هرمز وطريق الحرير الجديد: الاقتصاد الإيراني من الخليج إلى الصين

تقدير موقف، أغسطس 2026
3 أغسطس، 2026

تدخل إيران النصف الثاني من عام 2026 وهي تواجه واحدة من أكثر الأوضاع الاقتصادية صعوبة في تاريخها الحديث. يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 6.1% في عام 2026، مع تضخم يبلغ 68.9% وبطالة تصل إلى 9.2%. ولا يوجد مكان يتجلى فيه الضغط أكثر من العملة نفسها: يحافظ البنك المركزي على سعر صرف رسمي يبلغ حوالي 42,000 ريال مقابل الدولار الأمريكي، بينما يعتمد عشرات الملايين من الإيرانيين في تعاملاتهم اليومية على السوق الموازية (السوق السوداء)، حيث بلغ سعر الصرف هناك 1.8 مليون ريال في أواخر أبريل 2026، أي أكثر من 42 ضعف السعر الرسمي. وقد سلك التضخم مسارًا مشابهًا؛ إذ سجّل البنك المركزي معدل تضخم سنوي بلغ 53.7% بنهاية مارس 2026، بينما قفز التضخم من نقطة إلى نقطة إلى 73.5% خلال الفترة ذاتها، قبل أن يتراجع إلى 67% بحلول منتصف أبريل، وفقًا لأرقام البنك المركزي.

 

لا يمكن فصل هذا التدهور عن علاقات إيران التجارية الخارجية، وهذا البعد من الأزمة هو ما يستدعي فحصًا أدق لعلاقات البلاد بدول الخليج والصين. فعلى مدى عقود، ارتكزت مرونة الاقتصاد الإيراني على ركيزتين: الوصول إلى شبكة تجارية إقليمية واسعة تتمحور إلى حد كبير حول جيرانها الخليج، وبشكل متزايد، الصين، التي باتت تستوعب الآن أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحريًا، وتُعد الشريك الاقتصادي الأهم لطهران. غير أن العلاقة مع الصين تتسم بعدم التكافؤ. فقد استوردت الصين ما يقارب 1.38 مليون برميل يوميًا من النفط الخام الإيراني في عام 2025، وفقًا لبيانات تتبع الناقلات الصادرة عن شركة كبلر، وهو ما لا يمثل سوى نحو 12% فقط من إجمالي واردات الصين النفطية ما يعني أن ما يشكل شريان حياة بالنسبة لطهران يظل هامشيًا في حسابات بكين. وتواجه الركيزتان كلتاهما اليوم ضغطًا كبيرًا: فقد كشفت الحرب عن هشاشة شريان التجارة الإيراني مع الخليج، بينما تحمل العلاقات مع الصين نقاط ضعف خاصة بها. وسيتوقف إلى حد كبير مستقبل التعافي الاقتصادي الإيراني على كيفية موازنة طهران بين هاتين العلاقتين، وما إذا كانت قادرة على الحفاظ على قدر كافٍ من المرونة لتجنب الاعتماد المفرط على أي منهما

 

التكيف الخليجي مع نفوذ هرمز

 

يبقى مضيق هرمز بالنسبة لإيران أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها. فحوالي خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، تمر عبر المضيق سنوياً، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية. ولذلك تمنح الجغرافيا طهران مصدراً للنفوذ تزداد أهميته كلما اتسع نطاق العقوبات والضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية التي تُقيّد خياراتها الأخرى.

 

غير أن طبيعة تلك النفوذ في تغير. فبعد أن كان يُنظر إلى المضيق سابقًا من منظور عسكري وأمني في المقام الأول ، أصبح اليوم قضية أكثر شمولاً ترتبط بحوكمة الاقتصاد الإقليمي. فالخلافات المتعلقة بالمضيق لا تنحصر في الترتيبات الأمنية، بل باتت تشمل حرية الملاحة، وتأمين الشحن، والوصول التجاري، وإدارة تدفقات التجارة الإقليمية. وبهذا أصبح هرمز نقطة التقاء بين الاقتصاد والسياسة والأمن.

 

وبينما يوفر مضيق هرمز ركيزة رئيسية لإيران تعمل من خلالها على حماية على نفوذها، لا سيما بعد تراجع مصادر قوّتها الاقتصادية والدبلوماسية التقليدية، بات هرمز يُشكّل نقطة ضعف لدول الخليج، كونه يُشكّل الشريان الرئيسي الذي تمر عبره صادرات الطاقة والواردات الصناعية والإمدادات الغذائية والأنشطة التجارية نحو الأسواق العالمية. وبالتالي، فإن أي غموض يتعلق بالملاحة أو ترتيبات العبور أو الأمن البحري يحمل تداعيات اقتصادية مباشرة على هذه الدول. وهذا يفسر تبني دول الخليج بصورة متزايدة نهجاً جماعياً تجاه أمن الملاحة وحرية العبور، حيث تتجاوز مخاوفها المساحة جيوسياسية، لتصل إلى مخاوف اقتصادية جمة.

 

تكمن أهمية هذا النهج في وضع حد لاستراتيجية الفصل بين الملفات التي اعتادت إيران على اتباعها إقليمياً؛ إذ لم يعد ممكناً تحييد التعاون الاقتصادي الثنائي مع بعض دول الخليج عن التوترات الإقليمية العامة، وذلك بسبب ارتباط سلاسل الإمداد ومخاطر الشحن والتأمين بالاستقرار السياسي والأمني الشامل، الذي أصبح معياراً حاسماً في عملية بناء الثقة الاقتصادية.

 

وفي هذا الإطار، تعمل دول الخليج على التكيف مع هذه المخاطر. فقد وسّعت المملكة العربية السعودية استخدام خط أنابيب النفط الخام بين الشرق والغرب، واستمرت في الاستثمار في البنية التحتية للتصدير عبر البحر الأحمر، بينما عززت الإمارات منشآت الفجيرة وغيرها من المسارات التي تتجاوز مضيق هرمز. قد لا تستطيع هذه البدائل من عدم استخدام المضيق بالكامل، لكنها تقلل الاعتماد على هذا الممر الحيوي، وتوفر هامش من المرونة في أوقات النزاع.

 

وهنا تظهر مفارقة مهمة بالنسبة إلى إيران: كلما استخدمت طهران مضيق هرمز كأداة للضغط وتوسع النفوذ، كلما ازدادت حوافز الدول المجاورة للبحث عن بدائل وتقليل الاعتماد على المضيق.

 

وعليه، فإن المعضلة الحقيقية أمام طهران لن تقتصر على حماية المكانة الحيوية للمضيق فحسب، بل ستكون في مدى قدرتها على استثمار تفوقها الجغرافي بالتوازي مع إعادة بناء الثقة التجارية الدولية التي فقدتها خلال الحرب، والتي تُشكل شرطاً أساسياً لتحقيق أي تعافٍ اقتصادي مستدام؛ وهي معادلة تزداد تعقيداً مع تنامي النفوذ الجيو-اقتصادي للصين ودورها المؤثر في تشكيل ملامح المستقبل الاقتصادي لإيران.

 

 

تأثير الحرب على العلاقات الاقتصادية بين الخليج وإيران

 

لا يمكن لأي قراءة لعلاقات إيران التجارية مع الخليج أن تتجاهل الأضرار التي خلّفتها الحرب نفسها. فقد ألحقت الضربات الإيرانية على البنية التحتية الطاقية في الخليج أضرارًا اقتصادية جسيمة بالجيران أنفسهم الذين تعتمد عليهم إيران في منظومتها التجارية الإقليمية، إذ طالت الضربات منشآت الغاز الطبيعي المسال في راس لفان بقطر، ومصفاة رأس تنورة في السعودية، ومصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبدالله في الكويت، ومصفاة الرويس في الإمارات، ومصفاة سترة في البحرين. وعلى إثر ذلك، أوقفت قطر للطاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال بالكامل نتيجة لذلك إذ يُتوقع أن يبقي الضرر الذي لحق بمحطة “بيرل” لتحويل الغاز إلى سوائل، هذه المحطة خارج الخدمة لمدة عام على الأقل. يُقدَّر أن تستغرق إصلاحات القدرة الإنتاجية الأوسع للغاز المسال في قطر ما بين 3 إلى 5 سنوات. ردّت دول الخليج بالتصريح علنًا بأن الثقة قد تزعزعت، وإن كانت قد امتنعت عن الرد العسكري، محافظةً على موقف الحياد الرسمي رغم تعرضها لهجمات متكررة.

 

ويخلق هذا الأمر مفارقة جوهرية في صميم أي سيناريو لإعادة الانخراط الإقليمي. ذلك أن المنظومة التجارية الخليجية التي توفر لإيران شبكات لوجستية ووساطة مالية، تقوم على أساس من الثقة التجارية التي قوّضتها بشدة تصرفات إيران نفسها في زمن الحرب. ولا يقتصر الأمر على مدى استعداد الحكومات الخليجية لإعادة الانخراط اقتصاديًا مع إيران، بل يتساوى معه في الأهمية مدى استعداد البنوك الخاصة وشركات التجارة وشركات التأمين ومشغلي الخدمات اللوجستية التي تُشكّل هذه المنظومة لأن تحذو حذوها، نظرًا لما يمكن أن تتوقعه من تدقيق تنظيمي مشدد على المعاملات المرتبطة بإيران، ولحداثة عهدها بذاكرة الضربات الإيرانية على البنية التحتية الإقليمية.

 

لا ينبغي التقليل من أهمية وحجم هذه المنظومة. فالإمارات العربية المتحدة وحدها تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، إذ بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بينهما نحو 27 مليار دولار؛ كما قفزت الصادرات الإماراتية إلى إيران من أقل من 6 مليارات دولار إلى 22 مليار دولار خلال السنوات السبع التي تلت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وباستثناء النفط الخام، تكاد التجارة الثنائية بين إيران والإمارات تعادل حجم تجارتها مع الصين، لدرجة أن شريكًا خليجيًا واحدًا يضاهي مجمل العلاقة غير النفطية بين إيران والصين.

 

 

الصين وعلاقاتها مع إيران والخليج

 

في ظلّ تراجع آفاق الاندماج الاقتصادي الإيراني  الخليجي، في ضوء استمرار انعدام الثقة الأمنية، وتنويع دول الخليج لمساراتها التصديرية بعيداً عن مضيق هرمز، فضلاً عن الحذر المتنامي لدى المستثمرين والشركات الإقليمية في أعقاب الحرب, تبدو الصين البديل الأكثر وضوحاً أمام إيران. فعلى مدار العقد الماضي، برزت بكين بوصفها الشريك الاقتصادي الأهم لطهران، لا سيما في قطاع الطاقة.  وأصبحت الوجهة الرئيسية للنفط الخام الإيراني، مما يوفر لطهران مصدراً حيوياً للإيرادات، في وقت لا تزال فيه العقوبات تحد من وصولها إلى العديد من الأسواق الدولية.

 

غير أن الافتراض بأن الصين يمكن أن تحل ببساطة محل الخليج يتجاهل فارقًا جوهريًا بين العلاقتين. فالصين هي أكبر سوق للنفط الإيراني، وقادرة على الاستثمار في البنية التحتية الإيرانية، وتضمن ممرات تجارية تربط إيران بأسواق أوسع في أوراسيا. أما الخليج، في المقابل، فيشكّل منظومة اقتصادية متكاملة، توفر لإيران شبكات لوجستية أساسية وخدمات مالية وبنية تحتية للشحن ومرافق تخزين وتأمينًا، إلى جانب ميزة القرب الجغرافي التي تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات والوصول إلى الأسواق العالمية. وقد نضجت هذه الروابط التجارية على مدى عقود لتتحول إلى منظومة تجارية إقليمية يصعب على أي شريك خارجي منفرد أن يحل محلها.

 

هذا التمييز ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني الداخلي. فارتفاع عائدات الصادرات النفطية وغير النفطية إلى الصين، مع الافتراض أن الصين قادرة على استيعاب المعروض ومستعدة لزيادة اعتمادها على إيران، لن تؤدي تلقائياً إلى تعافٍ اقتصادي شامل بالنسبة إلى إيران،  إذ تبقى مشكلات هيكلية كضعف الإنتاجية وتشوهات الحوكمة الاقتصادية خارج نطاق تأثير أي علاقة تجارية خارجية إلى حد كبير.

 

بالإضافة على ذلك، كلما ازدادت تبعية إيران للسوق الصيني، أصبحت أكثر عرضة للتأثر بالتغيرات في السياسات الصينية، أو أولويات الاستثمار، أو ظروف السوق أو الحسابات الجيوسياسية. وحتى هذه العلاقة نفسها ليست خالية من مواطن الضعف؛ فقد استهدفت العقوبات الأمريكية مرارًا مصافي “أباريق الشاي” الصينية الصغيرة التي تعالج الجزء الأكبر من الصادرات النفطية الإيرانية، حيث فرضت عقوبات متعددة في عامي 2025 و2026 ضغطًا مباشرًا على الشبكة التي تتعامل مع النفط الخام الإيراني. وبذلك فإن أكثر قنوات التصدير الإيرانية موثوقية يظل هو الآخر رهينًا لاستعداد بكين لمواصلة تحمّل كلفة هذا التعرض للعقوبات. تجلّى هذا التقلب بوضوح خلال الحرب، إذ بلغت الصادرات الإيرانية إلى الصين مستوى قياسيًا بلغ 2.16 مليون برميل يوميًا في فبراير 2026، وهو الأعلى منذ عام 2018، في ظل تخزين استباقي قامت به بكين قبيل اندلاع النزاع. ثم تراجعت الشحنات إلى نحو 1.22 مليون برميل يوميًا بمجرد اندلاع الحرب، قبل أن تنخفض واردات الصين من النفط الخام الإيراني إلى النصف مجددًا في يونيو لتصل إلى نحو 654 ألف برميل يوميًا، أي أقل من ثلث الذروة التي سُجلت في فبراير. وقد تجد إيران صعوبة في تصريف نفطها بالكامل حتى بعد تخفيف القيود، ذلك أن أكبر عملائها يعيد في الوقت ذاته صياغة استراتيجيته الخاصة في مجال الطاقة: إذ خفّضت الصين إجمالي وارداتها من النفط الخام من 11.7 مليون برميل يوميًا في فبراير إلى أقل من 9 ملايين برميل بحلول منتصف العام، معتمدة على سحب احتياطياتها الاستراتيجية بدلًا من تعويض الإمدادات الإيرانية المفقودة، حيث شكّل هذا التراجع نحو 74% من الانخفاض العالمي في واردات النفط الخام خلال تلك الفترة.

 

 بالنسبة إلى الصين، فإيران ليست سوى جزء واحد ضمن استراتيجية إقليمية أكثر اتساعاً. فالعلاقات الاقتصادية الصينية مع دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تفوق بكثير حجم علاقتها الاقتصادية مع إيران، حيث تُشكّل دول الخليج مورداً أساسياً للطاقة ووجهة متنامية للاستثمارات والتكنولوجيا ومشروعات البنية التحتية الصينية. ولذلك نجد أن الصين نفسها ليست معنية باستراتيجية إحلال الخليج محل إيران أو العكس.

 

من منظور بكين، يبقى الاستقرار الإقليمي هو النتيجة المفضلة. إذ تستفيد الصين من أمن طرق الملاحة، واستمرار تدفقات الطاقة، واستقرار العلاقات التجارية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وعلى الرغم من اعتمادها الكبير على النفط الإيراني، فإنها تعتمد أيضاً على صادرات الطاقة الخليجية وتحافظ على شراكات اقتصادية واسعة مع دول المنطقة. ولذلك تمتلك الصين حوافز قوية للحفاظ على الاستقرار بدلاً من دعم ترتيبات من شأنها إضعاف الترابط الاقتصادي الخليجي.

 

وهذا يفرض قيداً مهماً على فكرة التحول الإيراني الكامل نحو الشرق. فالدولة الأكثر قدرة على مساعدة إيران في تنويع خياراتها بعيداً عن الخليج هي نفسها الدولة الأكثر استفادة من استمرار الترابط الاقتصادي الخليجي. فالصين لا تسعى إلى استبدال دور الخليج في التجارة الإقليمية، بل تستفيد من بيئة إقليمية تبقى فيها كل من إيران ودول الخليج مندمجة في الشبكات التجارية والاقتصادية الأوسع نطاقاً. لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه طهران يتمثل في تحقيق التوازن لا الاستبدال. والتخلي عن أحد الطرفين لصالح الآخر لن يحل التحديات الاقتصادية الإيرانية، بل سيستبدل مجموعة من القيود بمجموعة أخرى.

 

 

قيود الاقتصاد السياسي والحوكمة الداخلية

 

على الرغم من أن العقوبات والتوترات الإقليمية تفسر جانباً مهماً من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها إيران، فإن التركيز على العوامل الخارجية وحدها قد يحجب جانباً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الاختلالات البنيوية المتراكمة داخل الاقتصاد الإيراني نفسه. فحتى في حال تحسن البيئة الإقليمية أو توسع العلاقات الاقتصادية مع الصين، ستبقى قدرة إيران على تحويل هذه الفرص إلى نمو اقتصادي مستدام مرتبطة بقدرتها على معالجة مشكلات داخلية عميقة الجذور.

 

تتمثّل إحدى أبرز هذه المشكلات في ضعف الإنتاجية وتراجع الاستثمار المنتج. فعلى الرغم من امتلاك إيران قاعدة صناعية واسعة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الإقليمية، إلا أن سنوات العقوبات وعدم اليقين الاقتصادي والقيود المفروضة على نقل التكنولوجيا والاستثمار أدت إلى تآكل القدرة الإنتاجية في العديد من القطاعات. كما أسهمت أزمات الطاقة المتكررة ونقص الكهرباء والغاز في تقليص الإنتاج الصناعي وإضعاف تنافسية الاقتصاد الإيراني.

 

وتبرز كذلك مشكلة الحوكمة الاقتصادية وتداخل المصالح بين المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية. فخلال العقود الماضية توسّع دور المؤسسات شبه الحكومية والمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري في قطاعات واسعة من الاقتصاد، من البنية التحتية والطاقة إلى الاتصالات والخدمات. وقد أسهم هذا الواقع في تقليص هامش المنافسة، وإضعاف دور القطاع الخاص، وإثارة مخاوف المستثمرين المحليين والأجانب بشأن الشفافية وتكافؤ الفرص. كما أن استمرار التدخلات غير الاقتصادية في النشاط التجاري والاستثماري يقلص فرصة جذب رؤوس الأموال الضرورية للنمو طويل الأجل.

 

كما تواجه إيران تحديات متزايدة في إدارة الموارد والبنية التحتية، خصوصاً في قطاعي المياه والطاقة. وقد تحوّلت أزمات المياه والجفاف والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى قيود مباشرة على النشاط الاقتصادي والإنتاج الزراعي والصناعي، ما يعكس تراكم مشكلات تتعلق بالتخطيط والاستثمار وإدارة الموارد على مدى سنوات طويلة. وقد أصبحت هذه القضايا جزءاً من النقاش الداخلي حول كفاءة الإدارة الاقتصادية للدولة وقدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

 

لذلك، فإن إعادة الانخراط الاقتصادي مع دول الخليج أو توسيع الشراكة مع الصين قد يوفر متنفساً مهماً للاقتصاد الإيراني، لكنه لن يكون كافياً بمفرده لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام. فاستمرار ضعف الإنتاجية، والتشوهات في بيئة الأعمال، والضغوط المالية، وتراجع ثقة المستثمرين، قد يؤدي إلى امتصاص جزء كبير من المكاسب المحتملة الناتجة عن أي انفتاح خارجي. ومن ثم، فإن مستقبل الاقتصاد الإيراني سيتحدد ليس فقط بقدرته على الحفاظ على قنوات الترابط الاقتصادي مع الخليج والصين، بل أيضاً بقدرته على تنفيذ إصلاحات داخلية تعالج الاختلالات البنيوية التي تراكمت خلال العقود الماضية.

 

 

الخيارات الخارجية والتداعيات الداخلية

 

استناداً إلى هذه المعطيات المتراكمة، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية لما بعد توقف الحرب.

 

السيناريو الأول: الانخراط المشروط

في هذا السيناريو، وهو الأكثر ترجيحًا، تبقى التوترات تحت السيطرة، لكن حالة الاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز ستستمر. وتواصل دول الخليج الانخراط دبلوماسياً مع إيران، بالتوازي مع الاستثمار في طرق تجارة بديلة وبنية تحتية للتصدير وممرات لوجستية تهدف إلى تقليل التعرض لأي اضطرابات مستقبلية، كما ستستمر الصين في شراء النفط الإيراني، إلا أن الشركات والمستثمرين في المنطقة سيبقون حذرين. وعلى الصعيد الداخلي، سينتج عن ذلك وضع مركب. فإيران ستتجنب تدهوراً اقتصادياً حاداً، لكن العديد من تحدياتها الهيكلية ستبقى دون حل.

 

ومن المرجح أن يظلّ التضخم مرتفعاً، وأن يواجه الريال ضغوطاً متكررة، بينما يبقى الاستثمار الخاص دون المستويات المطلوبة لتحقيق نمو مستدام، كما ستواصل الأسر مواجهة ضغوط ناجمة عن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في حين ستتعامل الشركات مع حالة مستمرة من عدم اليقين فيما يتعلق بالواردات والتمويل والحصول على العملات الأجنبية. وسيبقى الاقتصاد الإيراني مرتبطاً بالأسواق العالمية، ولكن من خلال منظومة أكثر هشاشة وتقييداً مقارنة بالماضي.

 

وبمعنى آخر، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يقود إلى تعافٍ اقتصادي شامل، بل إلى إدارة الأزمة واحتوائها. فإيران ستبقى قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الترابط الاقتصادي الخارجي، لكنها ستواجه صعوبة في تحويل هذا الترابط إلى نمو اقتصادي مستدام ما لم يترافق مع إصلاحات داخلية فاعلة.

 

علاوة على ذلك، فإن هذا الاحتواء هش لا مستقر. فالضغط الاجتماعي الداخلي، المدفوع بانخفاض الأجور واختفاء كثير من فرص العمل منذ فبراير 2026، وتضخم أسعار السلع الذي تصاعد إلى 113%، يشكّل أرضًا خصبة لاضطرابات مدنية قادرة على زعزعة حتى هذا المسار، وهو الأرجح من بين المسارات الثلاثة. ومع تصاعد تكاليف الحرب، تستمر مروحة الأدوات السياسية المتاحة لاحتواء هذا الضغط في التقلّص.

 

كما تخضع هذه الديناميكيات لاختبار عملية دبلوماسية هشة تتكشف فصولها في الوقت الراهن. فوقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب، والذي أُقرّ رسميًا في مذكرة إسلام آباد الصادرة في يونيو 2026، تعرّض بالفعل لضغوط جراء تجدد القتال في لبنان، وتبادل لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، وإغلاق قصير مجدد لمضيق هرمز، وخلافات لم تُحل بشأن عمليات التفتيش النووي. وقد حددت المذكرة مهلة زمنية مدتها ستون يومًا، تمتد حتى منتصف أغسطس 2026، للتفاوض حول مصير مخزون اليورانيوم المخصب لدى إيران وشروط تجميد البرنامج النووي، على أن يُربط تخفيف العقوبات بمدى التقدم المُحرز في هذا الملف. وقد تُحدّد نتيجة هذه المهلة مسار إيران بشكل أكثر حسمًا من أي متغير آخر على المدى القريب: إذ من شأن انهيارها أن يُرجّح تشديد الحذر الخليجي والغربي وأن يُكرّس اعتماد إيران على الصين، في حين أن التوصل إلى تسوية دائمة من شأنه أن يخفف هذا الضغط ويجعل إعادة الانخراط الإقليمي أكثر قابلية للتحقق.

 

السيناريو الثاني: إعادة الانخراط الإقليمي

في هذا السيناريو، تتراجع التوترات المرتبطة بالسيطرة على مضيق هرمز تدريجياً بين إيران وجيرانها الخليجيين، وتتقلص المخاوف المتعلقة بالأمن البحري. من المرجح أن يُدفع هذا المسار إلى الأمام لا عبر اختراق ثنائي منفرد، بل من خلال المنظومة الدبلوماسية الوسيطة ذاتها التي تشكّلت بالفعل مع نهاية الحرب: عُمان، التي طالما شكّلت القناة التقليدية للاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران وبين دول الخليج وإيران، إلى جانب قطر وباكستان، اللتين توسّطتا في التوصل إلى مذكرة إسلام آباد وما تزالان تُيسّران المحادثات النووية ومحادثات مضيق هرمز التي تلتها. وتوفر نتيجة دائمة لهذه العملية، لا أي مبادرة جديدة، أكثر المسارات واقعية نحو إعادة الانخراط الخليجي.

 

غير أن هذا السيناريو ليس بمنأى عن عقباته. فقد طرحت إيران وعُمان مقترحًا مشتركًا لتحصيل رسوم من السفن العابرة لمضيق هرمز، في خروج واضح عن العرف السائد قبل الحرب المتمثل في حرية المرور. وقد اعتبرت الولايات المتحدة هذه الفكرة غير مقبولة، فيما أصرّت السعودية على ضرورة أن يعود المضيق ببساطة إلى وضعه السابق للحرب، بل إن إيران وعُمان نفسيهما ما تزالان مختلفتين حول ما إذا كانت هذه الرسوم ستكون طوعية أم إلزامية. كما أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يضمن حرية المرور عبر المضيق إلا لمدة ستين يومًا ريثما تُستأنف المفاوضات، ما يعني أن هذا الخلاف قد يعود ليُشكّل نقطة اشتعال قادرة على عرقلة مسار التهدئة الأوسع الذي يعتمد عليه هذا السيناريو.

 

وعلى الرغم أن الوصول إلى تطبيع كامل للعلاقات يظل أمراً غير مرجح، فإن الانخراط التجاري قد يتوسع عبر قنوات التجارة والخدمات اللوجستية والتمويل. وبالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني الداخلي، قد تكون المكاسب كبيرة. فمن شأن تحسن تدفقات التجارة أن يخفف الضغوط على الشركات المعتمدة على المدخلات المستوردة، ويدعم فرص العمل، ويوفر إيرادات مالية إضافية للدولة. ومن المرجح أن يبقى التضخم مرتفعاً، إلا أن تحسن الثقة في الأسواق قد  يكبح جماح التدهور في القدرة الشرائية وظروف الاستثمار.  ويبدو أن هذا السيناريو يوفر البيئة الأكثر ملاءمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي التدريجي.

 

السيناريو الثالث: الاعتماد الصيني – الأوراسي

أما السيناريو الأكثر إرباكاً فيتمثل في استمرار الخلافات المرتبطة بمضيق هرمز وبقاء الانخراط الاقتصادي الخليجي مع إيران محدوداً أو معدوماً. في هذه الحالة، ستتجه إيران نحو تعميق اعتمادها على الصين والانخراط بصورة أكبر في مبادرات الربط الاقتصادي الأوراسي . قد يساعد هذا المسار على المدى القصير، في الحفاظ على عائدات الصادرات وضمان استمرار الوصول إلى الأسواق الخارجية لا سيما مع استمرار الطلب الصيني على النفط الإيراني، إلى جانب ما قد توفره ممرات النقل البديلة من فرص تجارية إضافية.  إلا أن المكاسب الداخلية لهذا المسار ستكون على الأرجح غير متكافئة . فتعزيز الاعتماد على عدد محدود من الشركاء الاقتصاديين يزيد من هشاشة الاقتصاد الإيراني أمام تقلبات الطلب الصيني، وأولويات الاستثمار، والاعتبارات الجيوسياسية لبكين.  كما أن التقلبات الأخيرة في الطلب الصيني على النفط الإيراني أظهرت أن هذه العلاقة ليست بمنأى عن الضغوط التجارية أو السياسية.

 

والأهم أن توثيق العلاقات مع الصين لا يشكّل حلاً تلقائياً للاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني . فالتضخم وضعف العملة والضغوط المالية وتراجع ثقة القطاع الخاص ترتبط بعوامل هيكلية تعكس مشكلات أعمق تتجاوز مسألة الانخراط في شبكات التجارة . فقد يستمر الاقتصاد في مواجهة مستويات منخفضة من الاستثمار وضعف الإنتاجية وتراجع مستويات المعيشة حتى إذا تحسنت عائدات الصادرات، وبذلك قد تصبح إيران أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي من الناحية الخارجية، ولكن ليس بالضرورة أكثر ازدهاراً من الناحية الداخلية.

 

 

الخاتمة

 

على مدى سنوات، انصبّ النقاش حول الاقتصاد الإيراني بصورة رئيسية على العقوبات وعائدات النفط والتضخم وأسعار الصرف. ورغم استمرار أهمية هذه العوامل، فإنها لم تعد تقدم تفسيراً كاملاً للتحديات الاقتصادية التي تعرقل مستقبل الدولة. فالتحدي الاقتصادي الرئيسي لإيران بات يتمثل بشكل متزايد في قدرتها على تعزيز الترابط الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب، أو على الأقل في الحفاظ عليه كما كان قبل الحرب.

 

كذلك، تُعدّ مسألة الحفاظ على علاقات اقتصادية منتجة مع كلٍّ من دول الخليج والصين، مع الإبقاء على هامش كافٍ من المرونة لتفادي الوقوع في فخ التبعية أو الاعتماد المفرط، من أكثر التحديات تعقيداً التي قد تواجهها إيران. وعليه، فإن تحقيق توازن مستدام في هذه العلاقات سيُحدد ملامح البنية المستقبلية للاقتصاد الإيراني، ومدى قدرته على الحفاظ على الاستقرار الداخلي خلال مرحلة ما بعد الحرب.