برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج المرقّع في سوريا:

الحفاظ على تماسك المرحلة الانتقالية بخيوط واهية

مذكرة سياسات، فبراير 2026
زميل أوّل غير مقيم

1 فبراير، 2026

المقدّمة

منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، اعتمدت السلطات الانتقالية في سوريا شكلاً مرتجلاً من الاستقرار الأمني، يُشبه في ممارسته برنامج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج” (DDR)، رغم تجنّبها استخدام هذا المصطلح. فقد ركّزت جهودها الآيلة إلى نزع السلاح على مصادرة مخزونات الأسلحة وتشجيع تسليمها طوعاً، فيما عمدت إلى تسريح وحلّ الأجهزة العسكرية والأمنية التابعة لكلّ من النظام السابق والمعارضة المسلّحة. وأخيراً، سعت إلى تحقيق إعادة الإدماج من خلال ضمّ الفصائل المسلّحة إلى قوات الدولة الجديدة، وتوجيه عناصر النظام السابق نحو مسار يهدف إلى تسوية أوضاعهم القانونية.

 

وعلى الرغم من أنّ هذه الخطوات التي قادتها الحكومة الانتقالية ساهمت في تحقيق قدرٍ من الاستقرار القصير الأجل، فإنّها لا تزال غير كافية وهشّة. ولا تكمن المشكلة الجوهرية في ضعف إرادة السلطات، بل في غياب إطارٍ متماسكٍ للسياسات. وقد اتُّخذت التدابير المتعلّقة بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بطريقة ارتجالية ومتقطّعة، إذ اعتُبرت في الغالب حلولاً تقنية وليس كجزء من إستراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية أوسع قادرة على معالجة دوافع العنف الهيكلية. ونتيجة لذلك، لا تزال سوريا غارقة في الأسلحة، ومثقلة بالولاءات الفصائلية الراسخة والتحديات الأمنية الموروثة من عقود من حكم النظام.1 وقد تجلّت تداعيات هذا الوضع في موجات العنف التي عصفت بالمنطقة الساحلية في مارس الماضي، وفي محافظة السويداء الجنوبية في يوليو، فضلاً عن الارتفاع المطّرد في حوادث الاغتيالات والجرائم وأعمال الاقتصاص خارج إطار القانون، وهي تطوّرات تعكس اختلالات بنيوية أكثر منه حوادث معزولة.

 

تنظر مذكرة السياسات هذه إلى أبعد من العام الأول من جهود نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، بغية تقييم التغييرات اللازمة لضمان استدامة الاستقرار الهشّ في سوريا. وتشير إلى أنّ المكاسب المبكرة التي تحقّقت في مرحلة ما بعد الأسد لن تكون مستدامة من دون تحوّل واضح في مسار السياسات، يتمثّل في الانتقال من التدابير الأمنية المجزأة والمتقطّعة إلى اعتماد نهجٍ وطني لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، يكون متكاملاً مع الإصلاح السياسي وحماية المجتمع والتعافي الاقتصادي. وفي غياب هذا التحوّل، قد تصبح التحديات الأمنية الراهنة عقبات هيكلية طويلة الأمد ما إن يستقرّ الوضع السياسي.

 

 

عملية متقطّعة لنزع السلاح في بلاد غارقة بالأسلحة

 

تُظهر جهود نزع السلاح في سوريا منذ سقوط الأسد ضرورة جهود الاستقرار الحالية وحدودها في آن واحد. فهذه التدابير، التي اتّسمت إلى حدٍّ كبير بالطابع المحلي والارتجالي، قد تُسهم في الحدّ من المخاطر القصيرة الأمد الناجمة عن انتشار الأسلحة، لكنّها لا ترقى إلى مستوى المقاربة المتكاملة لبناء الدولة، واللازمة لتحقيق أمنٍ مستدام. ورثت السلطات الانتقالية في سوريا إحدى أسوأ أزمات انتشار الأسلحة في الشرق الأوسط. فقبل الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، كانت سوريا تمتلك أكثر من 1,5 مليون قطعة سلاح خفيف، أي ما يعادل 8,2 قطعة سلاح ناريّ لكلّ 100 شخص.2 وقد أدّى انهيار النظام، وما تلاه من نهبٍ جماعي للمستودعات العسكرية وتهريب الأسلحة غير الخاضع للرقابة، إلى اتّساع هذه الترسانة باستمرار.3 ولمواجهة هذه الأزمة، اعتمدت السلطات نهجاً يجمع بين التسليم الطوعي للأسلحة وعمليّات التسليم بالتفاوض، فضلاً عن الإنفاذ الموجّه. وفي المناطق التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة لمعارضة، ركّزت السلطات على دمج الفصائل المسلّحة ضمن القوات النظامية لوضع أسلحة تلك المجموعات تحت سيطرة الدولة.

 

وقد أطلقت السلطات أول حملة واسعة النطاق لنزع السلاح من خلال التسوية (وهي عملية تقودها الدولة وتعتمد على الأمن، يقوم من خلالها عناصر الأمن التابعون لنظام الأسد السابق بتسوية أوضاعهم لدى السلطات مقابل الحصول على تصريح أمني مؤقّت). وقد ألزمت السلطات عناصر النظام السابق بتسليم أسلحتهم في مراكز مخصّصة كجزء من عملية التسوية.4 إلا أنّ مستوى الالتزام كان متبايناً، ولا يزال عدد من مخابئ الأسلحة التي تعود إلى عهد النظام، مخفياً. وفي الوقت نفسه، أمرت السلطات الفصائل الفلسطينية المسلّحة الموالية للنظام السابق بتسليم أسلحتها كافة باستثناء الأسلحة الشخصية الخفيفة.5

 

أمّا في المناطق التي كانت موالية للنظام سابقاً، مثل اللاذقية وطرطوس وريف حمص، فقد اعتمدت السلطات على الوجهاء المحليين للمساعدة في التوسّط لإتمام عمليّات التسليم الطوعية مقابل ضمانات بالاستقرار والحصانة من الملاحقة القضائية. وقد سلّمت بعض المجتمعات أسلحة وذخائر متنوّعة، وحتى طائرات مسيّرة، في مواعيد متفّق عليها.6 وعلى الرغم من أنّ هذا الأمر قد ساهم في الحدّ من المواجهات وأظهر استعداد الدولة للجوء إلى الوساطة بدلاً من القوة، فإنّ هذه الترتيبات تبقى غير رسمية ومحدودة النطاق، وتفتقر إلى إطار وطني داعم.7

 

وبالتوازي مع هذه التدابير المرنة، نفّذت السلطات عمليات أمنية استهدفت مستودعات الأسلحة السرية وشبكات التهريب. وقد أسفرت المداهمات في درعا ودير الزور وريف دمشق عن ضبط بنادق وقذائف صاروخية ومتفجّرات وذخائر مضادة للطائرات، حيث سُجّلت أكثر من 90 عملية ضبط بين ديسمبر2024 ومارس 8.2025 وقد ساهمت هذه العمليات في تعطيل تدفّقات السوق السوداء، إلا أنّ التغطية غير المتكافئة وضعف القدرات الاستخباراتية وندرة الموارد ما زالت تسمح باستمرار عمليات التهريب.9

 

 

التسريح بمرسوم

 

في حين انضمّت معظم القوات المناهضة للأسد إلى الهياكل العسكرية الرسمية، فرضت السلطات الانتقالية تسريحاً مفاجئاً وشاملاً للمجموعات المسلّحة المرتبطة بالنظام السابق، بما في ذلك الفصائل الفلسطينية التي كانت على صلة وثيقة بالشبكات في عهد الأسد. وقد نجحت هذه الإجراءات إلى حدّ كبير في تفكيك المجموعات المستهدفة وإنهاء دورها كمجموعات مسلّحة منظّمة. ففور الإطاحة بالأسد في 8 ديسمبر 2024، شرعت السلطات الجديدة في حلّ جميع المؤسسات العسكرية والأمنية المرتبطة بالنظام. وبعد ثلاثة أيام، أعلن القائد الفعلي أحمد الشرع حلّ قوات عهد الأسد رسمياً، وهو موقف أعاد تأكيده لاحقاً بصفته رئيساً في يناير 2025. وقد تمّ الاعلان عن حلّ الجيش العربي السوري وأجهزة المخابرات والشرطة والقوات الرديفة الموالية للنظام مثل قوات الدفاع الوطني والميليشيات البعثية.10 وكان الهدف من ذلك تحييد ركائز القمع الأساسية في عهد النظام ومنعها من إعادة تشكيل نفسها أو تنظيم مقاومة ضد الحكومة الجديدة. وعلى الرغم من صعوبة التحقّق من دقة الأرقام، تشير البيانات المتاحة إلى أنّ السلطات قامت بتسريح ما بين 100 ألف و 250 ألف عنصر بحلول نهاية يناير 11.2025

 

كما أمرت السلطات جميع الفصائل الفلسطينية العاملة في سوريا بوقف أنشطتها العسكرية، وتفكيك منشآتها، وتسليم قواعدها ومواقع تدريبها. وسيطرت دمشق بشكلٍ مباشر على مكاتب هذه الفصائل ومعسكراتها وشبكاتها اللوجستية، مستخدمةً الأساليب القسرية لإجبارها على الامتثال.12 وبحلول منتصف العام، انهار الوجود الفلسطيني المسلّح في سوريا، حيث انتقل معظم عناصره إلى لبنان أو العراق، فيما خضع الباقون لإشراف صارم من الدولة.13

 

 

تعثّر إعادة الإدماج: بين الولاءات القديمة وضبابية المستقبل

 

سارعت السلطات الانتقالية إلى دمج الفصائل الرئيسية المناهضة للأسد ضمن هياكل عسكرية رسمية جديدة. فحلّت سلاسل القيادة المستقلّة، وأعادت تسمية الوحدات، ووضعت المقاتلين تحت مظلّة قيادة مركزية. كما قامت بتسوية أوضاع عناصر النظام السابق من خلال عملية “التسوية”.14 تعكس هذه الخطوات سعياً حثيثاً إلى تحقيق الاستقرار، إلا أنّ تطبيقها غير المتكافئ يكشف عن حدود إعادة الإدماج عند تنفيذها من دون إطار وطنيّ متماسك لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. ولا تزال عمليّة دمج الفصائل المسلّحة بطيئة، فيما لم يحظَ عناصر النظام السابقون سوى بدعم محدود للانتقال إلى الحياة المدنية.

 

وبهدف تفادي تجدّد المواجهات وإعادة بناء المؤسسات العسكرية في سوريا، عمدت السلطات إلى دمج فصائل المعارضة ضمن جيش وطني موحّد. وتسلّم كبار القادة مناصب ضمن الهيكلية الجديدة، فيما تولّى آخرون أدواراً إدارية لتسهيل عملية الانتقال. وفي 17 مايو، أعلنت وزارة الدفاع اكتمال عملية دمج التشكيلات المسلّحة تحت قيادة الدولة، ومنحت القوات الممتنعة مهلة 10 أيام للامتثال تحت طائلة اتّخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.15 وعلى الرغم من أنّ هذه الإجراءات قد عزّزت التوحيد الرسمي، فإنّها أعطت الأولوية للدمج التنظيمي على حساب عملية إعادة الإدماج السياسي والاجتماعي الأعمق، التي تعدّ ضرورية لبناء مؤسّسات متماسكة على المدى الطويل.

 

أمّا من الناحية العمليّة، فقد أنشأت السلطات فرقاً عسكرية لدمج المقاتلين، إلى جانب نظام مركزي للقيادة والسيطرة لإدارة الأسلحة والانتشار والتعيينات من خلال مركز واحد. كما وضعت آليات لتوحيد الرتب، وافتتحت أكاديميات جديدة لتوفير تدريب متخصّص وتعزيز الكفاءة المهنية. بالإضافة إلى ذلك، استحدثت السلطات آليات واضحة لإعادة الضباط الذين انشقوا خلال عهد الأسد إلى الخدمة.16 إلا أنّ هذه الخطوات تبقى محصورة ضمن الإطار الأمني الضيّق، ومنفصلة عن الجهود الأوسع لإعادة بناء الثقة، وتوضيح الرقابة المدنية، أو معالجة إعادة الإدماج الاقتصادي للمقاتلين السابقين.

 

وعلى الرغم من إحراز بعض التقدّم، لا تزال العملية غير مكتملة. فلا يزال عدد من قادة الفصائل السابقين يمارسون نفوذاً غير رسمي على مقاتليهم، ولا سيّما في مناطق العمليات التي ظلّت خاضعة لسيطرتهم لفترات طويلة. كما لا تزال الثقة بين الوحدات محدودة، ويواصل القادة المحليّون ارتكاب التجاوزات على الأرض.17 وتُبرز هذه الديناميّات مخاطر إعادة الإدماج الجزئي في غياب إستراتيجية شاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إذ من شأنها إعادة إنتاج هياكل السلطة التي كانت سائدة في زمن الحرب ضمن مؤسّسات موحّدة اسميّاً.

 

تعاملت السلطات مع عناصر الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق من خلال مراكز “التسوية”.18 وقد منحت الأفراد المعنيّين مهلة محدّدة للتسجيل في مكاتب أُنشئت في المناطق الحضرية الرئيسية. أمّا الذين استكملوا الإجراءات، فقد حصلوا على وثائق تثبت وضعهم كغير مقاتلين، ومُنحوا حماية قانونية مؤقّتة.19 في المقابل، حذّرت السلطات من عواقب قانونية بحق من يتخلّف عن التسجيل، ونفّذت مداهمات محدودة استهدفت الأشخاص الذين تجاهلوا المهلة المحدّدة أو يُشتبه بتورّطهم في جرائم حرب وانتهاكات جسيمة.20

 

على الرغم من أنّ عمليّة التسوية التي طرحتها السلطات أوضحت الوضع القانوني لعدد من المقاتلين السابقين، فإنّها لم تحقّق سوى جزءٍ صغير من عملية إعادة الإدماج الفعلية. فقد منعت السلطات شخصيات في النظام السابق من الالتحاق بالجيش السوري الجديد، في حين سُمح لعدد محدود من العناصر من ذوي الرّتب المنخفضة، ممّن يمتلكون مهارات تقنية أو لوجستية قيّمة، بالانضمام إلى الجيش أو الشرطة بعد إخضاعهم لعمليّات التدقيق.21 والأهمّ من ذلك، لم يتمّ إنشاء أيّ آليّة موازية لإعادة إدماج المدنيّين أو لدعم سُبُل عيشهم، ما جعل هذه العملية منفصلة عن مسارات التعافي الاقتصادي وإعادة الإدماج الاجتماعي، وهو قصور في عملية الإدماج لا بدّ من معالجته من خلال نهج وطني متكامل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.22 ونتيجة لهذا النهج القائم، لا تزال قوات الأسد السابقة تعاني من البطالة والتهميش السياسي والعزلة الاجتماعية، وهي ظروف تزيد من مخاطر اندلاع اضطرابات مستقبليّة.

 

 

الحلقات الضعيفة في جهود نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في سوريا

 

على الرّغم من إحراز تقدّم مبكر في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، لا تزال حلقات ضعف هيكلية كبيرة قائمة في كلّ ركن من أركان هذه العملية، ما يولّد مخاطر قد تقوّض كلاً من الأمن والمرحلة الانتقالية الأوسع في حال عدم معالجتها. وقد بذلت السلطات جهوداً حثيثة لترسيخ سيطرتها على مخزونات الأسلحة في سوريا؛ غير أنّ التقدّم المحرز في مجال نزع السلاح بقي غير متكافئ ومحدود النطاق. فقد تركّزت الجهود بشكل كبير على المقاتلين السابقين، في حين لم يتمّ التصدي للانتشار الواسع لحيازة الأسلحة بين المدنيّين. وبالمثل، يُعدّ تطبيق القانون صارماً في معاقل النظام السابق، بينما يظلّ أكثر تراخياً في مناطق المعارضة الراسخة. يؤجّج هذا الاختلال انعدام الثقة ويثبط الامتثال. بالإضافة إلى ذلك، يقيّد ضعفُ القدرات الاستخباراتية ومحدودية التعاون المجتمعي، إلى جانب غياب تدقيق وطني شامل، الجهودَ الرامية إلى كشف مخزونات الأسلحة المخفيّة.23

 

ويؤدّي ضعف الحوافز وأدوات الردع إلى تفاقم هذه المشاكل. ففي ظلّ غياب تعويضات عن الأسلحة المسلّمة، ومحدودية تطبيق قوانين الحدّ من التسلّح، لا يرى المدنيون حافزاً حقيقياً للتخلّي عن أسلحتهم. كما يدفع انعدام الأمن المستمرّ، والتوتّرات الطائفية، والعنف الإجرامي، وعمليات القتل الانتقامية، عدداً كبيراً من المدنيين، ولا سيّما الأقليات وسكان المناطق المختلطة، إلى الاحتفاظ بأسلحتهم، أو حتّى السعي إلى اقتناء المزيد منها، بدافع الحماية الذاتية.24

 

تتسبّب هذه الثغرات باستمرار انتشار أعداد كبيرة من الأسلحة، وتُسهم في تعزيز سوق سوداء منخفضة التكلفة ومتاحة تُسهّل نقل الأسلحة بين المجتمعات المحلية. ويؤدّي الارتفاع الكبير في معدلات حيازة المدنيين للأسلحة، مقترناً بسهولة الحصول على أسلحة زهيدة الثمن، إلى زيادة مخاطر الهجمات الانتقامية، والنشاط الإجرامي، والاشتباكات بين المجتمعات المحلية، وأعمال الاقتصاص خارج إطار القانون. وفي ظلّ هذه الظروف، يمكن حتّى للخلافات الصغيرة أن تتصاعد بسرعة، ما يجعل سوريا عرضة لتجدّد عدم الاستقرار.

 

أحرزت جهود السلطات في تسريح الفصائل المسلّحة، ولا سيما تلك الموالية للنظام، تقدماً سريعاً، إلاّ أنّها لا تزال غير مكتملة وهشّة، إذ تفتقر دمشق إلى خطّة واضحة للتعامل مع المجموعات التي تواصل العمل خارج إطار سيطرة الدولة. ومن أكبر هذه المجموعات الفصائل الدرزية في السويداء التي لا تزال ترفض الاندماج. وفي ظلّ وجود مئات المقاتلين، تعمل هذه المجموعات باستقلالية وتبسط سيطرة شبه كاملة على المحافظة.25

 

لقد ضمّت السلطات معظم الفصائل الرئيسية المناهضة للأسد إلى القوات الرسمية، لكنّها استبعدت المجموعات الأصغر. وقد رفضت هذه المجموعات بدورها نزع سلاحها، ما أبقى وضعها معلّقاً وغير محسوم. وتشمل هذه المجموعات فصائل سورية وأجنبية، يعمل بعضها بصورة مستقلّة أو يحافظ على ترتيبات غير رسمية تتيح له الوصول إلى كميات كبيرة من الأسلحة.26

 

تتسامح السلطات مع عددٍ من هذه المجموعات لأنّ مواجهتها قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في مناطقها، في حين تستفيد مجموعات أخرى من حماية خارجية تعقّد أيّ تدخّل من دمشق. ويضعف استمرار وجودها مصداقية عملية التسريح، ويؤدي إلى إنشاء مراكز قوى موازية، ويتيح المجال للقادة المحليّين لتحدي سلطة الدولة. كما تعرّض هذه المجموعات المجتمعات المحلية للابتزاز والإكراه والعنف المتقطّع. وعلى المدى الطويل، إذا لم تتصدَّ السلطات لها، فإنّها تخاطر بإعادة إشعال التوتّرات المحلية وتأجيج عدم الاستقرار على نطاق أوسع، فضلاً عن عرقلة مسارات التعافي الاقتصادي.

 

وعلى الرغم من المظاهر التي توحي بالتقدّم، لا تزال جهود إعادة الإدماج سطحية وغير متكافئة. وقد خلقت السلطات فجوة كبيرة نتيجة فشلها في تقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي لعشرات الآلاف من عناصر النظام السابق المفصولين. فقد منعت هؤلاء الأفراد من العودة إلى القوات المسلحة، ولم تقدّم لهم أيّ تدريب مهني أو فرص عمل أو دعم نفسي واجتماعي. ونتيجة لذلك، لا يزالون مهمّشين سياسياً وعاطلين عن العمل ومعزولين اجتماعياً.27 وفي الوقت عينه، أخفقت السلطات في إرساء العدالة والمساءلة في عملية التسوية، ما قوّض ثقة الرأي العام وأجّج حالات القتل الانتقامي والاقتصاص خارج إطار القانون.

 

تبرز أيضاً تحديات إعادة الإدماج في عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المتعثّرة. فقد وضع اتفاق 10 مارس، الذي توسّطت الولايات المتحدة لإبرامه، مساراً لدمج وحدات قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني، إلاّ أنّ تقدّم عملية التنفيذ كان بطيئاً. ولا تزال هياكل القيادة والحكم الإقليمي والترتيبات السياسية عالقة، ما مكّن “قسد” من مواصلة عملها كقوة موازية، رغم فقدانها السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي إثر المواجهات المسلّحة مع القوات الحكومية منذ مطلع عام 28.2026

 

كما واجهت السلطات صعوبات في توحيد الفصائل المعارضة بعد إدماجها في المؤسسات الرسمية. فعلى الرغم من الإدماج الرسمي، لا تزال الولاءات غير الرسمية قائمة، ويتجاوز المقاتلون سلاسل القيادة، ويبقى الانضباط ضعيفاً. ولا يزال الكثيرون منهم يتلقّون توجيهاتهم من القادة السابقين أو من الوسطاء المحليّين النافذين.29 كما أنّ المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى هذه الهياكل يفتقرون إلى وضع قانوني واضح، ما يتركهم في حالة من عدم اليقين ويولّد مخاطر طويلة الأجل تتعلّق بالمساءلة والسيطرة.30

 

لقد أفضت هذه الفجوات بالفعل إلى عواقب خطيرة. فقد حافظ عدد كبير من ضباط النظام السابق المسرَّحين في جبال الساحل العلوي على شبكة فضفاضة، ولا يزالون قادرين على التعبئة السريعة، ما ساهم في اندلاع أعمال عنف، مثل تلك التي وقعت في مارس 2025. ويؤدي إقصاؤهم عن الهياكل الرسمية، إلى جانب غياب آليات مساءلة موثوقة، إلى خلق فراغ يزيد من مخاطر الاضطرابات المستقبلية، بما في ذلك إعادة التعبئة والتطرّف والمشاركة في الجريمة المنظَّمة أو شبكات الابتزاز. كما تزيد صلاتهم بالجهات الخارجية الراعية من حدّة المخاوف المتعلّقة بتصعيد العنف بالوكالة.

 

ويؤجّج تعثّر عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية انعدام الثقة، ويزيد من مخاطر المواجهات المسلّحة، ويعرّض المجتمعات المحلية لموجة جديدة من العنف. ويؤدّي ضعف توحيد القوات المسلّحة إلى استمرار الهياكل الموازية، وتفاقم التنافسات المحلية، ويزيد من احتمال وقوع اشتباكات داخلية. كما يعيق التشرذم وضعف الانضباط داخل التشكيلات التي أُدمجت ضمن قوات الدولة قدرتها على توفير الأمن من دون ارتكاب انتهاكات، كما تجلّى ذلك في الاضطرابات الساحلية في مارس 2025، وأعمال العنف التي شهدتها السويداء في يوليو.

الخاتمة

 

يُظهر العام الأوّل من برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في سوريا ما بعد الأسد ما يمكن أن يحقّقه الاستقرار السريع ، ولمَ لا يكفي النجاح الجزئي. فقد أثبتت السلطات الانتقالية أنّ التحرّك السريع قادر على تفكيك التشكيلات المسلّحة الكبيرة، وحلّ مؤسسات تعود إلى حقبة النظام السابق، ووضع فصائل المعارضة تحت مظلّة قيادة موحّدة. غير أنّ هذه المكاسب لا تزال هشّة، إذ إنّ العملية جاءت محدودة النطاق وغير متكافئة وغير مندمجة اندماجاً كافياً في عملية الانتقال الأوسع. وفي هذه المرحلة، يهدّد عدم سدّ هذه الفجوات بتحويل التقدّم المبكر إلى مصدر لزعزعة الاستقرار.

 

لا شكّ في أنّ الأولوية الجوهرية للسياسات واضحة: يجب على سوريا الانتقال من التدابير المؤقتة التي تُعطي الأولوية للأمن إلى إستراتيجية شاملة ومتكاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ترتكز على أسس وطنية، وتشمل الإصلاح السياسي وحماية المجتمعات المحلية وتحقيق العدالة والتعافي الاقتصادي. فمن دون هذا التحوّل، سيستمرّ برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في التقدّم بشكل غير متكافئ، ما يكرّس تداول الأسلحة ويقسم الولاءات، ويحرم المقاتلين السابقين من فرصة الانخراط في حياة مدنية مستدامة.

 

وعلى الصعيد العملي، يتطلّب ذلك وضع معايير وطنية لنزع السلاح تجمع بين التسليم الطوعي للأسلحة من خلال حوافز موثوقة وآليات إنفاذ فعّالة، وإجراءات تسريح تتّسم بالشفافية والاتّساق وترتبط بالحماية والمساءلة. كما ينبغي أن تصبح إعادة الإدماج العنصر المحوري في برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، من خلال توفير سبل العيش والدعم النفسي والاجتماعي للمقاتلين المسرّحين، مع تعزيز التماسك والانضباط في المؤسسات الأمنية الجديدة. ولضمان استدامة هذا الجهد، تحتاج السلطات كذلك إلى آلية وطنية لتنسيق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وتمويله، تكون قادرة على حشد الموارد المحلية والدولية.

 

ففي حال نُفّذ برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج على نحو متماسك، يُمكنه ترسيخ انتقال سوريا نحو دولة موحّدة تُوفّر الأمن عبر المؤسسات لا عبر القوّة. أما في حال باء بالفشل، ستواجه سوريا خطر استبدال الإكراه المركزي ببيئة مجزّأة من الجهات الفاعلة المسلّحة. من هذا المنطلق، لا يُعدّ إطار عمل وطني متكامل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج مجرّد إضافة تقنية لعملية الانتقال، بل يشكّل عنصراً حاسماً يُحدّد نجاحها أو فشلها.


1 Syrian researcher 1, interview by author, Damascus, Syria, October 20, 2025.
2 Small Arms Survey, “Civilian Firearms Holdings, 2017” accessed December 12, 2017, https://shorturl.at/QqHVH.
3 Khaled al-Jeratli and Hassan Ibrahim, “Syria faces challenge of disarmament,” Enab Baladi, April 30, 2025, https://shorturl.at/SmpN1.
4 Al-Jeratli and Ibrahim, “Syria faces challenge.”
5 Syrian researcher 1, interview.
6 Al-Jeratli and Ibrahim, “Syria faces challenge.”
7 Defected military officer (Colonel), interview by author, Damascus, Syria, October 17, 2025.
8 Sarah Hartley, “Every Gun Was Taken,” Ink Stick Media, July 1, 2025, https://shorturl.at/FORDv.
9 Syrian researcher 1, interview.
10 “Syria appoints Sharaa as interim president, dissolves all armed factions,” TRT World, January 29, 2025, https://www.trtworld.com/article/18259388.
11 Defected military officer (Colonel), interview by author, Damascus, Syria, October 17, 2025.
12 Syrian researcher 1, interview.
13 Military commander (Captain), interview by author, Damascus, Syria, October 14, 2025.
14 European Union Agency for Asylum, 4.1.1. (Former) members of Assad’s armed forces and pro-Assad armed groups, Country Guidance: Syria (Valetta: European Union Agency for Asylum, December 2025), https://shorturl.at/zTXy4.
15 Rania Abushamala, “Syria announces merger of all military units under Defense Ministry,” Anadolu Agency, May 18, 2025, https://shorturl.at/dZTBj; Haid Haid, Syria’s Unruly Guns: Building a Unified Army in a Fractured State, Policy Note (Doha: Middle East Council, June, 2025), https://shorturl.at/PulfE.
16 Defected military officer (Colonel), interview.
17 Haid, Syria’s Unruly Guns.
18 Al-Jeratli and Ibrahim, “Syria faces challenge.”
19 Syrian researcher 2, interview by author, Damascus, Syria, October 19, 2025.
20 Syrian researcher 2, interview.
21 Defected military officer (Colonel), interview.
22 Syrian researcher 3, interview by author, Damascus, Syria, October 23, 2025.
23 Al-Jeratli and Ibrahim, “Syria faces challenge.”
24 Syrian researcher 3, interview.
25 Syrian researcher 3, interview.
26 Syrian researcher 2, interview.
27 Syrian researcher 3, interview.
28 Haid Haid, “Sweida must be a warning, not a blueprint for northeast Syria,” Al-Majalla, August 17, 2025, https://h7.cl/1kpy0.
29 Haid, Syria’s Unruly Guns.
30 Robert Bociaga, “From rebels to soldiers: Foreign fighters in Syria’s new army,” The New Arab, June 10, 2025, https://shorturl.at/cOnNX.