Arab News, October 26, 2025,  https://www.arabnews.com/node/2620286/business-economy.
20 John Kifner, “400 die as Iranian Marchers Battle Saudi Police in Mecca,” The New York Times, August 2, 1987,  https://www.nytimes.com/1987/08/02/world/400-die-iranian-marchers-battle-saudi-police-mecca-embassies-smashed-teheran.html.
21 “First Hajj stampede bodies arrive in Iran,” Al Jazeera, October 3, 2015,  https://aje.io/s9pjg.
22 “Saudi Arabia Agrees to Increase Iran’s Hajj Quota,” International Quran News Agency, May 30, 2025, https://iqna.ir/en/news/3493276/saudi-arabia-agrees-to-increase-iran%E2%80%99s-hajj-quota-%C2%A0.
23 Mousavi Fard Seyed Mohammad Reza, et al,  “The effects of military seizures in the Strait of Hormuz and Bab al-Mandeb on world peace and security with emphasis on energy warfare,” Geography and Human Relationships, April 3, 2025, https://www.gahr.ir/article_218133_en.html.
24 “Araghchi: Closing Strait of Hormuz not Iran’s official policy,” IRNA, August 27, 2025, https://en.irna.ir/news/85923582/.