من التضامن العربي إلى الانخراط الإقليمي القائم على المشاريع: تقوم العلاقات بين الخليج والمغرب العربي اليوم على مشاريع محدّدة وتعاون قطاعي ولا تُعبّر عن تكامل رسمي. وفيما يوفّر هذا النهج قدراً من المرونة، فهو يحدّ من عمق الأطر المؤسسية.
تباينات بنيوية لا تكتيكية: تنبع التباينات بين دول المغرب العربي في انخراطها مع الخليج من اختلافات بنيوية في تصوّرات التهديد والإستراتيجيات الاقتصادية، حيث تؤدي إدارة السيادة دوراً حاسماً في تشكيل الشراكات الخارجية، ولا تعكس اعتبارات ظرفية أو شخصية.
رأس المال الخليجي إستراتيجي لكنّه لا يحدث تحوّلات جذرية: أسهمت الاستثمارات الخليجية في دعم اقتصادات شمال أفريقيا المتعثرّة، لكنها تبقى انتقائية ومحكومة بحسابات سياسية. ورغم قدرتها على دعم الموازنات وتمويل البنية التحتية وتعزيز استقرار الأنظمة، فإنها لا تغني عن الإصلاحات الهيكلية ولا تضمن تحقيق تنمية مستدامة.
“الهندسة المتغيّرة” تحكم العلاقات: في ظلّ تصاعد التنافس متعدّد الأقطاب وتراجع فاعلية الأطر الأمنية الإقليمية، يُرجّح أن تظلّ العلاقات بين مجلس التعاون والمغرب العربي مرنة وقائمة على المصالح المشتركة، بدلاً من السعي إلى تماهٍ إقليمي شامل. وقد يخفّف هذا النهج من أعباء الالتزامات، لكنه في المقابل يرفع من مخاطر التشرذم.
على مدى العقد الماضي، انتقلت العلاقات بين دول الخليج والمغرب العربي من دبلوماسية ظرفية إلى شبكات متداخلة تستند إلى الاستثمارات والهجرة والحوار الأمني. وقد أفرز هذا التحوّل نمطاً براغماتياً من التفاعل بين المنطقتين، تقوده مساعي التنويع الاقتصادي والتداعيات الأمنية والتحوّلات في موازين القوى العالمية. وقد باتت هذه العلاقات تتمحور بشكل متزايد حول مشاريع محدّدة وقطاعات وممرّات اقتصادية إستراتيجية، تشمل الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية والطاقة المتجدّدة وأنشطة الأعمال الزراعية والبنية التحتية الرقمية، بدلاً من الاصطفافات الأيديولوجية أو نماذج التكامل التقليدية.
يعكس هذا التطوّر في العلاقات توجّهاً نحو التنويع الاقتصادي لدى الطرفين. فدول المغرب العربي التي تواجه تحوّلات في طبيعة علاقتها مع الشركاء الغربيين التقليديين، إلى جانب ضغوط اقتصادية عالمية متزايدة، عمدت إلى تنويع انخراطها الدولي من خلال تعميق روابطها مع قوى غير غربية، مثل الصين ودول الخليج ضمن إستراتيجية أوسع تقوم على دبلوماسية المصالح والسعي إلى تعزيز استقلالها وسيادتها.1
في المقابل، كثّفت دول الخليج حضورها في المغرب العربي ضمن استراتيجيات تنويع أيضاً، تستهدف تأمين سلاسل الإمداد الغذائية، وتطوير مراكز الخدمات اللوجستية، وبناء شراكات في قطاع الطاقة، وتعزيز الوصول إلى الأسواق الأفريقية والأطلسية. وقد نتج عن كلّ ذلك نمط من التعاون المتداخل لكن الانتقائي، تتقاطع فيه الأدوات الاقتصادية بشكل متزايد مع الشراكات الأمنية.
يخلص موجز القضية هذه إلى أن العلاقات الراهنة بين الخليج والمغرب العربي أقرب إلى نموذج من التعاون المرن، لا تحكمه تحالفات ثابتة أو تكتلات مؤسّسية. فبدلاً من التوجّه نحو نظام إقليمي موحّد، تبقى اصطفافات دول المنطقتين مرنة ومحدّدة القضايا، تتيح التعاون عند تقاطع المصالح، وتُبقي مسافة عند تباينها. وبذلك، تحلّ البراغماتية الاقتصادية وأمن الأنظمة وسياسات التحوّط الجيوسياسي محل الأيديولوجيا كمحرّكات رئيسية لهذا التفاعل بين المنطقتين.
على مدى العقد الماضي، تحوّلت العلاقات بين الخليج والمغرب العربي من دبلوماسية ظرفية إلى أنماط تفاعل أكثر عمقاً وتنظيماً مؤسّسياً. وعكس هذا التحوّل إعادة تموضع في العلاقات البينية العربية نحو تعاون براغماتي قائم على القضايا، بدلاً من إحياء نهج التكتلات العربية التقليدية. وبناءً على ذلك، باتت تدفّقات الاستثمارات، وتنقّل العمالة، والحوار الأمني، والتنسيق السياسي الانتقائي تتقدّم على المعاهدات الرسمية أو الاصطفافات الأيديولوجية.
ترتكز هذه الديناميكيات على ثلاث قوى هيكلية رئيسية. أوّلاً، اتجهت دول الخليج، ولاسيّما السعودية والإمارات وقطر، إلى توسيع انفتاحها غرباً ضمن إستراتيجيات تنويع تستهدف تأمين سلاسل الإمداد الغذائية، وتطوير ممرّات الخدمات اللوجستية، وبناء شراكات في قطاع الطاقة، وتعزيز الوصول إلى الأسواق الأفريقية والأطلسية. ثانياً، في ظلّ تباطؤ الطلب الأوروبي وتصاعد الضغوط المالية، تنظر حكومات المغرب العربي إلى رؤوس الأموال الخليجية بوصفها مصدراً تمويلياً أقلّ فرضاً للشروط يدعم الاستقرار الاقتصادي.3 ثالثاً، أسهم تسارع التحوّل نحو تعدّدية الأقطاب، مدفوعاً بصدمات الطاقة والتطوّر التكنولوجي وتغيّر أولويات القوى الكبرى، في تعزيز شراكات مرنة بين دول الجنوب، بدلاً من أنماط التبعية الهرمية.4
ينظر صانعو السياسات في الخليج بشكل متزايد إلى المغرب العربي5 بوصفه فضاءً إستراتيجياً مترابطاً يصل بين البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والمحيط الأطلسي.6 ووفق هذا التصوّر، يشكّل المغرب وموريتانيا بوابتين نحو الأطلسي، فيما توفّر الجزائر موارد الطاقة والوزن العسكري، وتسهم ليبيا في مجال الطاقة، وتقدّم تونس رأسمالاً بشرياً وإمكانات تكنولوجية. ومع ذلك، لا تفضي هذه المقاربة المكانية إلى تماهٍ إقليمي، إذ تسعى كلّ دولة من دول المغرب العربي على غرار نظيراتها في الخليج، إلى تحقيق توازنها الخاص بين السيادة والترابط البيني، ما يفضي إلى أنماط متباينة من الشراكات مع الخليج، في ظلّ استمرار شلل اتحاد المغرب العربي.
يمكن مقاربة هذه العلاقة انطلاقاً من مفهوم “الهندسة المتغيّرة”، وهو نمط من التعاون المرن تتعمّق فيه الشراكات بين مجموعات فرعية من الدول حول مصالح مشتركة، رغم تباينها في قضايا مثل السيادة أو الأيديولوجيا أو الأمن أو الاصطفافات. وبدلاً من تحرّك جميع الأطراف ضمن تكتل واحد بالوتيرة نفسها، تتقدّم مجموعات أصغر للتعاون في مشاريع أو سياسات محدّدة وفقاً لمصالحها وقدراتها.
أدّى ذلك إلى تبلور شكل من المقاربات الإقليمية المتشابكة القائمة على المصالح المشتركة، حيث باتت مذكّرات التفاهم، واستثمارات الصناديق السيادية، وبرامج التدريب المشتركة، والاستثمارات الموجّهة، أدوات رئيسية في إدارة العلاقة بين الخليج ودول المغرب.
في المقابل، تدفع سياسات التنويع الاقتصادي في الخليج، إلى جانب النموّ السكاني وجهود خفض الانبعاثات، نحو توسيع الاستثمارات الخارجية والبحث عن عمق استراتيجي يتجاوز حدود شبه الجزيرة العربية.7 ويقود ذلك إلى تعاون مستدام قائم على المصالح، يتسم بالانتقائية لكن له بعد استراتيجي أيضاً. وبدلاً من الانكفاء عن بؤر التوترات الأمنية، يعكس الحضور الخليجي المتنامي في المغرب العربي توجهاً أوسع لتوزيع المخاطر، فيمزج بين انخراط جيوسياسي مرتفع المخاطر وتوسّع اقتصادي أقلّ عرضة للتقلّبات في شمال أفريقيا.
توضح دراسات الحالات التالية كيف تتجسّد مقاربات “الهندسة المتغيّرة” الإقليمية على أرض الواقع، إذ تنخرط دول المغرب العربي مع الخليج عبر صيغ متباينة تجمع بين البراغماتية الاقتصادية والتعاون الأمني وإدارة السيادة، وفقاً لخصوصية كلّ دولة.
يتصدّر المغرب دول المغرب العربي من حيث عمق علاقاته وطابعها المؤسساتي مع الأنظمة الملكية في الخليج.8 فقد عملت الرباط منذ سبعينيات القرن الماضي، على ترسيخ سردية تقوم على أخوّة الملكيات العربية، تستند إلى شرعية السلالات العائلية والروابط الدينية واستمرارية الأنظمة. وقد تُرجم هذا التقارب الرمزي إلى دعم سياسي مستمرّ وتعاون اقتصادي ملموس، لاسيّما مع السعودية والإمارات وقطر.
شكّل الدعم الخليجي لمطالب المغرب في الصحراء الغربية إحدى الركائز الأساسية لهذه العلاقة.9 فعلى مدى العقد الماضي، ولاسيّما منذ عام 2020، واصلت دول الخليج تأكيد دعمها لموقف الرباط في المحافل الدولية، والقاضي بمنح إقليم الصحراء الغربية حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية. كما عزّز افتتاح قنصليتي الإمارات والبحرين في العيون والداخلة هذا التوجّه، في إشارة إلى اعتراف دبلوماسي بسيادة المغرب.10 وقد ترافق هذا التضامن السياسي مع تدفّق استثمارات خليجية إلى قطاعات البنية التحتية والسياحة والخدمات اللوجستية والطاقة، ما رسّخ موقع المغرب كبوابة مفضّلة لرؤوس الأموال الخليجية نحو أفريقيا الأطلسية.11
على الصعيد الاقتصادي،12 قدّم المغرب انخراطه مع دول الخليج كجزء من إستراتيجية أوسع للتنويع الاقتصادي، تشمل تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة المتجدّدة والأنشطة التجارية الزراعية والتصنيع، فيما عمل على موازنة علاقاته الخارجية عبر توسيع الشراكات خارج أوروبا.13 تركّزت الاستثمارات الإماراتية والسعودية في قطاعات الموانئ والمناطق الصناعية والمرافق والطاقة المتجدّدة وأنشطة التجارة الزراعية، بما ينسجم مع طموح المغرب لترسيخ موقعه كمركز لوجستي إقليمي.14 وعلى خلاف دول أخرى في المغرب العربي، حظيت رؤوس الأموال الخليجية في المغرب بترحيب واسع وأُدرجت ضمن أطر مؤسّسية، ما يعكس مستوى مرتفعاً من الثقة والتوافق السياسي.15
امتدّت هذه العلاقات لتطال التعاون الأمني أيضاً، إذ حرصت الرباط على توطيد تعاونها مع المؤسّسات الدفاعية الخليجية عبر مناورات مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والمشاركة في مبادرات أمنية تقودها دول الخليج.16
كما أضاف تطبيع العلاقات مع إسرائيل17 برعاية الولايات المتحدة بُعداً جديداً لهذا التقارب، ما فتح المجال أمام تعاون ثلاثي في مجالات تقنيات الدفاع والأمن السيبراني والاستخبارات.18 وخلال أزمة الخليج عام 2017، حافظت الرباط على موقف محايد، مع إبقائها على علاقاتها مع قطر وعرض الوساطة لحلّ الأزمة،19 في تجسيد لنهج أوسع يقوم على بناء الجسور والتحوّط الدبلوماسي.
في المجمل، يعكس انخراط المغرب مع دول الخليج نموذج “الهندسة المتغيّرة” في أكثر صوره تعاوناً. فقد أفضى تلاقي المصالح السياسية والتوافق الجيوسياسي والتكامل الاقتصادي إلى بناء شراكة متينة، مع حرص الرباط في الوقت نفسه على الحفاظ على هامش مناورة وتفادي أي ارتهان استراتيجي كامل. وبذلك، يبرز المغرب بوصفه النموذج الأكثر تقدّماً للتقارب بين مجلس التعاون والمغرب العربي، وهو تقارب يقوم على إدارة دقيقة للسيادة، لا على اصطفاف غير مشروط.
لعلّ أفضل مدخل لفهم علاقة الجزائر بدول الخليج ينطلق من خلال مقاربة مزدوجة تجمع بين الواقعية السيادية ونهج “الهندسة المتغيّرة”. فمنذ أواخر عام 2019، عزّزت الجزائر حضورها الاقتصادي، مع تمسّك بثوابتها المرتبطة بالسيادة ووحدة أراضيها ورفض أي تدخّل خارجي. وفي موازاة ذلك، وسّعت علاقاتها الاقتصادية مع الشركاء الخليجيين، من دون أن يقترن ذلك باصطفاف أيديولوجي أو اندماج ضمن تكتلات إقليمية.
يُعدّ قطاع الطاقة الركيزة الأكثر انتظاماً واستدامة في العلاقات بين الجزائر ودول الخليج. إذ تنسّق الجزائر عن كثب مع السعودية والإمارات ضمن تحالف “أوبك+” لإدارة مستويات الإنتاج واستقرار الأسعار. وفي نوفمبر 2024، كانت الدول الثلاث من بين ثمانية منتجين مدّدوا خفض الإنتاج الطوعي حتى نهاية العام،20 قبل أن تتفق المجموعة نفسها في مارس 2025 على زيادة الإنتاج اليومي.21
يسلّط هذا التنسيق المؤسّساتي الضوء على ديناميكية أساسية مفادها أن الجزائر وكبار المنتجين الخليجيين يواصلون العمل ضمن آليات حوكمة مشتركة لقطاع الطاقة. توفّر “أوبك+” إطاراً متعدّد الأطراف يسهم في استقرار العلاقة ويخفّف من حدّة الخلافات الجيوسياسية الأوسع.
تعكس علاقات الجزائر مع السعودية براغماتية اقتصادية محسوبة أكثر من كونها إعادة تموضع استراتيجي. وقد تجسّد هذا التوجه في اتفاق تقاسم الإنتاج البالغة قيمته 5.4 مليار دولار لمدة 30 عاماً الذي أبرمته شركة “سوناطراك”، المملوكة للدولة الجزائرية، مع شركة “ميداد للطاقة – شمال أفريقيا” السعودية في حوض إيليزي في أكتوبر 2025. إذ شمل تمويلاً سعودياً كاملاً، ومرحلة استكشاف تمتد سبع سنوات، وموارد متوقعة تقارب 993 مليون برميل من النفط المكافئ.22 يتيح هذا الاتفاق للجزائر الوصول إلى رؤوس الأموال الخليجية، مع الحفاظ على سيطرة الدولة عبر آلية تقاسم الإنتاج.
في المقابل، تبدو قطر أكثر توافقاً هيكلياً مع الجزائر، حيث تقوم العلاقة بينهما على تعاون صناعي طويل الأمد. وتُعد شركة “الجزائر القطرية للصلب” التي تأسست انطلاقاً من شراكات بين “قطر إنترناشيونال”، وهو مشروع مشترك بين “قطر ستيل” و”قطر للتعدين” وشركاء جزائريين،23 حجر الزاوية في هذه العلاقة. وفي عام 2023، سجّلت الشركة تعاملات بنحو 1.2 مليار دولار، مع خطط لمضاعفة طاقتها الإنتاجية من مليوني طنّ من منتجات الحديد النهائية سنوياً إلى أربعة ملايين طن.24
امتد هذا الانخراط ليشمل قطاع الزراعة الإستراتيجية. ففي أبريل 2024، وقّعت شركة الألبان القطرية “بلدنا” اتفاقاً مع وزارة الزراعة الجزائرية لإطلاق مشروع متكامل للألبان بقيمة 3.5 مليار دولار، يهدف إلى تقليص واردات الحليب المجفّف.25 وتنسجم هذه الخطوة مع توجّهات الجزائر لتعزيز الأمن الغذائي واستبدال الواردات. ورغم أن دول الخليج تستقطب عدداً محدوداً نسبياً من العمالة الجزائرية مقارنة بأوروبا،26 فإنّ هذا البعد الاجتماعي، على محدوديته، يظل مكمّلاً لمسارات التعاون الصناعي والدبلوماسي.
يبرز هذا التقارب الانتقائي للجزائر مع قطر والكويت27 والسعودية وعُمان28، في مقابل علاقة معقّدة مع الإمارات، إذ أفادت تقارير بأن الجزائر درست مطلع عام 2026 احتمال قطع العلاقة بالكامل.29 ومنذ عام 2024، باتت تنظر إلى النشاط الإقليمي الإماراتي، ولاسيّما في ليبيا ومنطقة الساحل، على أنّه يتعارض مع سيادتها.
تتفاقم هذه الشكوك في ظل التطورّات في منطقة الساحل وليبيا، اللتين تمثّلان امتداداً للمحيط الأمني الجزائري. فمنذ عام 2023، أدّى تآكل أطر التعاون الأمني متعددة الأطراف في الساحل، إلى جانب توتر العلاقات مع السلطات العسكرية في مالي والنيجر،30 إلى رفع مستوى حساسية الجزائر تجاه أي تدخّل خارجي في هذه المناطق.
تعكس هذه التوترات تباينات هيكلية أعمق، إذ تعطي الجزائر أولوية للحلول التفاوضية ومبدأ عدم التدخل، فيما يفاقم النشاط الإقليمي للإمارات، إلى جانب تقاربها الوثيق مع المغرب، الخصم التقليدي للجزائر، حالة التوتر بين الطرفين. في سياق “الهندسة المتغيّرة”، يتراجع زخم التعاون كلما اتسعت فجوة تصوّرات التهديد. ويبدو هذا الخلاف أقرب إلى كونه بنيوياً منه ظرفياً، إذ يستند إلى تباين في عقائد الأمن واستراتيجيات النفوذ، ويتعمّق بفعل الشراكة الوثيقة بين أبوظبي والمغرب ودورها في ليبيا.
سعت تونس، منذ العام 2020، إلى حشد الدعم الخليجي لرفد اقتصادها الهش بشيءٍ من الاستقرار، مع الحرص على تجنّب الاصطفافات السياسية أو الأمنيّة.31 وقد صاغت الحكومات التونسية المتوالية علاقاتها مع دول الخليج في إطار التبادلات التجارية البحتة، مع التركيز على استقطاب المساعدات المالية، والاستثمارات، والدعم الإنساني بدلاً من عقد الشراكات الاستراتيجية.
لا تزال قطر الطرف الخليجي الأكثر موثوقية لدى تونس.32 ورغم أن الدوحة لم تفِ بكامل تعهداتها البالغة مليارات الدولارات في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية (بما في ذلك تعهدها بتقديم حزمة مساعدات بقيمة 1.25 مليار دولار في عام 2016)، إلا أن المقاربة القطرية اتسمت عموماً بشروط أقلّ والابتعاد عن التوجهات الأيديولوجية.33 وهذا ما مكّن تونس من تأمين الموارد الخارجية من دون المساس باستقلالها الدبلوماسي أو التورّط في الصراعات ما بين دول الخليج. إلا أن احتياجات تونس المالية كانت حادّة. في يوليو 2023، قدّمت المملكة العربية السعودية لتونس قرضاً ميسّراً بقيمة 400 مليون دولار أمريكي إلى جانب منحة بقيمة 100 مليون دولار أمريكي لدعم المالية العامة التونسية الواقعة تحت ضغط الديون وتوقف مفاوضات صندوق النقد الدولي.34 كما تعاونت هيئات التنمية السعودية مع سلطات التخطيط التونسية في تقديم مساعدات أصغر حجماَ، مثل قرض ميسر بقيمة 38 مليون دولار أمريكي في يونيو 2025 لدعم البنية التحتية الريفية والإسكان والمرافق الاجتماعية في المناطق الجنوبية المحرومة،35 مما يعكس بصمة التنمية السعودية الراسخة في تونس.
من جهتها، ساعدت الإمارات والكويت تونس من خلال الدعم المالي ودعم المشاريع، وإن كان ذلك على نطاق أضيق وأكثر حذراً. ناقشت صناديق الثروة السيادية الخليجية مسألة تمويل مشاريع بنية تحتية تشمل تطوير النقل وتحلية المياه ودعم الشركات أو التزمت بها، إلا أن التنفيذ كان متفاوتاً. وتُدرج المؤسسات التمويلية الإماراتية التعاون مع تونس ضمن مبادراتها التنموية العربية الأوسع نطاقاً.36
على الرغم من هذه التدفقات المالية، قاوم صانعو السياسات التونسيون الانخراط في اصطفافات سياسية أعمق. وهو ما يعكس مخاوف حادةّ لدى الرأي العام التونسي حيال الشرعية الداخلية، وحذراً من التأثير الخارجي على السياسة، لا سيما عقب التعديلات الدستورية المثيرة للجدل وتعثّر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وقد أكدّت القيادة التونسية مراراً وتكراراً أن الاتفاقات المشروطة مع صندوق النقد الدولي، وخاصة تلك التي تتضمن خفض الدعم أو تنفيذ الإصلاحات الهيكلية قد تؤدي إلى إثارة اضطرابات اجتماعية. وهذا يُبرز هشاشة الاقتصاد السياسي الذي تُجرى في إطاره مفاوضات الدعم الخليجي.37 ونتيجة لذلك، يُنظر إلى المساعدات الخليجية في تونس على أنها مجرد دعم مالي، وليست وسيلة لإعادة الاصطفاف الاستراتيجي.
أكد الموقف الدبلوماسي التونسي على الحياد والتوازن. فحتى في خضم الضغوط المالية، تجنّبت تونس تأييد المبادرات الإقليمية التي تقودها دول الخليج والتي يمكن أن تُعدّ ملزمة سياسياً، بما في ذلك الأطر الأمنية الرسمية، والمنصّات الاقتصادية ذات الطابع السياسي، أو الاصطفاف الصريح في النزاعات العربية-العربية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فضّلت السلطات التونسية الدعم المالي المؤقت على الشراكات الاستراتيجية المؤسسية. يعكس كل ما سبق مخاوف تونس من الانجرار إلى الصراعات الجيوسياسية. ومع ذلك، فقد عقدت تعاوناً أمنياً تقنياً محدوداً مع بعض دول الخليج، لا سيما في مجالات مثل التدريب وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب مع شركاء كالبحرين.38 إلا أن هذا التعاون لا يزال محدوداً ومحصوراً في نطاق ضيق.
يتبدّى حدود نفوذ تونس عند النظر إلى غياب الاستثمارات الخليجية التحويلية واسعة النطاق، على عكس مصر مثلاً. فبينما يمكن لرأس المال الخليجي وتمويل التنمية أن يُخففا من حدّة الاضطرابات المالية قصيرة الأجل، إلا أنهما لم يُسهما في إحداث تحوّلٍ اقتصاديٍ هيكلي أو إطلاق شرارة زخم تنموي طويل الأجل. وعليه، تُمثل تونس نموذجاً مبسطاً للهندسة المتغيرة؛ إذ يكاد يقتصر تعاونها مع دول الخليج على تأمين البقاء الاقتصادي وبعض المشاريع التنموية المحددة.
تشكّل ليبيا أسطع مثال عن كيفية تحوّل العلاقات بين دول الخليج والمغرب العربي إلى علاقات تنافسية بدلاً من العلاقات التعاونية. فبالنسبة لدول الخليج، تُعدّ ليبيا ساحةً للصراع الأمني وميداناً لاختبار نماذج متنافسة للنظام الإقليمي.39 أما بالنسبة لدول المغرب العربي، ولا سيما الجزائر، فهي تمثل مصدراً مستمرّاً لعدم الاستقرار، ذي تداعيات أمنية مباشرة.
كانت الإمارات العربية المتحدة أكثر دول الخليج نشاطاً في ليبيا.40 فخلال نزاع 2019-2020، برزت أبوظبي كداعم رئيسي للقوات الليبية الشرقية المتحالفة مع خليفة حفتر. وهو ما تعارض مع جهود الوساطة المدعومة من الأمم المتحدة وأدى إلى تعميق انقسام ليبيا، ممّا عزز مخاوف الجزائر من التدخل العسكري الخارجي على طول حدودها الشرقية. في المقابل، حافظت قطر على علاقاتها مع سلطات طرابلس، وقدّمت نفسها كداعم للحوار السياسي واستمرارية المؤسسات. ومع أن الدوحة قد التزمت مؤخراً بدور أكثر تحفظاً مما كان عليه في المراحل السابقة من النزاع، إلا أن انخراطها يُبرز استمرار شبكات الرعاية الخليجية الموازية في المشهد السياسي الليبي المتشرذم.
بالتوازي، اكتفت المملكة العربية السعودية بدورٍ محدودٍ، ركّز على المشاركة الدبلوماسية ودعم العمليات التي تقودها الأمم المتحدة، وهو ما يعكس تحوّلاً أوسع نحو الاضطلاع بجهود خفض التصعيد والوساطة بعد سنوات من التمدّد الإقليمي.41 ومنذ عام 2021، أسهم التقارب مع قطر في الحدّ من المواجهة العلنية بين دول الخليج في ليبيا، من دون أن يلغي تنافسها على النفوذ. وقد اعتمدت الجهات الدبلوماسية الإماراتية لهجة أكثر حذراً في تصريحاتها العلنية، مؤكدةً على الحوار والاستقرار، إلا أن ظلال تدخلاتها السابقة لا تزال تؤثر على الديناميكيات الليبية والتصورات الإقليمية. ولا يزال انخراط دول الخليج في ليبيا يتسم بالحذر بدلاً من الانسحاب.
بناءً على ما سبق، تحتل ليبيا موقعاً وسيطاً في العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب العربي. فهي لا تشكّل ساحة اصطفاف عميق ولا حالة من الانكفاء الكامل، بل هي ساحة هجينة تُعيد فيها دول الخليج تقييم استراتيجياتها ضمن قيود معينة. وتُبرز الحالة الليبية حدود قدرة دول الخليج على بسط نفوذها، والتكاليف المستدامة للتدخلات الخارجية المتنافسة في أنظمة سياسية هشة.
لطالما كان موقع موريتانيا من العلاقات الخليجية المغاربية هامشياً، لكنها اكتسبت خلال العقد الماضي مكانة استراتيجية بارزة كلاعب يتمتع باستقرار نسبي عند ملتقى المغرب العربي والساحل والمحيط الأطلسي. وقد زاد استقرارها السياسي ودورها المتنامي في الأمن الإقليمي من جاذبيتها كشريك لدول الخليج الساعية إلى تعزيز نفوذها في غرب أفريقيا من دون المخاطر المصاحبة للمناطق الأكثر اضطراباً.
أدّت قطر دوراً محورياً في إعادة موريتانيا إلى شبكة العلاقات الخليجية. فعلى الرغم من تحالف نواكشوط مع خصوم الدوحة عام 2017 إثر قطعها العلاقات الدبلوماسية ووقف خطوط النقل، استؤنفت تلك العلاقات عام 2021 مع إعادة فتح سفارة قطر.42 ومنذ ذلك الحين، تعهدت قطر بتقديم دعم كبير لمشاريع البنية التحتية والتنمية الاجتماعية والمشاريع الإنسانية.43
صبّت كلّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جهودهما على التعاون الأمني، ودعم بناء القدرات في مجال مكافحة الإرهاب، ومبادرات أمن الحدود، والدعم المؤسسي المرتبط بجهود تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل.44 ومع أن مشاركة موريتانيا في الأطر متعددة الأطراف لمنطقة الساحل تطوّرت بالتوازي مع تدهور فعالية الآليات الإقليمية، لا تزال نواكشوط تقف كوسيط موثوق قادر على التنسيق مع مختلف الجهات الفاعلة الإقليمية والشركاء الخارجيين.45 تُسهم موريتانيا بخبراتها العملية المتعلّقة بحروب الصحراء، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق الأمني، بينما يُقدّم الشركاء الخليجيون التمويل والمعدّات والدعم السياسي. وهو ما يعكس شراكة أمنية براغماتية لا توافقاً أيديولوجياً، في تماشٍ مع الموقف الدبلوماسي الموريتاني الأوسع.
من الناحية الإستراتيجية، لا تكمن أهمية موريتانيا في ثقلها الاقتصادي بقدر ما تكمن في فائدتها العملية. فمع تفتت المبادرات التعدّدية في منطقة الساحل وحلول الترتيبات الأمنية المتمحورة حول الدولة محل الأطر الجماعية، تُوفر موريتانيا لدول الخليج منصة مستقرة للانخراط على الحافة الغربية للمنطقة.46 بنظر نواكشوط، يعزّز التعاون الخليجي استقرار النظام وحضور البلاد الدولي دون إلزامها بتحالفات صارمة. ومنذ عام 2023، قدّمت صناديق سعودية وقطرية وإماراتية الدعم لمراكز التدريب على مكافحة الإرهاب، وتقنيات أمن الحدود، وبرامج المراقبة الساحلية في موريتانيا.47 وبموجب هذا الترتيب العملي، يوفّر الشركاء الخليجيون رأس المال والمعدات، بينما تُقدم موريتانيا الخبرة الميدانية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والنفاذ الإقليمي.48
بذلك، تُجسد موريتانيا نموذجاً بسيطاً وفعالاً للهندسة المتغيرة. فهي تتفاعل مع الخليج على أساسٍ انتقائي، يركز على الأمن، ويتمّ ضبطه بعناية للحفاظ على السيادة، ممّا يُبرز كيف يُمكن لدول المغرب العربي الأصغر حجماً الاستفادة من موقعها الاستراتيجي وخبرتها لحجز موقعٍ في نظام إقليمي مُتغير.
كشفت ردود فعل دول المغرب العربي حيال تصعيد فبراير 2026 عن تباين ملحوظ: فبينما أعرب معظمها عن التضامن مع دول الخليج عقب الضربات الإيرانية، التزمت الصمت إلى حد كبير حيال الهجمات الأمريكية الإسرائيلية الأولى على إيران.49
تجنّب المغرب والجزائر إدانة الضربات الأمريكية – الإسرائيلية،50 في خطوةٍ تعكس حسابات استراتيجية أوسع نطاقاً مرتبطة بالعلاقات مع واشنطن وأولوياتها الإقليمية مثل قضية الصحراء الغربية. وقد اتخذت كل من تونس51 وموريتانيا52 أيضاً هذا الموقف الانتقائي، إذ أدانتا العدوان على الدول العربية مع الامتناع عن التطرق مباشرةً إلى الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران. في المقابل، أدانت السلطات الليبية المعترف بها دولياً في طرابلس كلاً من الضربات الأمريكية الإسرائيلية والردّ الإيراني، داعيةً إلى الحوار وخفض التصعيد.53
دخلت العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب العربي مرحلةً جديدة لا تقوم على التوافق الأيديولوجي أو بناء التكتلات، بل على المشاركة المضبوطة والمنطلقة من المصالح المشتركة. ففي مختلف أنحاء المغرب العربي، تُبنى الشراكات مع دول الخليج حول الأولويات الوطنية، لا كجزءٍ من موقف إقليمي موحّد.
يُبرز هذا التباين حقائق بنيوية. فالتعاون يتقدّم حيث تتلاقى المصالح المادية كإدارة الطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والاستقرار المالي، ويتباطأ حيث تتباعد عقائد السيادة، أو تصورات التهديد، أو الطموحات الإقليمية. فتكون النتيجة شبكة من الشراكات التكيفيّة، بدلاً من البنية الإقليمية المتماسكة.
في غياب إطار مؤسسي مشترك أو رؤية استراتيجية موحدة، يُستبعَد أن تنتهي العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب العربي إلى تأسيس نظام إقليمي متماسك. بل ستبقى هذه العلاقات مرنة، وقائمة على المصالح المتبادلة، ومحاطة بتحوطات استراتيجية، متأثرة بالقيود الداخلية، وتغيرات المشهد الأمني، وإعادة تشكيل المشهد السياسي العالمي متعدد الأقطاب.
لا تلتبس الصورة على صناع السياسات، فدلالتها واضحة: يكمن مستقبل التعاون بين الخليج والمغرب العربي في إدارة أوجه عدم التكافؤ، وتخفيف حدّة الاحتكاك، وإضفاء الطابع المؤسسي على التعاون العملي حيث تتلاقى المصالح، ولا يكمن في بناء تكتلات رسمية. وسيعتمد الاستقرار بشكل أقل على التصميم الإقليمي الشامل، وبشكلٍ أكبر على التنسيق المنضبط والمتخصص في قطاعات محددة ضمن بيئة جيوسياسية لا تنفكّ تزداد تنافسية.