كيف أعادت حرب إيران تشكيل السياسة والرأي العام الأمريكي؟

موجز قضية، أبريل 2026
المدير العام
26 أبريل، 2026

النقاط الرئيسيّة

الديناميكيات الداخلية هي محور السياسة الحربية الأمريكية: كَشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية عن أهمّية الديناميكيّات الداخلية في تشكيل سياسات الولايات المتّحدة المتعلّقة بالصراعات. فالدعم الشعبي والوحدة الداخلية السياسية لا تقلان أهمّية عن القوّة العسكرية لتحديد قدرة واشنطن على الاستمرار في الحرب الراهنة.

الانقسام السياسي والإعلامي يُشكّلان مسارات الحرب: هناك مجموعة من العوامل التي تؤدي دوراً بالغ الأهمية في تحديد نطاق العمليات العسكرية الأمريكية ووتيرة تصعيدها ومدتها الزمنية، وتؤثر بشكل كبير في فرص استمرار الحروب أو تصعيدها أو إنهائها من حيث الكيفية والتوقيت، ومنها: الرأي العام، وديناميكيّات الكونغرس، وانقسام وسائل الإعلام.

تململ القوى الحزبية وتضييق الخناق على القرارات الاستراتيجية: لا شكّ أنّ القوى الحزبية ضاقت ذرعاً بويلات الحروب، وقد ترسّخ اتجاه متعاظم نحو الانكفاء داخل أوساط هذه القوى، وهذا يؤدّي إلى تقليص هامش الإجماع المحلّي حيال التدخّلات الخارجية الأمريكية طويلة الأمد، ويزيد من الضغط لتطبيق التنمية الاقتصادية والمؤسّسية الداخلية ومنحها الأولوية.

الدور الحاسم للاقتصاد السياسي في مسار الحرب: يُعدّ الاقتصاد السياسي عاملاً حاسماً للحرب الأمريكية، فارتفاع تكاليف الدفاع والأعباء المالية والأولويات المحلية تحدّ من إمكانية استمرار العمليات العسكرية واسعة النطاق بشكل متزايد.

المقدّمة

تجاوزت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية ساحة المعركة في الشرق الأوسط، لتُلقي بظلالها على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، وأسفرت عن تحوّلات سياسية عميقة في واشنطن، وأعادت تشكيل المشهد السياسي الداخلي، وأثّرت أيضًا بشكل لافت في الرأي العام الأمريكي.

مع تصاعد حدّة التوتّرات في أوائل عام 2026، وَجدت إدارة ترامب نفسها تحت وطأة ضغوط متزايدة من جميع الأطراف، لا سيّما وسط احتدام النقاش بين القوى الحزبية حيال مبررات التدخّل العسكري الأمريكي وأهدافه في إيران. لم تكن هذه الانقسامات سوى انعكاس لتباينات أيديولوجية أكثر اتساعاً: فبينما يشدّد الجمهوريون عامةً على أهمّية الردع والأمن القومي، يحذّر النقاد الديمقراطيون من مغبة الانزلاق في صراع طويل ومكلّف يأتي على حساب الأولويات المحلّية، وهو استقطاب تجلّى بوضوح في الرأي العام.

فقد مثلّت الحروب الأمريكية الخارجية السابقة اختباراً حقيقياً لقدرات البلاد العسكرية وتماسكها الداخلي. بدءًا من حرب فيتنام، التي خلّفت شرخًا اجتماعيًا عميقًا في التاريخ الأمريكي الحديث، وصولًا إلى حربي العراق وأفغانستان، اللتين استنزفتا الإرادة السياسية والمرونة المالية على مدى عقدين من الزمن.

ولا شكّ أنّ العلاقة بين الجبهة الخارجية والداخلية ما زالت تُشكّل عاملًا حاسمًا في تحديد مسار التدخّلات العسكرية الأمريكية الخارجية. وتحذو الحرب مع إيران حذو هذا النمط، إن كان ذلك في سياق دولي أكثر تعقيدًا وبيئة داخلية أشدّ استقطابًا.

في هذا الإطار، يتناول موجز القضية هذا التداعيات الداخلية للحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية عبر ستة محاور تحليليّة مترابطة لتقييم مدى قدرة الولايات المتّحدة على تحمّل تكلفة تبعات استمرار صراع خارجي واسع النطاق، في ظلّ وجود ضغوط هائلة على القدرة المالية ومدى التأييد الشعبي، وهما عاملان لا بُدّ منهما لاستمرار دعم هذا الصراع. وتشمل هذه المحاور:

(أولاً) الاستقطاب السياسي الحزبي، (ثانياً) ديناميكيّات الإعلام وبناء السرديات، (ثالثاً) التحوّلات في الرأي العام، (رابعاً) الضغوط الاقتصادية، (خامساً) التكلفة المتصاعدة للدفاع والأمن القومي، وأخيراً (سادساً) البعد النفسي الإستراتيجي وتداعياته على مستقبل الدور الأمريكي في العالم المعاصر.

 

أولاً: إعادة صياغة الخطاب الإستراتيجي

منذ لحظة اندلاعها، قسّمت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية المنظومة السياسية الأمريكية حول المبادئ الجوهرية للأمن القومي. فقد صوّر الجمهوريون هذه المواجهة كضرورة إستراتيجية قصوى لمنع إيران من قلب ميزان القوى الإقليمي لصالحها، ولحماية أمن الطاقة العالمي، وصون مصالح حلفاء واشنطن التقليديين في الخليج والشرق الأوسط الأوسع.1 في المقابل، رأت شريحة واسعة من الديمقراطيين أنّ الانخراط العسكري هذا ليس سوى التزام محفوف بالمخاطر، ومن المرجّح أن يُفضي إلى حرب مطولة ومكلّفة تستحضر في الذاكرة السياسية الأمريكية أشباح تجارب العراق وأفغانستان بكلّ ما حملته من تكاليف بشرية ومالية ومؤسّسية باهظة.2

لم يقف هذا الانقسام عند التباين الحزبي التقليدي في السياسة الخارجية؛ بل عكس تحوّلاً بنيوياً أعمق في صميم التفكير الإستراتيجي الأمريكي، حيث صاغ المؤيدون الجمهوريون للحرب موقفهم من منطلق إعادة بناء الردع كشرط لا غنى عنه للاستقرار الإقليمي، مرتكزين على قناعة راسخة بأنّ السماح لإيران بتوسيع قدراتها النووية ونفوذها الإقليمي سيقوّض حتمًا الموقف الإستراتيجي للولايات المتّحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.3 أمّا التيار الديمقراطي، وخاصةً جناحه التقدّمي، فقد شدّد على إعطاء أولوية للدبلوماسية على الالتزامات العسكرية الخارجية، معتبرين أنّ القوة الأمريكية الحقيقية تكمن في إعادة توجيه الموارد نحو التجديد الداخلي،4 ومعالجة قضايا ملحّة تتراوح بين تدهور البنية التحتية العامّة واتّساع فجوة عدم المساواة الاقتصادية.

مع استمرار العمليات العسكرية وتزايد تعقيد المشهد الميداني، تحوّل النقاش إلى داخل أروقة الكونغرس بطريقة أكثر حدّةً وتسييساً، وارتكز على ثلاث قضايا محورية: أولاً، استخدام القوة العسكرية من قبل السلطة الرئاسية وحدودها دون تفويض مُوسّع من الكونغرس بموجب قانون صلاحيات الحرب؛5 وثانيًا، حجم الاعتمادات الدفاعية الإضافية ومصادر تمويلها في ظلّ عجز فيدرالي متزايد؛6 وثالثًا، احتمال نشر قوات برية على الأراضي الإيرانية، وهو خيار ظلّ يواجه رفضًا واسعًا على المستويين الشعبي والمؤسّسي، ليُصبح فعليًا الخط الأحمر غير المعلن في النقاش السياسي الداخلي.7

ثانياً: سرديتين متوازيتين للحرب

أدّت وسائل الإعلام الأمريكية دورًا محوريًا في تعميق مسارات الاستقطاب الداخلي حول الحرب، وأسهم هذا الدور في تشكيل تصوّر الشعب الأمريكي عن الصراع.8 في هذا السياق، تحرّكت إدارة ترامب، عبر وزارة الحرب، لعرقلة الوصول إلى إحاطاتها الحربية من خلال وسائل الإعلام اليمينية، وهذا ما أثّر في المنظومة المعرفية المتعلقة بالحرب، وهي سياسة طُعِن فيها لاحقًا في المحكمة الفيدرالية وحُكم بعدم قانونيتها.9

كذلك، تبنّت المنصّات الإعلامية المحافظة المؤيدة للحرب، بقيادة الشبكات التلفزيونية اليمينية وقنوات البودكاست المؤثّرة، خطابًا يُركّز على تضخيم التهديد الإيراني للأمن القومي الأمريكي وحلفاء واشنطن، مع التأكيد على ضرورة الحسم العسكري وتصوير مؤشرات التردّد كضعف إستراتيجي قد يُغري أعداء الولايات المتّحدة، ويغذّي نزعتهم لتحدّي هيمنتها والنيل من قوّتها.

في المقابل، ركّزت وسائل الإعلام الليبرالية على مخاطر التصعيد غير المدروس، واحتمال الانزلاق إلى أتون حرب إقليمية شاملة، والتكاليف البشرية والاقتصادية المّتوقّعة، مع الاستشهاد المتكرّر بالدروس المستفادة من الحروب السابقة التي أدّت إلى نتائج كارثية. وقد أنتجت ديناميكيّات الإعلام هذه سرديتين متوازيتين للحرب.

قدّمت السردية الأولى الحرب كخطوة ضرورية إستراتيجية لتحييد التهديد المباشر للأمن الأمريكي الذي يتزايد يومًا بعد يوم، وبقاء إسرائيل، والاستقرار الإقليمي، واصفةً المواجهة كاختبار للعزيمة الأمريكية ضدّ عدو إقليمي لطالما هدّد واشنطن وحلفاءها. فيما صوّرت السردية الثانية الحرب كتدخّل عسكري غير مصرّح به له تداعيات لا يمكن التنبؤ بها، ما يهدّد باستنزاف الموارد الاقتصادية الأمريكية دون تحقيق نتائج إستراتيجية حاسمة أو دائمة، وبالتالي أثارت هذه السردية مخاوف مشروعة بشأن دوامة الحروب التي لا تنتهي، وما يترتب عليها من تداعيات وخيمة ألحقت ضرراً فادحاً بمكانة أمريكا ومواردها.

عزّز هذا الاستقطاب الإعلامي ظاهرة تُعرف بـ “غرف الصدى”، التي أصبحت الآن سمةً بنيويةً للمشهد الإعلامي الأمريكي المعاصر، حيث يتلقّى المواطنون الأمريكيون سرديات مختلفة جوهرياً عن الصراع نفسه، وذلك بناءً على انتمائهم السياسي ومصادرهم الإعلامية المفضلة.10 وقد أسهمت هذه الظاهرة في تعميق أزمة الثقة المتراكمة في كل من المؤسّسات السياسية والإعلامية، ومنعت من تشكيل إجماع وطني حول أهداف الحرب وحدودها المقبولة، وهذا ما حوّل الخطاب العام حول الصراع إلى تحدٍ لا يقلّ صعوبةً عن إدارة العمليات العسكرية نفسها.

 

ثالثاً: التحوّلات في المزاج الشعبي

تكشف استطلاعات الرأي التي أُجريت طوال فترة الحرب عن فجوة واضحة بين خطاب النخب السياسية وأولويات المواطنين الأمريكيين العاديين. وتُظهر البيانات أنّ الأمريكيين كانوا أكثر انشغالاً بالتكاليف البشرية والاقتصادية المباشرة للحرب من أهدافها الجيوسياسية المعلنة. ووفقاً لاستطلاع أجرته “إبسوس” (Ipsos)، لا يزال حوالي 86 في المئة من المشاركين في الاستطلاع قلقين، للغاية أو إلى حدّ ما، بخصوص المخاطر على حياة الأفراد العسكريين الأمريكيين، بينما لا يزال 77 في المئة قلقين، للغاية أو إلى حدّ ما، بشأن التكلفة المالية المتصاعدة للصراع وتأثيره على الميزانية الفيدرالية والخدمات العامة. ووجد الاستطلاع نفسه أنّ غالبية المشاركين (76 في المئة) يعارضون نشر قوات برية أمريكية في إيران.11

تعكس هذه المؤشرات تحوّلًا بنيوياً عميقاً في المزاج الشعبي الأمريكي، الذي تبلور تدريجياً على مدى أكثر من عقدين من الانخراط العسكري المستمرّ في الخارج منذ أحداث 11 سبتمبر 2001. وقد أصبح المجتمع الأمريكي أقلّ تقبلاً للحروب المفتوحة التي لا تحدّها فترات زمنية، وأكثر تشبّثاً بمحاسبة صانعي القرار عن جدوى التدخّلات العسكرية وعوائدها الحقيقية، وأكثر إدراكاً ووعياً بضرورة الموازنة بين الإنفاق العسكري والاستثمار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية.

 في هذا السياق، أسهمت الحرب مع إيران في إحياء ما يمكن تسميته بـ”النزعة نحو الانكفاء الإستراتيجي”، وهو توجّه متزايد بين شرائح واسعة من الناخبين بأنّ الأولوية الوطنية يجب أن توجّه نحو إعادة بناء الداخل الأمريكي، اقتصادياً واجتماعياً ومؤسّسياً، بدلًا من إقحام البلاد في صراعات بعيدة جغرافياً ذات نتائج غير مؤكّدة.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الشعور لم يعد مقتصراً على القاعدة التقدّمية للحزب الديمقراطي، بل يمتدّ إلى شرائح متزايدة من القاعدة الشعبوية داخل الحزب الجمهوري، لا سيّما المستقلّين ذوي الميول الجمهورية،12 وحتى بعض أنصار خطاب “أمريكا أولاً” بنزعاته الانعزالية.13

 

رابعاً: الاقتصاد تحت وطأة الضغوط الجيوسياسية

الولايات المتّحدة ليست بمنأى عن التداعيات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للمواجهة مع إيران. فقد أدّى تبادل الضربات وتعطيل الملاحة البحرية عبر مضيق هُرمز، الذي يمرّ عبره حوالي خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى زيادة ملحوظة في أسعار النفط العالمية وارتفاع حادّ في تكاليف الشحن البحري والتأمين. تؤثّر هذه العوامل بشكل مباشر في معدّلات التضخّم وأسعار الوقود والسلع الاستهلاكية داخل السوق الأمريكية المحلّية.14

وقد أدّت ارتفاعات الأسعار إلى تفاقم المخاوف بشأن التضخّم الناجم عن حدّة التوتّرات الجيوسياسية. فالارتفاعات الهائلة في أسعار الطاقة تضغط على القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي العادي، وتضرّ بحسابات الاحتياطي الفيدرالي المتعلّقة بأسعار الفائدة، وتُقوّض ثقة السوق والمستثمرين، كما تؤثر سلباً في شعبية الإدارة الحالية، خاصةً في بيئة اقتصادية لم تتعافَ بالكامل من موجات التضخّم السابقة، أو خلال المواسم الانتخابية التي تعمل فيها أسعار البنزين كمؤشر سياسي بقدر ما هي مؤشر اقتصادي.

على النقيض تماماً، تستفيد بعض القطاعات من ظروف الحرب هذه. من أبرزها قطاعات الصناعات الدفاعية والتسليح، التي شهدت زيادة في الطلب على الأنظمة العسكرية وعقود الصيانة والإمداد، بالإضافة إلى قطاع الطاقة الأمريكي المحلّي، لا سيّما منتجي النفط الصخري، الذين عزّزوا موقعهم التنافسي في ظلّ تراجع الإمدادات من منطقة الخليج وارتفاع الأسعار العالمية للنفط الخام.

مع ذلك، يظلّ التأثير الكلّي على الاقتصاد الأمريكي غامضاً ومحلّ نقاش بين الاقتصاديين. إذ تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أنّ التوسّع المُفرط في الإنفاق العسكري قد يوفّر حافزاً للنموّ على المدى القصير من خلال تنشيط سلاسل إنتاج الصناعات الدفاعية وخلق فرص عمل مؤقتة، ولكنه يزاحم الاستثمار المدني، ويقلّل الموارد المتاحة للقطاعات المنتجة والمُبتكرة، ويقوّض آفاق النموّ المستدام الذي يعتمد على رأس المال البشري والبنية التحتية المدنية15 على المدى المتوسط والطويل.

خامساً: التكلفة المتصاعدة للدفاع

شكّلت الزيادة في الإنفاق الدفاعي والأمني إحدى أكثر التداعيات المحلّية المباشرة للحرب على المستويين السياسي والاقتصادي. فقد اضطرّت الولايات المتّحدة إلى تعزيز وجودها العسكري عبر مناطق عمليات متعدّدة ومتباعدة جغرافياً، ورفع قدرات الدفاع الصاروخي المنتشرة في المنطقة، وعلى متن حاملات الطائرات، بالإضافة إلى تأمين قواعدها العسكرية في مناطق التماس في الخليج والعراق والمحيط الهندي، وحماية طرق التجارة البحرية العالمية التي تمرّ عبر المضائق الإستراتيجية. تفرض هذه الالتزامات أعباءً ماليةً ولوجستيةً متزايدةً لا يمكن تخفيضها بسهولة حتى بعد انحسار حدّة العمليات.16

كذلك، بلغ توسّع وزارة الحرب في إنفاقها هذا مبلغاً ضخماً تجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية ليشمل شتّى أنواع تكاليف الصراع الحديث. وتشمل هذه التكاليف الحاجة إلى تعزيز أنظمة الأمن السيبراني الوطنية للتصدّي للهجمات السيبرانية الإيرانية التي تستهدف البنية التحتية الحساسة، وحماية شبكات الطاقة والاتصالات من عمليات التخريب والاختراق، ومراقبة التهديدات المتباينة التي قد تستهدف المصالح الأمريكية عبر الوكلاء الإقليميين، وتأمين أصول أنظمة الاتصالات والاستخبارات الفضائية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تكاليف الصراع الحديث ومتطلّباته.17

وقد تحوّل الإنفاق الدفاعي من مسألة أمنية فنية بحتة إلى قضية اقتصادية وسياسية ملحّة من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية تفاقم العجز المالي الفيدرالي الذي كان بالفعل عند مستويات مرتفعة غير مسبوقة قبيل اندلاع الحرب،18 حيث ارتفاع عدد الاقتصاديين والمشرعين وخبراء الميزانية الذين بدأوا في طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت الولايات المتّحدة تنزلق تدريجياً نحو ما يمكن وصفه باقتصاد التعبئة الأمنية، من حيث ارتفاع نسبة الإنفاق على الدفاع والأمن بإطّراد وذلك على حساب البرامج الاجتماعية والاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية المدنية. وهذا النمط يهدّد بتقويض القدرة التنافسية الاقتصادية الأمريكية على المدى الطويل.

سادساً: السؤال الوجودي

أثارت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية سؤالاً جوهرياً داخل أوساط النخب السياسية والفكرية والأكاديمية الأمريكية سؤالاً لا يتعلّق بحرب معينة، بل بمستقبل النموذج الأمريكي نفسه. وهنا نطرح السؤال: هل لا تزال الولايات المتّحدة قادرةً على إدارة نظام عالمي مترامي الأطراف من الالتزامات والمسؤوليات دون تكلفة هائلة على التماسك الداخلي والاستقرار الاجتماعي؟

إنّ الحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُحكم بالمكاسب الإقليمية أو بعدد الأهداف المدمّرة فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على التماسك الاجتماعي والسياسي للدولة التي تشنّ الحروب. وقد كشفت الأزمة الإيرانية أنّ التحدّي الأعمق لواشنطن لا يكمن في ساحة المعركة، حيث يتمتّع الجيش الأمريكي بتفوّق تكنولوجي وعملياتي لا مثيل له، بل في إدارة انقسام داخلي متعمق بين رؤيتين متنافستين ومتناقضتين لمستقبل الدور العالمي لأمريكا:

رؤية القيادة من خلال القوّة أو “أمريكا أولاً”: التي ترى أنّ أفضل طريقة لتحقيق المصالح الوطنية الأمريكية المباشرة هي من خلال القوة الأحادية والعلاقات القائمة على الصفقات، بغض النظر عن المعايير الدولية أو الأُطر المؤسّسية.

رؤية إعادة التوازن الداخلي: التي ترى أنّ التوسّع المُفرط في التدخّلات العسكرية الخارجية والوجود الإستراتيجي المُفرط قد استنزف الموارد الاقتصادية والقدرة المؤسسية لأمريكا استنزافاً متزايداً، وأنّ تقليل الالتزامات الخارجية ليس علامة ضعف، بل إعادة ترتيب ذكية للأولويات.

لقد بلغ هذا الانقسام مبلغاً عظيماً حتى تجاوز حدود الخلاف الحزبي التقليدي، ما يعكس شرخاً في كيفية فهم الأمريكيين لهوية بلادهم ودورها في العالم، وهو شرخ قد يثبت أنّ تأثيره على السياسة الخارجية الأمريكية أعمق وأطول أمداً من أيّ معركة في نتيجتها المستقبلية.

الخاتمة

لقد أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية أنّ الجبهة الداخلية الأمريكية تُشكّل الآن قيداً صارماً يكبح جماح قدرة الولايات المتّحدة على شنّ الحروب، قد لا يقلّ أهمّية عن التفوّق العسكري في ساحة المعركة أو القوة التدميرية. فالاستقطاب الحزبي العميق، والانقسام الإعلامي البنيوي، وتزايد حذر الجمهور من الحروب المفتوحة، والضغوط الاقتصادية المتراكمة، والتكلفة المتصاعدة للدفاع في ظلّ العجز المالي المزمن، تحدّ من مساحة المناورة لأيّ إدارة أمريكية ومن قدرتها على تحمّل تبعات الصراع المستمر لفترة طويلة دون مواجهة ردود فعل داخلية.

وبينما تحتفظ واشنطن بتفوّق عسكري وتكنولوجي واضح لا خلاف عليه في المستقبل المنظور، إلا أن هذه الحرب كشفت عن تحدٍّ سياسي-اجتماعي يتجسد في هذا السؤال: كيف يمكن لقوة عظمى ديمقراطية أن تشنّ حرباً خارجيةً واسعة النطاق دون أن تتحوّل تلك الحرب إلى أزمة داخلية تهدّد تماسكها المؤسّسي، وإجماعها الوطني، وقدرتها على الحكم الرشيد؟

لعلّ أبرز الدروس المستفادة من هذه الحرب هو أنّ ميزان القوى يتشكّل أكثر فأكثر ليس من خلال ديناميكيّات ساحة المعركة والأسواق فحسب، ولكن أيضاً من خلال التماسك السياسي الداخلي، والرأي العام، وانقسام وسائل الإعلام وتشرذمها داخل المجتمعات الديمقراطية، والتي بدورها تمتلك القدرة على تحديد نقاط نهاية الحروب قبل أن تُحسم عسكرياً. هذه حقيقة يجب أن تظلّ في طليعة أيّ جهد لفهم مستقبل القوة الأمريكية ومحدّداتها.


الهوامش
1 The White House, “President Trump’s Clear and Unchanging Objectives Drive Decisive Success Against Iranian Regime,” April 1, 2026, https://www.whitehouse.gov/releases/2026/04/president-trumps-clear-and-unchanging-objectives-drive-decisive-success-against-iranian-regime/.
2 U.S. Senator Tim Kaine, “As Senate Republicans Fail to Act on Iran War, Senators Force New War Powers Vote & Meet with Veterans,” Tim Kaine U.S. Senator from Virginia, March 18, 2026, https://www.kaine.senate.gov/press-releases/as-senate-republicans-fail-to-act-on-iran-war-senators-force-new-war-powers-vote-and-meet-with-veterans; Lauren Fox and Sarah Ferris, “They Fought in Iraq. Now They’re the Democrats’ Loudest Voices Against the War in Iran,” CNN, March 5, 2026, https://www.cnn.com/2026/03/05/politics/iran-war-democrats-veterans.
3 Aaron Blake, “The Trump Team’s Shifting Story on War with Iran,” CNN, March 3, 2026, https://www.cnn.com/2026/03/02/politics/hegseth-rubio-trump-iran-messaging.
4 Congressional Progressive Caucus, “Congressional Progressive Caucus Adopts Official Position to Oppose Supplemental Funding for Iran War,” March 25, 2026, https://progressives.house.gov/2026/3/congressional-progressive-caucus-adopts-official-position-to-oppose-supplemental-funding-for-iran-war.
5 Scott Bombay, “Does the War Powers Resolution Debate Take on a New Context in the Iran Conflict?,” National Constitution Center, March 3, 2026, https://constitutioncenter.org/blog/does-the-war-powers-resolution-debate-take-on-a-new-context-in-the-iran-conflict.
6 Claudia Grisales, “Republicans in Congress Brace for a Fight Over the Iran War Price Tag,” NPR, April 10, 2026, https://www.npr.org/2026/04/10/nx-s1-5780016/iran-war-funding-republicans-congress.
7 Ipsos, “Majority of Americans Favor Exit from Iran Conflict, Even If Not All U.S. Goals Are Achieved,” Ipsos Iran War Tracking Poll, March 31, 2026, https://www.ipsos.com/en-us/majority-americans-favor-exit-iran-conflict-even-if-not-all-us-goals-are-achieved; Nik Popli, “What Would a U.S. Win in Iran Look Like? We Asked Over Two Dozen Members of Congress,” TIME Magazine, March 26, 2026, https://time.com/article/2026/03/26/we-asked-members-of-congress-what-winning-the-iran-war-would-look-like/.
8 Daniel Dale, “Fake, AI-generated Images and Videos of the Iran War Are Spreading on Social Media,” CNN, March 11, 2026, https://www.cnn.com/2026/03/11/politics/fake-ai-images-videos-iran-war.
9 Brian Stelter, “The Pentagon’s Press Crackdown Meets Some Real Resistance,” CNN, March 21, 2026, https://edition.cnn.com/2026/03/21/media/hegseth-pentagon-press-new-york-times-judge-ruling.
10 Luca Braghieri et al., “Article-level Slant and Polarization of News Consumption on Social Media,” VOX-EU CEPR, April 17, 2025, https://cepr.org/voxeu/columns/article-level-slant-and-polarisation-news-consumption-social-media.
11 Ipsos, “Majority of Americans Favor Exit from Iran Conflict, Even If Not All U.S. Goals Are Achieved.”
12 Pew Research Center, “Americans Broadly Disapprove of U.S. Military Action in Iran,” March 25, 2026, https://www.pewresearch.org/politics/2026/03/25/americans-broadly-disapprove-of-u-s-military-action-in-iran/.
13 Domenico Montanaro and Steve Inskeep, “New Poll Shows Americans are Skeptical of Trump’s Iran War,” NPR, March 11, 2026, https://www.npr.org/2026/03/11/nx-s1-5743799/new-poll-shows-americans-are-skeptical-of-trumps-iran-war.
14 Claudia Grisales, “Republicans in Congress Brace for a Fight Over the Iran War Price Tag.”
15 International Monetary Fund, “Wars Impose Lasting Economic Costs, While More Defense Spending Means Hard Choices,” IMF Blog, April 8, 2026, https://www.imf.org/en/blogs/articles/2026/04/08/wars-impose-lasting-economic-costs-while-more-defense-spending-means-hard-choices.
16 Sarah Ferris et al., “Cracks Emerge in GOP Over Iran War Cost as Administration Floats More Than $200B Request to Congress,” CNN, March 19, 2026, https://edition.cnn.com/2026/03/19/politics/iran-war-cost-republicans-congress.
17 Center for Strategic and International Studies, “Iran Conflict Heightens Cyber Threats to U.S. Energy Infrastructure,” April 2026, https://www.csis.org/analysis/iran-conflict-heightens-cyber-threats-us-energy-infrastructure.
18 International Monetary Fund, “Wars Impose Lasting Economic Costs, While More Defense Spending Means Hard Choices.”