لقد عاد البحر الأحمر إلى صدارة المشهد العالمي، غير أنّ القواعد القديمة التي كانت تحكم هذا الشريان المائي الحيوي قد ولّت ليحلّ محلها واقعٌ مضطربٌ يعجّ باللاعبين القدامى والجدد على حد سواء. فلم تعد تحرّكات القوى العظمى تُقرر مستقبل المنطقة عن بُعد عبر رقعة الشطرنج، بل باتت مصالح القوى الإقليمية المتوسّطة تَرسم ملامحه في الوقت الراهن وتحرّكها الدوافع في تنافس محموم على النفوذ.
فدول الشرق الأوسط، كالإمارات العربية المتّحدة والمملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، لم تعد تنتظر ضوءاً أخضراً من أحد، بل تسعى بكل ما لديها من أدوات إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية والسياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، معتمدةً في ذلك على مزيج من النفوذ المالي والدبلوماسي والتدخّل المباشر بالشكل العسكري أو بأي شكل آخر.
في الوقت نفسه، لم يعد القرن الأفريقي مجرّد ساحة خاملة تتلقّى بصمت تداعيات هذا الانخراط؛ فقد أتقنت حكوماته ونُخبه ولاعبيه المحليين فنّ التعامل مع طموحات دول الشرق الأوسط وتسخيرها، مستغلةً التنافس الخارجي لتعزيز شرعيتها داخلياً، واستقطاب الاستثمارات، وتنويع الشراكات.
نحو مقاربة جديدة: كسر الحواجز وتوحيد الرؤى
لفهم هذا الممرّ الحيوي، لا بدّ لنا من التخلّي عن النظرة التحليلية الأحادية القديمة. ومن هنا، يقدّم هذا الكتاب أول تحليل شامل يسعى إلى كسر الحواجز التحليلية في النظر إلى دول الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. ويؤكد هذا الكاتب استحالة استيعاب مسارات المنطقة بالنظر إلى إحدى الضفّتين بمعزل عن الأخرى. فمن خلال الحوار المباشر بين منظور الدول الخليجية ومنظور دول القرن الأفريقي، يتفحص الكتاب التفاعلات المشتركة بين الجانبين من منظور نقدي، وهو بذلك يطمح إلى تقريب الرؤى، وتحديد خطوات عملية وملموسة في مسارات للتعاون من أجل بحر أحمر تفصل المياه بين ضفتيه وتجمعه فرص واعدة من المصالح المشتركة.
الدوافع الأساسية للتهافت الجديد
لعبة جيوسياسية جديدة: لقد تلاشت الحدود الأمنية بمفهومها التقليدي. وأدّى التفكّك الأيديولوجي والسياسي في دول الشرق الأوسط إلى تحويل القرنَ الأفريقي لساحة حروبِ بالوكالة، حيث تُستغل هشاشة المؤسّسات كأداة للتنافس بين الدول؛ وما انهيار دول مثل اليمن واندلاع الحرب في السودان بمأساتين معزولتين. فالتوتّر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا، وما تمخّض عنه من تداعيات كهجمات الحوثيين وتبدّل التحالفات بات يشكّل اليوم تهديداً مباشراً وملموساً لأمن الملاحة العالمية.
الاقتصاد كأداة للحكم: إنه ليس مجرّد نزاع على الموارد، بل هو أولوية لبقاء الدولة نفسها، حيث تُشكّل الثلاثية الإستراتيجية لأمن المياه والغذاء والطاقة، ركيزة رئيسية تنطلق منها صناعة السياسات على ضفتَي البحر الأحمر. بدءاً من بؤرة التوتّر المحيطة بسدّ النهضة وصولاً إلى اعتماد الدول الخليجية الهيكلي على تحلية المياه والأراضي الزراعية، تفرض هذه الضغوط نفسها، لتجعل من أمن الموارد أولوية قصوى في صناعة السياسات الداخلية والخارجية.
وعندما تقترن هذه الضغوط بوطأة تغيّر المناخ، يتشكّل الدافع لضخّ الاستثمارات الضخمة داخل أحواض القرن الأفريقي المائية العابرة للحدود، وأراضيه الزراعية، وممرّاته الطاقية، في سعي حثيث من الحكومات لتأمين إنتاجها عبر مصادر خارجية.
وهكذا، لم تعد الاستثمارات في الموانئ مجرّد مشاريع تجارية، بل تحوّلت إلى أدوات لبسط الهيمنة على سلاسل الإمداد وترسيخ النفوذ الجيوسياسي. وتزداد الخريطة الاستراتيجية تعقيداً مع اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” ومساعيها لبناء علاقات رسمية مع “هرجيسا” لتأمين جناحها البحري في مواجهة تهديدات الحوثيين، ما أسهم فعلياً في تحويل “أرض الصومال” إلى عقدة محورية في البنية الأمنية الجديدة للبحر الأحمر.
البعد الإنساني: في خضمّ هذا التنافس، يجد الإنسان نفسه عالقاً في المنتصف. فالضفتان تتشاركان إرثاً واحداً من الهجرة والتواصل الديني والثقافي. ويعدّ البحر الأحمر اليوم أكثر ممرّات الهجرة في العالم اكتظاظاً وخطورةً، ولكنه في الوقت ذاته يُعتبر الأقل حضوراً في التغطيات الإعلامية. وقد أفضى ذلك إلى “عسكرة الهجرة”، وهي ظاهرة يُستغل فيها المستضعفون ويُدفع بهم قسراً ليصبحوا مقاتلين. في الوقت نفسه، تُوظّف القوة الناعمة عبر المدارس والتيارات الدينية كأداة لتعزيز النفوذ وإعادة تشكيل المجتمعات من جذورها.
يُلقي هذا الكتاب الالكتروني، بما يتضمّنه من توصيات استشرافية وعملية، نظرة متأنية على التحوّل الجذري في آليّات استخدام القوة وممارستها. فهفوة في الحسابات قد تفصلنا عن اندلاع صراع كبير في هذا البحر الذي يموج بالاضطراب والتنافس.
يُنشر هذا الكتاب الإلكتروني بالتعاون بين مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، ومنصّة المتوسط، ومعهد أجندة عموم إفريقيا
اضغط هنا للاطلاع على هذا الكتاب، علماً أنه يتوفر باللغة الإنكليزية فقط.