بين القطيعة والتمثيل: الخاتمة

يونيو 2026
3 يونيو، 2026

لقد شهد النضال المعاصر من أجل التحرير الفلسطيني انتكاسات متكرّرة على مدى القرن المنصرم، إلا أنّ قلّة منها بلغت مستوى الأزمة الراهنة. تَلتقي فصول هذا الملف حول تقييم مشترك، ألا وهو أنّ الأحداث التي انطلقت في السابع من أكتوبر 2023، لا تشكّل مجرّد أزمة، بل قطيعة تاريخية في الحركة الوطنية الفلسطينية. وفي حين أنّ اعتداء الابادة الجماعية الذي ارتكبته إسرائيل على غزة قد ألقى بثقله على حياة الفلسطينيين بطرق سوف يتردّد صداهاً جيلاً بعد جيل، تُثبت مساهمات الخبراء التي تمّ جمعها هنا أنّ ما يكمن وراء الأزمة المتكشّفة ويفاقمها إنما هو التفكّك السياسي الأكثر تأصّلاً. فقد ظهر على نحو واضح ومكثّف التشرذم والانحلال المؤسساتي وتآكل السلطة التمثيلية، تحديداً في تلك اللحظة التي كان فيها الفلسطينيون بأمسّ الحاجة إلى القدرة على التحرّك الجماعي.

 

تُشدّد فصول متعدّدة من هذا الملف على أنّ هذه القطيعة لم تنشأ في أكتوبر 2023، بل أسهمت في حدوثه في الواقع. وكما يُبيّن كلّ من نور عودة وعمر حسن عبد الرحمن من منظارين متكاملين، فقد دخلت الحركة الفلسطينية الوطنية هذه الحقبة في وقت كانت فيه منهكة أصلاً من ناحية هيكلية وتمثيلية. وقد أدّى تفريغ منظمة التحرير الفلسطينية من مضمونها وإخضاعها إلى السلطة الفلسطينية، والانقسام بين حركتَي فتح وحماس، وتعليق الانتخابات إلى أجل غير مسمّى، والخلط بين حركة التحرير والحكم تحت الاحتلال، إلى إنتاج مؤسّسات وقادة عاجزين عن القيام بعملٍ إستراتيجي. لم يولّد السابع من أكتوبر هذه الأزمة؛ ولكنّه جعلها جليّة على نحو لا لبس فيه. وكانت النتيجة فراغاً إستراتيجياً عميقاً، لم يَعد فيه لا برنامج المقاومة الأحادي لحركة حماس ولا نزعة السلطة الفلسطينية للإذعان من أجل البقاء والتزامها بمشروع سياسي منتهي الصلاحية، قادراً على توفير الحماية للفلسطينيين أو التمثيل الشرعي أو طريق صالح نحو التحرير.

 

يشكّل غياب القيادة الفعالة هذا خيطاً مركزياً يمتدّ عبر فصول الملف. ففي ساحةٍ تلو الأخرى، من القانون الدولي إلى الدبلوماسية الإقليمية فإعادة الاعمار ونشاط الشتات وانخراط الجنوب العالمي، تتكرّر المفارقة عينها. يتمتّع الفلسطينيون اليوم بدرجة غير مسبوقة من السلطة المعنوية والاعتراف القانوني والدعم الدولي الشعبي، غير أنّهم يفتقرون إلى البنية التحية السياسية المطلوبة من أجل تحويل هذه المكاسب إمّا إلى نفوذ أو، الأهم، إلى إنجازات ملموسة. وكما يعلّل عبد رحمن، فقد قادت حركةُ التحرير التمثيلية السابقة في إطار عملية أوسلو إلى خلق بنية حُكم خاضعة للاحتلال العسكري، إلى جانب حركة مقاومة تعمل خارج إطار وطني موحّد لصناعة القرار. وقد أدّى ذلك، بطريقة حتميّة إذا جاز القول، إلى التآكل المستمر للشرعية الشعبية والأهمية الدولية. وحتى لو كان الفلسطينيون يحافظون على ما تبقّى من حضورهم في المحافل الدولية، إلا أنّ هذا الحضور يفتقر إلى ديناميّته السابقة، وتماسكه السياسي، كما تنقصه السلطة لممارسة دور فعّال ومواجهة التحديات الراهنة.

 

يضع فصل معين رباني هذه المفارقة في نطاق القانون الدولي. منذ أكتوبر 2023، حقّق الفلسطينيون أكثر من خرقٍ تاريخي في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وعلى امتداد المنظومة العالمية لحقوق الإنسان، إذ غيّروا المشهد القانوني والخطابي تغييراً جذرياً. بالفعل، تواجه إسرائيل اليوم اتهامات موثوقة بارتكاب إبادة جماعية وفصل عنصري، فيما يُعدّ كبار المسؤولين فيها فارّين من العدالة الدولية، والدولة نفسها مدّعى عليها. بيد أنّ هذا التقدّم تزامن مع عدوان متصاعد على النظام القانوني الدولي نفسه، بقيادة حلفاء اسرائيل الغربيين. ويُظهِر رباني أنّ “الحرب القانونية” تبرز كأداة لإدخال القضية الفلسطينية في صلب النضال الأوسع من أجل بقاء القانون الدولي كإطارٍ عالمي. وبشكل حاسم، يشدّد هذا الفصل على أنّ الانتصارات القانونية لا يسعها أن تحل محلّ القيادة السياسية، حتى وإن توسّع الميدان الذي يمكن فيه خوض النضال السياسي.

 

ويبرز نمط مشابه على الساحتين الإقليمية والدولية، يقوم بمعاينته خالد الجندي وسارانج شيدور. فيُحلّل الجندي أنّ الموقف العربي السالب خلال الابادة الجماعية في غزة ليس مجرّد فشل في التضامن، بل نتيجة للنفوذ الفلسطيني المتناقص، وهو متجذّر في الضعف المؤسساتي والتبعية الإستراتيجية والتشرذم السياسي. وعلى الرغم من أنّ التعاطف الشعبي العربي لا يزال صلباً، في غياب مُحاور فلسطيني موثوق، ثبتت صعوبة حشد الدعم الشعبي وترجمته في عمل الدولة المستدام. ويوسّع شيدور هذا التحليل ليشمل الجنوب العالمي، فيوثّق عودة ملحوظة للتضامن الدبلوماسي والقانوني مع فلسطين. من عمليّات التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى المرافعات أمام محكمة العدل الدولية وتشكيل “مجموعة لاهاي”، تحرّكت دول متعدّدة من الجنوب العالمي للدفاع عن القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين، وغالباً ما كلّفها ذلك ثمناً مادّياً. لكنّ هذا التضامن كان غير متكافئ ومقيّداً بواقعية الحسابات، ومحدودية أوراق الضغط على اسرائيل، وتزاحم الأطر التفسيرية.

 

معاً، يصوّر هذان الفصلان تعقيد سرديّات إما تعاظم التخلّي أو تعاظم الدعم. ويلمحان عوضاً عن ذلك إلى أنّ التهميش الفلسطيني في السياسة الإقليمية والعالمية لا يمكن فصله عن الأزمة السياسية الفلسطينية الداخلية بحدّ ذاتها. وحيث كانت القيادة غائبة، افتقر التضامن الدولي، مهما كان مبدئياً، إلى نقطة ارتكاز. وحيثما كان يُنظَر إلى المؤسّسات الفلسطينية على أنّها غير شرعية او عاجزة، سارعت جهات فاعلة أخرى إلى ملء الفراغ أو سحقت هذه المؤسّسات بواسطة أُطر تكنوقراطية أو أمنية أو مفروضة من الخارج.

 

وما من سياق تتجلّى فيه هذه الديناميكية بوضوح أكبر ممّا تبرز في الصراع الدائر حول إعادة إعمار غزة. هنا يصوّر فصل عبد الرحمن كتانة هذا الصراع على أنّه مبارزة سياسية حول السيادة والأرض والتجربة الحياتية وليس مجرّد عملية عقيمة لاعادة الإنماء. أما الأطر السائدة “لليوم التالي”، بما فيها خطة ترامب، فهي تنزع الطابع السياسي عن الفلسطينيين عمداً وتصوّر غزة كمشكلة إنسانية ينبغي إدارتها وليس كوطن ينبغي إعادة تأهيله بشروط تفرضها استقلالية القرار الفلسطيني. في المقابل، يطرح إطار مبادرة “فينيق غزة” رؤية تتمحور حول توزيع عادل للأراضي، و”الحقّ في المدينة”، وإعادة دمج غزة ضمن مساحة فلسطينية سياسية واقتصادية موحّدة. ولكن حتى هذه المبادرة ذات الجذور المحلية تبقى مقيّدة بغياب قيادة وطنية شرعية قادرة على الدفاع عن استقلالية القرار الفلسطيني في وجه التعديات الخارجية.

 

ويأتي تحليل زها حسن للنشاط الفلسطيني في الغرب ليكمّل الصورة من خلال النظر في الساحة التي كانت فيها استقلاليّة القرار الفلسطيني، والتضامن الشعبي معها، الأكثر ديناميّةً منذ اكتوبر 2023. لقد اعاد نشاط الجاليات الفلسطينية في الشتات تشكيل الرأي العام، وأثّر في نقاشات السياسات، وساهم في دفع التحوّلات القانونية والسياسية في شتى أنحاء أمريكا الشمالية وأوروبا. وقد تجلّت فعاليّة هذا النشاط في حدّة القمع الذي جوبه به. غير أنّ هذا الفصل يُعيد التأكيد على استنتاج جوهري في الملف، ألا وهو أنّ تعبئة الشتات، شأنها شأن القانون الدولي وتضامن دول الجنوب العالمي، لا يمكنها أن تقوم مقام القيادة الإستراتيجية للمؤسّسات الوطنية التمثيلية. ومن دون عمليّات فورية وموثوقة للتجدّد السياسي الداخلي، يلوح خطر أن يفقد هذا الزخم الذي يقوده الشتات اندفاعته.

 

عبر صفحات الفصول السبعة، يبرز تشخيص مشترك: ما يُحدّد القضية الفلسطينية اليوم ليس الاحتلال والفصل العنصري والإبادة الجماعية فحسب، بل أزمة وساطة سياسية بين الشعب الفلسطيني والساحات التي يتمّ فيها تقرير مصيرهم. ومن هنا، فإنّ تشبيه الوضع تكراراً بفترة ما بعد النكبة يُعتبر مفيداً. حينذاك، كما اليوم، خلّفت الكارثة فراغاً تنظيمياً، أعقبته عملية طويلة وغير متكافئة لإعادة بناء الذات سياسياً. يبقى من غير المؤكّد إذا ما كانت القطيعة الحالية ستؤدّي إلى مسار مشابه. ولكن من الواضح أنّ لا المحافظة على الوضع الراهن ولا “الحلول” المفروضة خارجياً يمكنها أن تجد حلاً للقضية الفلسطينية.

 

لا يقدّم هذا الملف مخطّطاً لإعادة الإعمار السياسية الفلسطينية، ولكنّه يطرح مجموعةً من الاقتراحات المبنية على أسس تحليلية: الوضوح القانوني بدون تعبئة سياسية لا يجدي نفعاً؛ وتضامن الدولة بدون توجيه من فعالية القيادة الفلسطينية يبقى رمزياً؛ وإعادة الإعمار بدون سيادة تُعيد توليد الهيمنة والمقاومة؛ والنشاط بدون تجديد مؤسّساتي معرّض لخطر الاستنزاف التكتيكي. في الوقت عينه، تشير فصول الملف إلى أنّ القومية الفلسطينية والصمود والدعم الدولي لا تزال قوية، وإن كانت مشتّتة حالياً.

 

في نهاية المطاف، لن يكون مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية رهناً بتماسك الخطط الدولية أو حسن نوايا الجهات الفاعلة الخارجية، بل بظهور أو إحياء البنى السياسية القادرة على توحيد الفلسطينيين على امتداد الجغرافيا، واستعادة استقلالية صناعة القرار ومواءمة الشرعية الأخلاقية مع القدرة الإستراتيجية على تحقيق القوة والنفوذ. تبقى حتمية حدوث هذا التحوّل موضع شك، بيد أنّ ضرورة حصوله هي الاستنتاج المشترك، والواقعي، الذي خلص إليه هذا الملف.

 

مع ذلك، تُتيح السوابق التاريخية والتوجّهات الناشئة وتراجع مكانة اسرائيل عالمياً للفلسطينين مكاسب إستراتيجية كانوا يفتقرون إليها في أعقاب النكبة. وهذا، من حيث المبدأ، يُهيّئهم على نحو أفضل من أجل نهضة وطنية مقارنةً بالخمسينات. وقد يساعدهم استخلاص العِبَر المناسبة من هذه المجموعة في تحقيق المزيد من النتائج الملموسة.