"اتفاقية مكة".. نحو منظومة أمنية جديدة في المنطقة

تقدير موقف، سبتمبر 2026
2 سبتمبر، 2026

في 7 أغسطس 2026، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” في قصر الصفا بالسعودية، في خطوة شكّلت محطّة تاريخية في مسار الأمن الإقليمي، وقد تمهّد الطريق لبناء منظومة أمنية أوسع تؤسسها دول المنطقة بنفسها، بدلاً من الاعتماد على راع خارجي لتشكيلها.

 

لم يُنشر نص الاتفاقية بعد، وهذا يفسح المجال لأسئلة عدّة دون أجوبة في الوقت الراهن، سواءً فيما يتعلق بمدّتها الزمنية ونطاقها الجغرافي، وآليات التصديق عليها والانسحاب منها والانضمام إليها، فضلاً عن ترتيبات القيادة والتشاور، فإنها تتضمّن، بحسب ما تداولته الأوساط الإعلامية الرسمية، بنداً على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي “الناتو”، الذي يُلزم الأطراف باعتبار أيّ هجوم على أحد الدول الأعضاء “هجوماً عليها جميعاً”.

 

وقد أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الأطراف ستُحدد بالتشاور “درجة وشكل وصيغة” أي ردّ. وتتيح هذه الآلية مرونة مماثلة لتلك التي تنصّ عليها المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي “الناتو”، إذ تترك لكلّ دولة عضو اتخاذ “ما تراه ضرورياً من إجراءات”. ومن المقرّر أيضاً إنشاء لجنة وزارية على غرار “الناتو”، إلى جانب أمانة عامة، على أن يكون مقرّهما في السعودية.

 

وبحسب فيدان، استغرق إعداد “اتفاقية مكة” عامين وثمانية أشهر، ما يرجّح أن العمل عليها بدأ في الأسابيع التي أعقبت هجوم “حماس” المسلّح على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، والردّ العسكري الإسرائيلي في غزة وخارجها.

 

وعلى الرغم من أن الاضطرابات اللاحقة شكّلت المحرك الرئيسي للاتفاقية، فإن جذورها تعود إلى مرحلة سابقة، حين بدأت تركيا والسعودية، ومعهما مصر، في عام 2021، طيّ صفحة سنوات من التوتر وإعادة بناء العلاقات فيما بينها، ضمن مسار سجّل تقدماً ملحوظاً في السنوات التالية.

 

بدورهما، حوّلت السعودية وباكستان اللتان يجمعهما تحالف يمتد لنحو ستة عقود، شراكتهما إلى “اتفاق دفاع إستراتيجي مشترك” ثنائي في 17 سبتمبر 2025، وذلك بعد أيام من الغارات الجوية الإسرائيلية على الدوحة. وتتشاور الدول الثلاث الموقعة على “اتفاقية مكة”، إلى جانب مصر، ضمن مجموعة الأربعة الإقليمية المعروفة باسم “R4″، حيث وصف فيدان القاهرة بأنها “شريك طبيعي“، متوقعاً انضمامها إلى الاتفاقية بعد تسوية المسائل الفنية العالقة.

 

 لكن هذا التوصيف ربما لا يعطي وزناً كافياً للأسباب الأعمق وراء حذر القاهرة، إذ إن الانضمام الرسمي إلى الاتفاقية قد يُنظر إليه باعتباره اصطفافاً واضحاً في مواجهة أطراف أخرى، بينها إيران والحوثيون وإسرائيل والإمارات واليونان وقبرص والهند، من دون أن يعالج الهاجس الأمني الأهمّ لمصر، المتمثل في احتمال اندلاع صراع مع إسرائيل.

 

من هذا المنطلق، يبدو أنّ تردد مصر أقرب إلى نهج الرئيس عبد الفتاح السيسي القائم على عدم الانحياز والحفاظ على دور الوسيط إقليمياً منه، إلى رفض الاتفاقية بحدّ ذاتها. ومع ذلك، يظلّ توسيع العضوية هدفاً معلناً للمجموعة، بعد ترسيخ أسسها.

 

تأتي الاتفاقية في ظلّ تقارب تصوّر الأطراف باتجاه التهديدات التي تتربص بها، رغم تجنبّها بشكل لافت لتسميتها صراحة. فقد عرّضت الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران، السعودية وشركاءها في مجلس التعاون الخليجي لهجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. كذلك استهدفت مجموعات غير حكومية حليفة لإيران البنية التحتية للطاقة وصادرات السعودية، وما زالت تشكّل تهديداً مستمراً للممرّات المائية المحيطة بالسعودية.

 

أمّا المحور الثاني للمخاوف، فيتمثل في التحركات العسكرية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر وطموحات إسرائيل الإقليمية، التي يُنظر إليها باعتبارها عاملاً رئيسياً في زعزعة استقرار المنطقة.

 

وخلف هذين المحورين من المخاطر، يأتي تقييم دور واشنطن، لا سيّما بعدما عرّضت قراراتها الأخيرة منطقة الخليج بأكملها لأضرار واسعة كان بالإمكان تجنّبها، بعد أن اصبحت بنيتها التحتية العسكرية مصدراً للضعف أكثر منها أداة للردع.

 

فضلاً عن ذلك، دأبت واشنطن على تقديم المصالح الإسرائيلية على مصالح حلفائها العرب، ما يزيد الشكوك في إمكانية الاعتماد عليها، خصوصاً مع اتساع طموحات إسرائيل الإقليمية. فهذه كانت الخلاصة الرئيسية التي خرجت بها المنطقة من أحداث غزة ولبنان وسوريا وإيران، ورسخّتها الضربات الإسرائيلية على الدوحة في 2025، حين لم يوفّر المقرّ الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية أي حماية.

 

هذا التقييم لم يدفع نحو البحث عن راعٍ بديل، بل عزّز القناعة بأن على دول المنطقة تحمّل مسؤولية أمنها بنفسها، مع إدراك أن قوّة مهيمنة واحدة لا تستطيع بمفردها إقامة نظام يهيمن على المنطقة. ومن هنا، ينبغي أن تشكل القوى الإقليمية الكبرى ركائز لمنظومة أمنية جماعية، يمكن أن تنضم إليها دول أخرى في نهاية المطاف.

 

 

تحوّط لا تكتل

 

في ظلّ ما أحدثته أزمة ما بعد 7 أكتوبر والحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية من تغييرات في النظام الإقليمي، قد تُسهم مبادرة هذه القوى الكبرى الثلاث لبناء إطار أمني جديد في رسم ملامح النظام الذي سيحلّ محلّه.

 

تَحمل هذه المبادرة دلالات سياسية خاصة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بعدما قوّضت الحرب حضورها الإقليمي ومظلّتها الأمنية. إذ تأتي الاتفاقية جزئياً ردّاً على تآكل مصداقية واشنطن، فتضيفُ آليات جديدة إلى إستراتيجية الردع لدى كلّ دولة عضو، حتى أنها قد ترسي في نهاية المطاف أسس فصل القوّة الأمريكية عن الأمن الإقليمي بالكامل.

 

وبما أن الدول الثلاث الموقعة على الاتفاقية ترتبط بشراكات مع واشنطن، فمن غير المرجح أن تثير بحدّ ذاتها توترات كبيرة مع الولايات المتحدة، إذ تُمثّل أداة تحوّط بين شركاء لواشنطن، لا تكتلاً موجهاً ضدها. فلا تسعى أيّ من الدول الموقعة إلى استبدال الولايات المتحدة كمورّد للأسلحة أو كشريك، لكن من المتوقع أن يزداد اعتماد دول المنطقة على الصناعات الدفاعية التركية ضمن مُشترياتها، بالتوازي مع تنمية السعودية صناعاتها الدفاعية المحلية في إطار “رؤية 2030”.

 

من شأن تعزيز التنسيق أن يمنح الدول الأعضاء موقفاً تفاوضياً أقوى في ملفات المشتريات ونقل التكنولوجيا ودبلوماسية الأزمات. وقد يشجع ذلك واشنطن على النظر إلى المجموعة باعتبارها إطاراً أمنياً بديلاً عن تكتل “اتفاقيات أبراهام”، يقوم على تقاسم الأعباء الأمنية بين دول المنطقة. كما ستكون للاتفاقية انعكاسات على المفاوضات النووية المتعثرة مع الرياض.

 

 

اتساع دائرة ردود الفعل

 

على الرغم من أن الاتفاقية تستهدف رسمياً تعزيز الردع المشترك لا الاحتواء، فإنها سرعان ما لفتت انتباه إسرائيل وإيران، شأنها في ذلك شأن المشاورات التي أفضت إليها. فقبل أيام من شنّ الحرب على إيران في فبراير 2026، تحدّث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تشكيل تحالف “سداسي” لمواجهة ليس فقط “التحالف الشيعي المتطرف” بقيادة إيران، وإنما أيضاً “تحالف سني متطرف آخذ في التشكل”، في إشارة واضحة إلى مجموعة R4.

 

كما وصف مسؤولون إسرائيليون آخرون، بينهم شخصيات حكومية، تركيا مراراً بأنها الخصم الرئيسي المقبل لإسرائيل بعد إيران. إلى ذلك، من المرجح أن تقلّص الاتفاقية فرص تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، فيما تُدخل قوة مُسلحة نووياً في تحالف رسمي مع دولتين قد تُصبحان خصمين لإسرائيل.

 

 لا تشكل هذه الاتفاقية في الوقت الراهن تهديداً وشيكاً لإسرائيل، ولا يبدو أنها تتعامل معها على هذا الأساس، فمن المؤكّد أنها ستأخذها في الحسبان عند وضع خططها الأمنية مستقبلاً.

 

من جانبها جاء ردّ إيران مُحايداً، إذ قبلت التطمينات العلنية بأن الاتفاقية لا تستهدفها. وفي الواقع، تُفضّل إيران الترتيبات الإقليمية التي تستبعد القوى الخارجية، ولا سيّما الولايات المتحدة، انطلاقاً من حسابات واقعية. لكن الاتفاقية تشكّل في الوقت نفسه ثقلاً موازناً لطموحات طهران، التي قد تكون آخذة في التوسّع في الخليج، وتحدُّ من قدرتها على إدخال السعودية ضمن استراتيجية الردّ التي اتبعتها طوال هذه الحرب. ولن يكون مفاجئاً أن تختبر إيران الاتفاقية بصورة غير مباشرة. وبالفعل، بعد يومين فقط من توقيعها، استهدفت جماعة “أنصار الله” المتحالفة مع إيران مصفاة لـ”أرامكو” في جازان.

 

أمّا الهند، فقالت إنها “تتابع الاتفاقية عن كثب“، فلا ينبع قلقها من احتمال وجود قوات تركية أو سعودية على خطّ المراقبة مع باكستان، وهو سيناريو لا يتوقعه أحد، بل من حجم الإمدادات العسكرية التي يمكن أن تقدمها تركيا، والدعم المالي الذي قد توفره السعودية لإسلام آباد خلال أزمة طويلة الأمد، وهو عامل سيؤثّر في حسابات نيودلهي عند وقوع أي أزمة مقبلة.

 

 

الخليج وحدود توسيع التحالف

 

بالنسبة إلى مجلس التعاون الخليجي، لا تهدف الاتفاقية إلى استبدال الأطر القائمة، بل إضافة بُعد جديد إلى المنظومة الدفاعية لكلّ طرف، وهو ما يجعلها أساساً جذّاباً لانضمام دول أخرى. ونظراً إلى العلاقات العسكرية الوثيقة التي تجمع قطر بتركيا وباكستان، تبدو الدوحة، إلى جانب مصر، من أبرز المرشحين للانضمام.

 

أما الإمارات، فيُرجح أن تكون الاستثناء في الوقت الراهن، بعدما أعطت الأولوية لـ”استقلاليتها الاستراتيجية”، في ظلّ خلافات مع الرياض حول عدد من القضايا، بالتوازي مع تعميق علاقاتها الأمنية مع إسرائيل. وفي جميع الأحوال، لا تقتصر الاتفاقية على كونها تحالفاً عسكرياً ضيّق النطاق.

 

وفيما تهدف “اتفاقية مكة” إلى تعزيز قدرات الدفاع المشترك، فإنها لا تخلو من المخاطر على الأطراف الموقّعة عليها. ولعلّ الخطر الأكثر إلحاحاً حالياً يكمن في عدم مصادقة البرلمانين التركي والباكستاني عليها حتى الآن. وإذا تعثّرت المصادقة في أي من البلدين، فسيوجّه ذلك ضربة قوية للتحالف.

 

المصادقة والتصعيد

 

يرتبط الخطر الرئيسي الثاني باحتمال أن يٌواجه التحالف اختباراً قبل اكتمال بنائه، فيضطر للردّ أو أن تتضرر مصداقيته قبل أن يصبح قادراً على الردّ بفاعلية. ولدى كلّ من إسرائيل وإيران أسباب تدفعهما إلى اختبار الاتفاقية أو محاولة تقويضها قبل أن تترسخ، وما الهجوم على جازان إلا مؤشر مبكر على ذلك.

 

وإذا اضطرت تركيا إلى الانخراط في ردّ عسكري ضدّهما، فسيعني ذلك دخول طرف جديد إلى الحرب واتساع دائرة التصعيد، كما قد يحدث، على سبيل المثال، إذا ردّت جماعات مسلحة متمركزة في العراق باستهداف تركيا.

 

وكان لالتزامات تحالفية من هذا النوع دور بنيوي في اندلاع الحرب العالمية الأولى، ولا يزال الخطر نفسه قائماً اليوم، إذ إنّ ضماناً أمنياً صُممّ لردع الصراع قد يُؤدي في المقابل إلى توسيع نطاقه.

 

أمّا الخطر الثالث، فيُعزى إلى طبيعة تكوين التحالف. فالدول الموقّعة لا تجمعها حدود مشتركة، ورغم تقاطع نظرتها إلى بعض التهديدات، فإنها تختلف بشكل كبير حيال أخرى. فاهتمام الرياض ينصبّ بالدرجة الأولى على منطقة الخليج والبحر الأحمر، فيما تتركز مخاوف إسلام آباد على الهند، وأنقرة على المشرق. بالتالي، من الصعب أن تمتد مظلّة أمنية واحدة لتشمل العواصم الثلاث في آن واحد. كما أن تضمّن الاتفاقية بنداً للدفاع المشترك على غرار “الناتو” قد يُلزم الدول الموقّعة بالردّ على تهديدات بعيدة عن حدودها، ما قد يثير معارضة داخلية.

 

 

اقتصاديات التقارب

وفي مقابل هذه المخاطر، تبرز إمكانية تحقيق ردع فعّال وبناء منظومة أمنية إقليمية تنبع من دول المنطقة نفسها، ما يمنحها قدراً أكبر من الاستقرار والشرعية مقارنة بسابقاتها، كونها من صنع الدول التي ستعتمد عليها في أمنها. وإذا أثبتت هذه المنظومة نجاحها واستقطبت مزيداً من الدول، فقد تُسهم إلى حدّ كبير في تحقيق الاستقرار وتعزيز التعاون الأمني اللذين طال انتظارهما في المنطقة.

 

ولا تقلّ الفرص المادية أهمية، بدءًا من مبيعات الأسلحة وتطوير الصناعات الدفاعية إلى توطيد العلاقات التجارية، بما في ذلك المشتريات الدفاعية. وفي هذا السياق، تبرز تكنولوجيا الطائرات المسيّرة التركية بوصفها مجالاً رئيسياً للتعاون، كما يتضح من شراء الرياض منظومة “أقنجي” من شركة “بايكار” في 2023، بموجب أكبر عقد تصدير دفاعي تبرمه تركيا. كما يُمكن أن تُؤدي باكستان دوراً في تطوير البرنامج النووي السعودي، فحتى الغموض المحيط بهذه المسألة قد يمنح الرياض ورقة ضغط في مفاوضاتها المتعثرة مع واشنطن. وفي المحصّلة، قد تُرسي الاتفاقية إطاراً لشراكة قد تكون أبعادها الاقتصادية والسياسية أكثر تأثيراً من بعدها العسكري.

 

 

خطوات بناء التحالف

 

يُركّز المسار الرئيسي في المرحلة المقبلة على إرساء الهياكل اللازمة لاستمرار التحالف، بدءاً بمصادقة البرلمانين التركي والباكستاني على الاتفاقية، إلى جانب تشكيل اللجنة الوزارية وإنشاء الأمانة العامة في السعودية، وهما من الأولويات المباشرة للتحالف. ومن المقرر أن تُحدَّد التفاصيل التشغيلية للتحالف لاحقاً، خلال الاجتماع الأول للجنة.

 

بعد ذلك، يُرجح أن يعمل التحالف على بناء هياكل مشتركة، تشمل قيادة متكاملة، وتخطيطاً مشتركاً، وتمركزاً مسبقاً، فضلاً عن آليات مشتركة للدفاع الجوي والبحري. لكن يبقى السؤال حول مدى قدرة جيوش الدول الثلاث على العمل معاً كقّوة واحدة.

 

فالقوّات السعودية مُجهزة في معظمها بالاعتماد على منصات أمريكية وأوروبية، فيما تستخدم القوات الباكستانية مزيجاً من الأنظمة الصينية والمعدات الأمريكية القديمة والأسلحة المصنعة محلياً. أمّا القوات التركية، فتعمل وفق معايير حلف “الناتو”، مع اعتماد متزايد على صناعة دفاعية محلية تشهد نمواً سريعاً.

 

ويتطلب دمج قدرات الدفاع الجوي والبحري، على وجه الخصوص، شبكات مشتركة لتبادل البيانات، ومنظومة موحدة للقيادة والسيطرة، وذخائر متوافقة، وهي مقوّمات لا تتوافر حالياً بين جيوش الدول الثلاث.

 

استغرق حلف شمال الأطلسي “الناتو” عقوداً للوصول إلى المستوى الحالي من توحيد المعايير بين دوله الأعضاء، رغم أن معدات جيوشها كانت أكثر تشابهاً بكثير من تلك التي تمتلكها الدول الموقّعة ضمن مجموعة “R4”. لذلك، يُرجح أن يركز التحالف في المدى القريب على التدريبات العسكرية المشتركة، وتبادل ضباط الارتباط، وتنسيق المشتريات الدفاعية في مجالات محدّدة، حيث تُعد الطائرات المسيّرة التركية أبرز مثال على ذلك.

 

وفي مسار آخر محتمل، قد يتجه التحالف إلى توسيع عضويته، وتبدو مصر وقطر أبرز المرشحين للانضمام، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام دول أخرى مستقبلاً.

 

 

سيناريوهات مسار التحالف

 

يُشير تفاعل هذه العوامل إلى ثلاثة مسارات محتملة للتحالف خلال العام المقبل.

 

يتمثّل المسار الأول في ترسيخ مؤسسات التحالف، من خلال مصادقة أنقرة وإسلام آباد على الاتفاقية، واستكمال تشكيل الأمانة العامة واللجنة الوزارية في الموعد المحدد. بعدها، يمضي التحالف بحذر نحو إجراء تدريبات مشتركة وتنسيق المشتريات الدفاعية في مجالات محددة، من دون التسرّع في توسيع العضوية.

 

ويُعدُّ هذا السيناريو الأكثر سلاسة، لكنه يتوقف على نجاح المصادقة في العاصمتين، وعلى قدرة التحالف على مقاومة الضغوط لضمّ أعضاء جدد قبل أن تصبح مؤسساته جاهزة للعمل.

 

وفي المسار الثاني، قد يواجه التحالف اختباراً مبكراً يوسّع نطاق الصراع، إذ قد تُواصل إسرائيل أو إيران، مباشرة أو عبر حلفائهما، اختبار مصداقية الاتفاقية، كما يُوحي الهجوم على جازان.

 

وإذا اضطرت تركيا إلى الردّ عسكرياً، سواء على الحوثيين أو الجماعات المسلحة المتمركزة في العراق، فسيواجه التحالف أول اختبار فعلي لتفعيل التزاماته قبل اكتمال آليات التشاور، ما قد يؤدي إلى اتساع نطاق التصعيد بدلاً من احتوائه.

 

أمّا في المسار الثالث، قد تتعثّر المصادقة ويتراجع زخم التحالف. فقد تفشل المصادقة البرلمانية على الاتفاقية أو تتأجل إلى أجل غير مسمى في أنقرة أو إسلام آباد، ما يبقيها اتفاقاً بين القادة من دون قوة إلزامية داخلية.

 

وقد يؤدي ذلك بدوره إلى تعثّر محادثات انضمام مصر وقطر، إذ قد تتردّد الدول المرشحة في الانضمام رسمياً إلى إطار لم يستكمل أعضاؤه المؤسسون أنفسهم المصادقة عليه. وعندها، قد يبقى التحالف رسالة سياسية، بدلاً من أن يصبح إطاراً عملياً.

 

 

الخاتمة

 

تتوقف مصداقية “اتفاقية مكة” في المدى القريب على كيفية حسم الجوانب الغامضة فيها على أرض الواقع، لا على قوة الصياغة المستوحاة من المادة الخامسة في ميثاق “الناتو”.

 

ومن شأن نشر آلية تحدّد إجراءات تفعيل الاتفاقية، بدلاً من نشر نصها كاملاً، أن يحافظ على مرونة الردّ التي تطمئن الأعضاء، وفي الوقت نفسه يزيل الغموض الذي قد يدفع الخصوم إلى اختبارها. ويمكن تحقيق الأمرين عبر بروتوكول معلن للتشاور، يحدّد بوضوح الحالات التي تستدعي تفعيل الاتفاقية والإطار الزمني للتشاور، من دون فرض التزام بردّ محدد

 

ويبقى نطاق الضمان الأمني بدوره غير محسوم، ولا سيما ما إذا كان يشمل كشمير أو بحر إيجه. وقد يكون ترك هذه المسألة معلّقة أكثر خطورة من حسمها، لأنّ رفض تفعيل الاتفاقية إذا اندلعت أزمة في أيّ من المنطقتين سيكشف حدودها الفعلية، وسيكون أثره أشد ضرراً من استبعادهما صراحة من نطاق الضمان.

 

ينبغي أن يأتي توسيع العضوية بعد ترسيخ مؤسسات التحالف، لا أن يسبقه. فانضمام مصر قبل استكمال تشكيل الأمانة العامة وإجراء أول تدريب مشترك من شأنه أن يضيف تصوّرات جديدة للتهديدات إلى تحالف لم يطوّر بعد آلية للتوفيق بينها.

 

ومع ذلك، تبقى المصادقة على الاتفاقية شرطاً أساسياً يسبق جميع هذه الخطوات. فلن يصبح التحالف مهيأً لاستقطاب أعضاء جدد والصمود أمام الاختبار الذي يُرجح أن تضعه إيران وإسرائيل أمامه، إلا بعد أن تحوّل أنقرة وإسلام آباد اتفاق القادة إلى التزام راسخ على مستوى الدولة.