بلغ الشرق الأوسط عتبةً خطيرة، بل تعدّاها. فقد انهار نموذج التصعيد المدروس الذي كان يحكم مسار الصراعات في المنطقة، بما فيها من النزاع على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية، الذي تفاقم منذ وقف إطلاق النار الهش في نوفمبر 2024. وكان الدافع وراء هذا التحوّل صدمةً منهجيةً أصابت النظام الإقليمي في نطاقه الواسع تمثّلت في الحملة العسكرية الضخمة المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل غير قانوني ضدّ إيران في 28 فبراير 2026، وذلك بالتزامن مع تصريح وزير خارجية سلطنة عمان، بدر بن حمد البوسعيدي، أنّ اتفاقاً دبلوماسياً بشأن البرنامج النووي الإيراني كان “في متناول اليد”. وبحسب ما ورد، فقد وافقت إيران على الامتناع عن تخزين اليورانيوم وخفض مخزوناتها الحالية إلى “أدنى مستوى ممكن”، وهي التزامات كانت ستتجاوز ما نصت عليه خطة العمل المشتركة (JCPOA) التي أُبرمت في عهد أوباما.
مع ذلك، فقد شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليّتي “الغضب الملحمي” و”الأسد الهادر” على التوالي، ما جرّ المنطقة نحو حرب أوسع. وقد استهدف الهجوم مقارّ الاستخبارات الإيرانية، ومواقع الصواريخ الباليستية، ومنشآت الحرس الثوري، وأسفر عن اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في اليوم الأول. وقد أعادت هذه العملية رسم الخريطة الإستراتيجية للشرق الأوسط، ولا سيما منطقة الخليج، وألغت الأطر الدبلوماسية السابقة. وحتى وقت كتابة تقدير الموقف هذا، لا يزال من الصعب للغاية تقييم ما سيحدث لاحقاً، سواء في الداخل الإيراني، أو في دول مجلس التعاون الخليجي، أو على جبهات أخرى، بما في ذلك العراق واليمن ولبنان.
منذ الهجمة الأولى، اشتعل الصراع مباشرة وامتدّ ليشمل جبهات متعددة. فقد ردّت إيران على إسرائيل بشنّ موجة غير مسبوقة من الصواريخ الباليستية وضربات بالطائرات المسيّرة على دول مجلس التعاون الخليجي التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكيّة. وقد استهدفت الضربات الإيرانية الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى مواقع في المملكة العربية السعودية، والبحرين، والكويت، وقطر.
في البداية، ساد الهدوء على الساحة اللبنانية، حيث أشار حزب الله إلى أنّه لن يتدخّل عسكرياً ما لم تتجاوز الغارات الجوية الأمريكية الخطوط الحمراء، محذّراً من أنّ أيّ هجوم على خامنئي سيُعتبر كذلك. ورداً على خرق الاتفاق في 28 فبراير، شنّ حزب الله غارات على شمال إسرائيل في 2 مارس، مستهدفاً موقعاً للدفاع الصاروخي في جنوب حيفا بثمانية صواريخ وعدداً من الطائرات المسيّرة. وبعد يومين، أي في 4 مارس، صعّد حزب الله هجماته بضربة مباشرة على قاعدة حيفا البحرية باستخدام “وابل من الصواريخ العالية الجودة”. ووصف حزب الله هذه الهجمات بأنّها ردّ انتقاميّ على مقتل المرشد الأعلى خامنئي، وأشار إلى انهاء قاطع لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله الذي توصل إليه الطرفان في العام 2024.
جاء الردّ الإسرائيليّ سريعاً، ساحقاً من دون أيّ تسويات. وتجاوزت تل أبيب القيود التكتيكية المتبقية، فشنّت الطائرات الإسرائيلية قصفًا عنيفاً ومكثفاً على الضاحية الجنوبية لبيروت (الضاحية) في غضون ساعتين من الهجوم الذي قام به حزب الله في الثاني من مارس، وأصدرت أوامر إخلاء جماعية لأكثر من 50 بلدة وقرية في جنوب لبنان ووادي البقاع. وقد أسفرت الموجة الأولى من الضربات العنيفة عن مقتل 52 شخصاً على الأقل وإصابة نحو 150 آخرين، ما أدى إلى نزوح جماعي للمدنيين نحو الشمال. وحتى كتابة هذه السطور، تحوّلت الجبهة اللبنانية إلى ساحة معركة نشطة وغير مقيدة ضمن حرب إقليمية شاملة.
بالنسبة لصنّاع السياسة، تتطلب الأزمة الراهنة إعادة نظر جذرية في هشاشة الإستراتيجية التي ينتهجها لبنان. فقد تبدّد الوهم الذي ساد بعد وقف إطلاق النار في العام 2024 ببساطة والذي أرسى فرضية فصل الساحة اللبنانية تماماً عن المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. بالإضافة إلى ذلك، تغيّرت قواعد الاشتباك العسكري، حيث كان حزب الله والنظام الإيراني يضبطان تحرّكاتهما العسكرية في وقت سابق بعناية حرصاً منهم على إدارة التهديدات الخارجية من دون إشعال صراعات قد تُهدّد وجودهما وأمن النظام الداخلي.
أمّا اليوم، فقد تلاشى هذا الرادع. إذ شكّل اغتيال القيادة الإيرانية، مأزقاً استراتيجياً للمجموعات المسلّحة الإقليمية المدعومة من إيران، والمعروفة باسم “محور المقاومة”، وبات عدم التحرّك بمثابة تهديد وجودي يتجاوز التصعيد. وبالنسبة إلى القادة الإيرانيين، قد يحمل عدم الرد تكلفة سياسية داخلية أعلى ثمناً من المخاطرة بحرب أوسع.
تنطبق الديناميّات نفسها على حزب الله. فقد أعطى الحزب من خلال هجومه المباشر على إسرائيل الأولوية لالتزاماته الأيديولوجية والعسكرية العابرة للحدود تجاه طهران على حساب التزاماته الداخلية تجاه لبنان وشعبه، ما عرّض هذا البلد الهشّ لخطر ردّ انتقاميّ مُدمر لا يكاد يتحمّله. ويتجلى هذا الأمر بشكل خاص في ظلّ الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها لبنان، والتي وصفها البنك الدولي بأنّها من “الأزمات الأشدّ على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر”.
في الوقت نفسه، أحدثت الضربات الإيرانية الانتقامية واسعة النطاق على دول مجلس التعاون الخليجي تغيّراً جذرياً في المشهد الدبلوماسي والأمني في الشرق الأوسط. فالدول الخليجية التي عملت في السنوات الماضية على تبنّي نهج براغماتي بهدف إدارة الضغوط وخفض التصعيد الدبلوماسي مع طهران، أصبحت الآن أهدافاً عسكرية مباشرة. وقد تمّ خرق الحاجز الأمني غير الرسمي في المنطقة، وعُطّلت آليات الوساطة التقليدية والضمانات المالية لإعادة الإعمار. ومما تقدّم، يتبين لنا أن الصراع لم يعد صراعاً محلياً، بل أصبح مواجهة متعددة الجبهات تُهدد أسواق الطاقة العالمية، والأمن البحري في مضيق هرمز، وبقاء الدولة اللبنانية نفسها.
ينطوي المشهد الراهن على مخاطر جسيمة، بالتزامن مع غياب تام للفرص المتاحة على المدى القريب، وعدم إمكانية تحقيق اختراقات دبلوماسية تقليدية ملموسة. في ظلّ هذا الواقع، تتشكّل مجموعة من الديناميّات سريعة التطور، والتغيّر، بفعل حسابات حزب الله الإستراتيجية، والموقف السياسي المعارض غير المسبوق من الدولة اللبنانية لهذه الحسابات، والهشاشة المقلقة لمنطقة الخليج.
لطالما ارتبطت حسابات قيادة حزب الله بالواقع الداخلي اللبناني على مرّ التاريخ، إذ يُدرك الحزب أنّ إشعال الحرب سيؤدي إلى تدمير البنية التحتية المدنية في لبنان، وأن ذلك سيكون كارثياً على المستوى السياسي وعلى مستوى قاعدته الشعبية المنهكة اقتصادياً. إلا أنّ اغتيال خامنئي خلق معضلة إستراتيجية. فالتقاعس عن الردّ كان سيقضي على مصداقية حزب الله الذي يتصدّر “محور المقاومة”، ويُشير إلى ضعف قاتل في نظر إسرائيل. لكن باختيار حزب الله إطلاق الهجمات على إسرائيل، فقد جرّ الدولة اللبنانية التي تعاني من الإفلاس والشلل السياسي إلى حرب قد لا تنجو منها. وأصبح الحزب يخوض اليوم صراعاً وجودياً: بحيث يسعى إلى إثبات قدراته الدفاعيّة الكافية لردع أيّ توغلات إسرائيليّة بريّة إضافيّة، بينما يحاول في الوقت نفسه النجاة من حملة إسرائيلية لاستهداف قياداته تُشبه تلك التي نُفذتها إسرائيل مؤخراً في طهران، وقبلها في بيروت في سبتمبر 2024 باغتيال حسن نصر الله، فضلاً عن عملية “البيجر” التي أسفرت عن مقتل 26 شخصاً وإصابة الآلاف.
تظهر ديناميّة جديدة وحاسمة في هذا الصراع، وهي الصدام العلني بين الدولة اللبنانية والجناح العسكري لحزب الله. ففي خروج واضح عن مشهد الوحدة الوطنية الذي كان يتجلّى عادة خلال الأزمات السابقة، أدان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام علناً وبشدة إطلاق حزب الله للصواريخ، واصفاً إيّاه بأنّه “عمل غير مسؤول ومريب” يعرّض الأمن القومي للخطر بشكل أساسي. وقد طالبت الحكومة اللبنانية من حزب الله تسليم أسلحته وحصر نشاطه في العمل السياسي. كما أفادت التقارير أن السلطات القضائية أمرت بالقبض الفوري على المسؤولين عن إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، ما أسفر عن اعتقال اثني عشر مشتبهاً بهم.
يمثّل ذلك شرخاً عميقاً داخل النظام السياسي اللبناني، إذ تسعى الدولة بدعم من شرائح واسعة من الطوائف المسيحية والسنية والدرزية، إلى تجريد حزب الله من شرعية “المقاومة”. ومع افتقار الجيش اللبناني إلى القدرة العسكرية الكافية لنزع سلاح حزب الله بالقوة، يُعززّ هذا الانقسام السياسي العلني وبشكل كبير مخاطر اندلاع صراع داخلي. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الغارات الإسرائيلية المستمرة تدفع مئات الآف المدنيين الشيعة إلى النزوح نحو مناطق تهيمن عليها طوائف أخرى، ما يؤدي إلى سهولة اشتعال موجة واسعة من العنف الطائفي بسبب الضغوط الديموغرافية والاقتصادية.تُشير التجارب الأخيرة إلى تحذيرات في هذا السياق. ففي خلال موجة النزوح التي حصلت في العام الماضي، رفضت بعض المناطق تأجير المساكن لسكان فارّين من الضاحية الجنوبية بسبب التوتّرات الطائفية. وبذلك، يواجه لبنان خطر التعرّض لكارثتين: اجتياح عسكري خارجي مرتبط باضطرابات داخلية.
يعدّ قرار إيران بتوسيع نطاق الحرب عبر استهداف الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت، والمملكة العربية السعودية وقطر، العامل الخارجي الأخطر الذي يفاقم الأزمة اللبنانية. فمن خلال ذلك، تهدف طهران إلى إلحاق خسائر مكلفة بالولايات المتحدة عن طريق مهاجمة الدول التي تستضيف بنيتها التحتية العسكرية في المنطقة. لكنّ هذه الخطوة أدّت إلى إحداث تغيير جذري في البنية الأمنية الإقليمية بالشرق الأوسط، حيث لم يعد بإمكان الدول الخليجية واقعياً أن تضع نفسها في موقع الوسيط المحايد أو الضامن المالي غير المنحاز للبنان.
وتُجبر الهجمات الإيرانية المستمرة على البنية التحتية المدنية والمنشآت العسكرية الأمريكية التي طالت الدول الخليجية كافة، دول الخليج على تفعيل وضعيات دفاعية والتحوّل إلى حالة التأهّب الحربي. ونتيجة لذلك، بات لبنان معزولاً بشكل متزايد عن شبكته الإقليمية التقليدية للأمان. فلطالما أدّت الدول الخليجية دور الضامن المالي الرئيسي للمنطقة، وبالتالي من غير المرجّح الآن، أن تستثمر أيّ دولة خليجية نفوذها السياسي في الوساطة من أجل لبنان أو في تمويل عملية إعادة إعماره كما كانت تفعل سابقاً. وقد قدّمت الدول الخليجية مجتمعة ما لا يقلّ عن 11 مليار دولار أمريكيّ للبنان بين العامين 1963 و2022.
يتحوّل الصراع الدائر حالياً إلى نوع من تبادل الضربات المطوّل والمدمّر دون وجود مخرج دبلوماسي واضح. من خلال ذلك، تقوم إسرائيل بتفكيك البنية التحتية لحزب الله بشكل منهجي جنوب نهر الليطاني، وتنفّذ عمليات اغتيال محدّدة في بيروت. ويردّ حزب الله بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة يومياً تستهدف الأراضي الإسرائيلية. وتبقى الدولة اللبنانية قائمة، لكنها تتحوّل إلى كيان منهك عاجز عن توفير حتّى الخدمات الأساسية لشعبه. وقد تتدخّل الجهات الفاعلة الخارجية، مثل فرنسا، بشكل انتقائي من خلال تقديم مساعدات إنسانية أو دعم محدود لإصلاح قطاع الأمن.
بعد نجاح عملياته في إيران وتعاونه غير المسبوق على مستوى العمليات مع الولايات المتحدة، يتخذ مجلس الوزراء الحربي الإسرائيلي، قراره بأنّ القوة الجوية وحدها غير كافية لإنهاء حزب الله بشكل دائم. فيشنّ الجيش الإسرائيلي غزواً برياً واسع النطاق على جنوب لبنان يهدف إلى إنشاء منطقة عازلة عميقة ودائمة والقضاء على قوات رضوان التابعة لحزب الله، وهي وحدة نخبة مدرّبة على شنّ غارات عبر الحدود إلى شمال إسرائيل. ويؤدي ذلك إلى ردّ فعل عنيف من المجموعات المتبقية المتحالفة مع إيران في العراق واليمن، ما يُرهق الدفاعات الجوية الإقليمية ويُدخل الولايات المتحدة بشكل متزايد في الاشتباك المباشر.
يفرض حجم الدمار الإقليمي الهائل، إلى جانب ارتفاع عدد الضحايا في صفوف المدنيين والاضطراب الشديد الذي لحق بأسواق الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، تدخلاً دولياً موحداً وعاجلاً. ويُفرض وقف إطلاق النار بتفويض من مجلس الأمن الدولي، ما يستلزم الانتشار الفوري لقوة تحالف دولي مسلّحة بشكل كثيف لفصل أطراف القتال في لبنان وفرض نزع سلاح الجهات الفاعلة من غير الدول. ويُعتبر هذا السيناريو الأقل احتمالاً. وفي المقابل، يبقى السيناريو أ، حرب الاستنزاف الطويلة الأمد ومتعددة الجبهات، هو المسار الأكثر ترجيحاً نظراً للشلل الدبلوماسي الحالي.
للتغلّب على هذا الصراع الإقليمي غير المسبوق، يتعيّن على صنّاع القرار التحوّل فوراً من مرحلة منع الصراع التي قد انتهت بالفعل إلى مرحلة السيطرة على الأضرار والحفاظ على الدولة.