لا يزال قطاع الطاقة يشكّل الركيزة الأساسيّة لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنّ دوره يشهد تحولاً جذرياً، إذ تتوسّع الدول الخليجية في الصناعات التحويلية، مثل البتروكيماويات، وتستفيد من شركات الطاقة الرائدة المملوكة من الدولة، مثل أرامكو السعودية، وشركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك)، وقطر للطاقة، باعتبارها دعائم لمنظومات صناعية أوسع. وستتم إعادة تشكيل هذه الشركات النفطية الوطنية لتصبح تكتّلات متكاملة للطاقة والصناعة، لا تقتصر مهمّتها على استخراج الموارد فحسب، بل تشمل أيضاً قيادة التحوّلات الصناعية المتوافقة مع الأهداف المناخية، وذلك في الوقت الذي تتحوّل فيه إلى كيانات عالمية تستثمر في الخارج.
لقد حقّقت هذه الإستراتيجية مكاسب قصيرة الأجل لا يمكن إنكارها من حيث تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوفير فرص العمل في الصناعات التحويلية، فضلاً عن تعزيز مكانة الدول الخليجية الدوليّة كدول “منتجة للطاقة المنخفضة الكربون”. غير أنّها تواجه أيضاً مواطن ضعف هيكلية تهدّد استدامتها على المدى الطويل. فهياكل تسعير الطاقة المشوّهة، والاعتماد المفرط على الغاز المصاحب، وغياب قوانين مناخية ملزمة، وتشتّت الأُطر المؤسساتية، كلّها عوامل تقوّض مرونة القطاع الصناعي والمصداقية العالمية لجهود الدول الخليجية الآيلة إلى مواءمة سياساتها مع متطلّبات العمل المناخي.
تشير مذكّرة السياسات هذه إلى أنّ مساعي الدول الخليجية لإعادة صياغة مفهوم الهيدروكربون كمحرّك للنمو الصناعي المرتبط بالمناخ ستتعثّر من دون إطار إقليميّ موحّد للحوكمة المناخية وقابل للتنفيذ قانونياً. وفي غياب هذه الإصلاحات، تُصبح السياسات الصناعية مُعرّضة لخطر التحوّل إلى امتداد منمّق ومنقّح للاقتصاد الريعي، إذ تبدو هذه السياسات جذابة ظاهرياً، لكنها هشّة في مواجهة التجارة الدولية والتدقيق المناخي.
تتّخذ كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة وقطر خطوات حاسمة نحو استثمار المواد الهيدروكربونية بما يتجاوز صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، وذلك من خلال تشجيع التجمّعات الصناعية في مجالات البتروكيماويات والكيماويات المتخصّصة والهيدروجين الأزرق. وتشمل الأمثلة على ذلك:
وبالتوازي مع هذه المشاريع في قطاع الصناعات التحويليّة، تعيد شركات النفط الوطنية الخليجية تموضعها عالمياً. فهي توسّع استثماراتها الدولية، وتعمل على تحويل الشركات التابعة إلى كيانات مستقلّة، وتُحدّث عملياتها، بل وتطرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي. ومن خلال ذلك، تتبنّى هذه الشّركات إستراتيجيات اعتُبرت في السّابق سمة مميّزة لشركات النفط العالمية، وتتخلّى عن إستراتيجيات تأميم الموارد التي دامت لعقود.
لا يزال الغاز الطبيعي يشكّل عنصراً أساسياً في هذا التوجّه نحو التصنيع. باعتباره “وقوداً انتقالياً”، يدعم الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة، ويُعاد تسويقه كغاز طبيعي مسال منخفض الكربون، وكمادة أولية لإنتاج الهيدروجين الأزرق.4 ومع ذلك، تخضع هذه الإستراتيجية لتدقيق متزايد. فقد سعت القمم المناخية المتعاقبة، ولا سيّما مؤتمر الأطراف الثامن والعشرون (COP28) في دبي، إلى خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري تدريجياً، بدلاً من مجرد إعادة تسويق المواد الهيدروكربونية ضمن سرديّات منخفضة الكربون.5 وبات المسار الأوسع واضحاً: تسعى الدول الخليجية إلى إعادة تعريف نفسها كمراكز للطاقة ذات قيمة مضافة، بدلاً من كونها مجرّد مصدّر للنفط والغاز. إلا أنّ مصداقية هذا الطموح تبقى رهينة إصلاحات هيكلية تتجاوز الاعتبارات الشكلية للسياسات الصناعية.6
على الرغم من التعهدات المعلنة والمشاريع الرائدة، تعاني المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر من نقاط ضعف هيكلية مشتركة في مجال الحوكمة. وتشمل هذه النقاط:
المأسسة المحدودة للالتزامات المناخية
لم تبادر أيّ من الدول الثلاث حتى الآن إلى تكريس أهدافها المناخية في تشريعات شاملة وقابلة للتنفيذ.7 إلا أنّ ذلك لا يلغي الخطوات الجادّة التي اتخذتها لتنفيذ أجنداتها المناخية: فقد فرضت الإمارات العربية المتحدة متطلبات إلزامية للإفصاح عن انبعاثات غازات الدفيئة على الشركات، وتعهّدت بتحقيق صافي الانبعاثات الصفرية بحلول العام 2050؛ أمّا قطر فقد اعتمدت إستراتيجية قطر الوطنيّة للبيئة والتغيّر المناخيّ (QNE)، وحدّدت أهدافاً قطاعية؛ فيما رسّخت المملكة العربية السعودية طموحاتها من خلال مبادرتَي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، إلى جانب تعهّدها بتحقيق صافي الانبعاثات الصفريّة بحلول العام 2060. 8
وعلى الرّغم من أنّ هذه الأطر تُظهر زخماً واضحاً، فإنّها لا تزال مرتكزة في المقام الأول على الإستراتيجيّة ومعتمدة على السلطة التنفيذية. ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من أنّ قيادات هذه البلدان سارعت إلى اتخاذ إجراءات مبكرة، فإنّ غياب هياكل ملزمة قانوناً يجعل عملية التنفيذ عرضة لتبدّل الأولويات المالية أو السياسية.
التحديات في توحيد معايير الرّصد والإبلاغ والتحقّق
تختلف أنظمة الرّصد والإبلاغ والتحقّق (MRV) في مراحل تطوّرها وتكاملها عبر المنطقة، إذ لم تقم دولة قطر بعد بوضع إطار وطنيّ مركزيّ للرصد والإبلاغ والتحقق. أما في الإمارات العربية المتحدة، فقد عزّزت التشريعات الاتحادية الأخيرة متطلّبات الرصد والإبلاغ والتحقّق على مستوى الاقتصاد ككلّ، إلا أنّ مسؤولية تطبيقها تقع على السلطات المحلية والهيئات التنظيمية في كل إمارة. في المملكة العربية السعودية، يستمرّ إطار الرصد والإبلاغ والتحقّق في التطوّر رغم محدودية الشفافية العامة بشأن المنهجيات ونطاق التغطية. ومع تزايد تداخل الالتزامات المناخية مع التجارة الدولية وأنظمة الإفصاح، قد تؤدّي الثغرات في معايير الرصد والإبلاغ والتحقّق المتوافقة مع اتفاق باريس، إلى المساس بمصداقية المساهمات المحدّدة وطنياً (NDCs) للدول الخليجية، وإلى تعقيد الامتثال لتطوّرات جديدة مثل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) للاتحاد الأوروبي. وبالتالي، تتحوّل مسألة الرصد والإبلاغ والتحقّق بشكلٍ متسارع إلى قضية اقتصادية وتجارية، ويشكّل عدم تطويرها ومواكبتها نقطة ضعف محتملة لدول الخليج.
التنظيم الإداري للسياسات المناخيّة
للمؤسسات العليا، بما فيها شركات النفط الوطنية ووزارات الطاقة، أدوار رئيسيّة في صياغة السياسات المناخية والصناعية في دول مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، تتوزّع المسؤوليات المتعلّقة بالعمل المناخي على إدارات متعدّدة، بدءاً من تلك المعنيّة بشؤون البيئة وصولاً إلى وزارات التخطيط والتنمية الاقتصادية. وقد يُؤدي ذلك إلى تحديات في التنسيق وتصميم السياسات وتنفيذها. وفي كثير من الحالات، تتشارك المؤسّسات الصلاحيّات أو قد لا تكون هذه الصلاحيّات محدّدة بشكلٍ كامل، ما يؤدّي إلى تفاوت في التنفيذ وغياب الاتساق الإداري.9 ولا يزال الانخراط على الصعيد دون الوطني (أي المحلّي) محدوداً في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من أنّ الهيكل الاتحادي لدولة الإمارات يشكّل استثناءً جزئياً حيث طوّرت السلطات على مستوى كلّ إمارة مبادرات تنظيمية خاصة بها.
قنوات المساهمات غير الحكومية
عادةً ما تُوجَّه المساهمات غير الحكومية عبر منصّات منظّمة تديرها الدولة، وليس عبر عمليات تشاورية مفتوحة. وتشمل الأمثلة على ذلك الأدوار الاستشارية للجامعات ومراكز الفكر في وضع الإستراتيجيات المناخية الوطنية، ومشاركة القطاع الصناعيّ من خلال غرف التجارة وفرق العمل القطاعية، والمشاورات الموجّهة مع المؤسسات المالية والشركات الكبرى بشأن الإفصاح والتخطيط لعمليّة التحوّل. وعلى الرغم من أنّ هذه الآليات تتيح تقديم مساهمات تقنية تتماشى مع الأولويات الوطنية، فإنها توفّر نطاقاً محدوداً للرصد المستقل. كما أنّها تتيح للجهات الفاعلة في المجتمع المدني المساهمة في وضع جدول الأعمال من القاعدة إلى القمة.10
على الرغم من أنّ الدول الثلاث تواجه عدداً من التحديات الهيكلية المشتركة، فإنّ مقارباتها المؤسساتية لحوكمة المناخ تختلف بطرق أساسيّة:
الإمارات العربية المتحدة
تمتلك الإمارات العربية المتحدة أحد أكثر أُطر حوكمة المناخ تطوراً في المنطقة. ففي أغسطس 2024، أصدرت الإمارات “المرسوم بقانون اتحادي رقم 11 في شأن الحدّ من تأثيرات التغيّر المناخي”، الذي دخل حيّز التنفيذ في 30 مايو 2025.11 ويُلزم هذا القانون جميع الجهات العامة والخاصة، بما في ذلك تلك الموجودة في المناطق الحرة، بتقديم تقارير عن انبعاثاتها من غازات الدفيئة وبوضع خطط لخفض هذه الانبعاثات. ويُشترط الامتثال الكامل بحلول 30 مايو 2026، مع فرض غرامات (تصل إلى مليوني درهم إماراتي، أي ما يعادل 545 ألف دولار أمريكي تقريباً) في حال عدم الامتثال. كما تستمرّ دولة الإمارات العربية المتحدة في تنفيذ مبادرتها لتحقيق الحياد المناخي بحلول العام 2050، بدعمٍ من الجهات التنظيمية في عددٍ من الإمارات مثل أبوظبي ودبي.
تتفاوت قدرات التنفيذ بين إمارة وأخرى، ولا تزال عملية توحيد هذه الجهود ضمن إطار اتحادي متكامل في طور الإنجاز. وعلى الرغم من أنّ المرسوم يعزّز الشفافية والإبلاغ وقدرات الإنفاذ إلى حدّ كبير، فإنه لا يُقنّن أهدافاً وطنيّة ملزمة للانبعاثات أو ميزانيات الكربون ضمن إطار قانونيّ. وبدلاً من ذلك، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة سعيها إلى تحقيق هدفها المتمثّل بتحقيق صافي الانبعاثات الصفرية من خلال إستراتيجية تنفيذية ومبادرات قطاعية، بدعم من الجهات التنظيمية على مستوى إمارتَي أبوظبي ودبي. وتختلف قدرات التنفيذ بين إمارة وأخرى، بينما تستمرّ عملية توحيد هذه الجهود ضمن إطارٍ اتحاديّ متكامل.
قطر
حتى أواخر العام 2025، لم تكن قطر قد سنّت بعد قانوناً مستقلاً للمناخ لتقنين أهداف ملزمة وشاملة على مستوى الاقتصاد ككلّ لانبعاثات غازات الدفيئة ضمن إطار تشريعي. وبدلًا من ذلك، يتمّ توجيه حوكمة المناخ من خلال أدوات قائمة على الإستراتيجيات والخطط، بما في ذلك إستراتيجية قطر الوطنيّة للبيئة والتغيّر المناخيّ (2021)، وخطة العمل الوطنية للتغيّر المناخي 2030 (NCCAP 2030)، والتشريعات الإطارية مثل المرسوم بقانون رقم 30 لسنة 2002. 12 وتعكس التطوّرات المؤسساتية، بما في ذلك إنشاء وزارة البيئة والتغيّر المناخي، والتغييرات التي طرأت على اللجان المشتركة بين الوزارات المعنية بالتغيّر المناخي، تنامي القدرات الإدارية. ومع ذلك، لا تزال آليات الإنفاذ وأنظمة الرصد والإبلاغ والتحقّق الوطنية المتكاملة قيد التطوير، حيث يعتمد التنفيذ إلى حدّ كبير على التنسيق التنفيذي بدلاً من التفويضات القانونية.
المملكة العربية السعوديّة
قدّمت المملكة العربيّة السعوديّة التزامات بارزة في مجال المناخ، لا سيما التعهّد بتحقيق صافي الانبعاثات الصفريّة بحلول العام 2060. كما تهدف مبادرة السعودية الخضراء إلى خفض الانبعاثات بمقدار 278 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً بحلول عام 2030 في إطار مساهمتها المحدّدة وطنياً. وتُظهر مبادرة السعودية الخضراء وإطار الاقتصاد الدائري للكربون تزايد استثمارات المملكة في مصادر الطاقة المتجدّدة، واحتجاز الكربون، والإصلاحات المتعلّقة بكفاءة الطاقة. وحتى الآن، لم يتمّ سنّ قانون شامل للمناخ يتضمّن أهدافاً مُلزمة قانوناً بشأن الانبعاثات. كما تعمل المملكة على توسيع نطاق ممارسات الرصد والإبلاغ والتحقّق وتحسين الشفافية، إلا أنّ الإنفاذ القانوني واللامركزية المؤسساتيّة لا يزالان قيد التطوير.
تعكس هذه المسارات مجتمعة صورة متباينة، إذ تتّخذ الإمارات العربية المتحدة تدابير مؤسساتية متقدّمة نسبياً ولكنّها تعاني من التشرذم الداخلي. ومن جهتها، تتمتّع قطر بنموذج مركزي قائم على الإستراتيجية بينما تواصل بناء القدرات التقنية. أمّا المملكة العربية السعودية فتتعّهد بالتزامات بارزة في حين أنّ هياكلها المؤسساتيّة آخذة في التطوّر.
السياسات الصناعية وحوكمة المناخ والتجارة العالمية
تتأثّر الإستراتيجيات الصناعية في الدول الخليجية على نحو متزايد بضغوط التجارة الخارجية والتنظيم وحوكمة المناخ، بدلاً من أن تستند حصراً إلى أهداف السياسات الداخلية. إنّ مجموعة متنامية من لوائح الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تطوّر قواعد منظمة التجارة العالمية والقيود الهيكلية المحلية، ستُعيد تحديد الشروط التي تتنافس في ظلّها الصادرات الصناعية والطاقية الخليجية. وقد دفعت هذه الضغوط دول الخليج إلى تبنّي مجموعة من الاستجابات الإستراتيجية في السياسات، تهدف إلى الحفاظ على القدرة التنافسية مع التكيّف في الوقت ذاته مع اقتصاد عالمي يتّسم بقيود أكثر صرامة على الكربون.
تحديات لوائح الاتحاد الأوروبي
ستؤثّر موجة جديدة من لوائح الاتحاد الأوروبي المتعلّقة بانبعاثات الميثان، والتدابير بشأن حدود الكربون، وإفصاح الشركات عن الانبعاثات، والعناية الواجبة بسلاسل التوريد، ومعايير العمل، تأثيراً مباشراً في بيئة عمل الصادرات الخليجية. ومن أبرز هذه اللوائح:
ضوابط منظمة التجارة العالمية بشأن الإعانات
بالإضافة إلى التحديات التي تفرضها لوائح الاتحاد الأوروبي الجديدة، ينبغي على الدول الخليجية إيلاء اهتمام خاص لضوابط منظمة التجارة العالمية بشأن الإعانات. فقد تكون أسعار المواد الأولية التفضيلية، ومخصّصات الانبعاثات المجانية، وآليات الدعم الضمنية الأخرى عرضة للطعن بموجب ضوابط منظمة التجارة العالمية بشأن الإعانات، مثل اتفاقية الدعم والتدابير التعويضية، لا سيّما في ظل توسّع الإجراءات التجارية المرتبطة بالمناخ. وتستفيد الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة في منطقة الخليج من تعرفة غاز وكهرباء أقل من أسعار السوق، الأمر الذي يدعم الإنتاج المحلي، ولكنه قد يعتبر دولياً على أنّه من التدابير التي تشوّه التجارة. ومع تزايد التدقيق العالمي في سياسات دعم مشتقات النفط (لا سيما في سياق إزالة الكربون)، قد يؤدّي الحفاظ على هذه الأنظمة إلى تعرّض المصدّرين الخليجيّين لقضايا تسوية النزاعات أو لرسوم تعويضية.
المعضلات الهيكلية الداخلية في منطقة الخليج
إلى جانب الضغوط الخارجية، قد تشكّل هياكل تسعير الطاقة المحلية تحدياً أمام جهود الإصلاح، إذ ترتبط هذه الهياكل ارتباطاً وثيقاً بالترتيبات الاجتماعية والاقتصادية الراسخة (أيّ العقود الاجتماعية) في الدول الخليجية، ما يجعل الإصلاح أمراً حساساً سياسياً، على الرغم من أنّ التنافسية العالمية باتت تميل نحو التسعير الرشيد والشفافية في تكاليف الكربون. ويواجه صنّاع السياسات معضلة أساسية تتمثّل في الحفاظ على طاقة منخفضة التكلفة داخلياً، وفي والوقت نفسه تكييف هياكل التسعير لتلبية متطلّبات قواعد التجارة العالمية وضغوط إزالة الكربون في الخارج.
استجابة منطقة الخليج بين إعادة تموضع قطاع الهيدروكربون وتطوير أسواق الكربون
استجابةً لتشديد قواعد التجارة، ومتطلبات الإفصاح، والتدقيق في الإعانات، قامت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر بوضع المواد الهيدروكربونية بشكل متزايد في صلب الإستراتيجيات الصناعية والطاقة المنخفضة الكربون، بما في ذلك من خلال الأمونيا الزرقاء، والغاز الطبيعي المسال، وصناعات البتروكيماويات التحويلية. وتهدف هذه الخطوة إلى مواءمة اقتصاداتها مع أطر المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) المتغيّرة ومتطلبات التجارة والإفصاح المتعلّقة بالمناخ، مع دعم استمرار مشاركتها في أسواق الطاقة والصناعة العالمية.
ومن شأن تحسين تنسيق السياسات على مستوى منطقة الخليج أن يعزّز هذه الاستجابة. فعلى سبيل المثال، سيؤدّي توحيد العناصر الأساسية (مثل معايير الرصد والإبلاغ والتحقّق، والتعريفات القطاعية، ومتطلّبات الإفصاح المتعلّقة بالمناخ) عبر المنطقة إلى خفض تكاليف المعاملات للشركات العاملة في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز مصداقية الالتزامات المناخية الإقليمية على الصعيد الدولي. وعلى مستوى السياسات، يمكن للتنسيق أيضاً أن يُعزّز الموقف التفاوضي الجماعي (مع الحفاظ على المرونة الوطنية في التنفيذ) للدول الخليجية في المنتديات التجارية والتنظيمية المرتبطة بالمناخ، لا سيما في ما يتعلّق بآلية تعديل حدود الكربون للاتحاد الأوروبي وغيرها من الآليات واللوائح. ومع مرور الوقت، قد يدعم هذا التوافق تخصيص رأس المال بكفاءة أكبر، ويُسهّل تخطيط البنية التحتية العابرة للحدود، ويعزّز دور مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية متماسكة.
كما يُعدّ تطوير أسواق الكربون الوطنية والإقليمية عنصراً أساسياً في استجابة الدول الخليجية لهذه التطورات. وتعكس شركة ((سوق الكربون الطوعي الإقليمية)) في المملكة العربية السعودية وأطر عمل أرصدة الكربون الناشئة في الإمارات العربية المتحدة جهوداً متنامية لدمج آليات تسعير الكربون والتعويض ضمن إستراتيجيات صناعية وتجارية أوسع. وتهدف هذه المبادرات إلى توفير المرونة للقطاعات الكثيفة الانبعاثات، ودعم الاستثمار في مشاريع تخفيف الانبعاثات، وتمكين المنتجين في منطقة الخليج من الاستجابة لتوقّعات الإفصاح والتتبّع ومحاسبة الكربون المتزايدة في الأسواق الدولية.
وفي الوقت نفسه، تعتمد فعالية هذه المبادرات على مصداقية أنظمة الرصد والإبلاغ والتحقق الأساسية، وترتيبات الحوكمة الواضحة، ومواءمتها مع المعايير الدولية.18 ففي غياب تحقّق صارم وسجلاّت شفافة والاتّساق مع الإرشادات المتطوّرة للمادة 6 وضوابط منظمة التجارة العالمية، قد تتعرّض أرصدة الكربون للتخفيض من جانب المشترين أو للطعن فيها باعتبارها إعانات ضمنية. ومع توسع متطلّبات العناية الواجبة والإجراءات التجارية المرتبطة بالكربون، من المرجّح أن يتعزّز دور أسواق الكربون الإقليمية. ومع ذلك، ستكون قدرتها على دعم القدرة التنافسية رهناً بمدى اعتبارها أدوات امتثال موثوقة بدلاً من أدوات سياسة تقديرية.
في ظلّ تداخل الالتزامات المناخية مع قواعد التجارة وأنظمة الإفصاح المالي والقدرة التنافسية الصناعية، تبرز أهمية التمييز بين الطموح الإستراتيجي والحوكمة القابلة للإنفاذ بالنسبة إلى الدول الخليجية. فبينما وضعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر إستراتيجيات مناخية مفصّلة وأطلقت مبادرات بارزة، تعتمد استدامة هذه الجهود ومصداقيتها الخارجية على مدى إدماجها في أطر قانونية وتنظيمية ومؤسّساتية مُلزمة. وفي غياب إمكانية الإنفاذ، تبقى السياسات المناخية عرضة لتبدّل الأولويات المالية، ودورات السلع الأساسية، وإعادة ضبط الأولويات السياسية، ولا سيّما في الاقتصادات التي لا تزال المحروقات تشكّل فيها المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي وإيرادات الدولة.
في هذا السياق، إنّ قدرة الدول الخليجية على التوفيق بين الطموحات الصناعية والمصداقية المناخية تعتمد على الانتقال من التعهدات الرفيعة المستوى إلى حوكمة قابلة للإنفاذ. تقدّم مذكرة السياسات هذه توصية شاملة واحدة، تتمثّل في تحويل الإستراتيجيات القائمة إلى أُطر مُلزمة ومستدامة تضفي طابعاً مؤسساتياً على المساءلة المناخية.
ويستند هذا التحوّل إلى عدد من العناصر التي يعزّز بعضها البعض، وهي:
فمن شأن هذه التدابير مجتمعة أن تضع مصداقية بيانات الانبعاثات في صلب الحوكمة المحلية، ما يمنح أجندات التنويع الصناعي في الدول الخليجية الاستدامة والمصداقية الدولية.
تعمل كلّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر على إعادة صياغة دور الهيدروكربون كأساسٍ لنظام صناعي متوافق مع المناخ. وتسعى إستراتيجياتها إلى الاستفادة من قدرات الدولة العميقة، والموارد المالية الضخمة، والدور المركزي لشركات النفط الوطنية لتوليد الزخم وجذب الاستثمارات. ومع ذلك، لا تزال القيود الهيكلية قائمة، وتشمل التسعير المشوّه للطاقة، وغياب القوانين المناخية الملزمة، وضعف أنظمة الرّصد والإبلاغ والتحقّق، والتعرّض المتزايد للأطر التنظيمية الخارجية.
لقد باتت الضرورة الحتمية واضحة في السياسات: يجب على دول مجلس التعاون الخليجي الانتقال من إستراتيجيات طموحة إلى حوكمة قابلة للتنفيذ، وذلك من خلال تقنين الالتزامات المناخية، وإضفاء الطابع المؤسساتي على أنظمة شفافة للرّصد والإبلاغ والتحقّق، وضمان التوافق بين الإصلاحات الصناعية ومتطلّبات التجارة الدولية الناشئة. كل ذلك سيمنح المصداقية لبرامج التنويع ويضمن الوصول إلى الأسواق التصديرية. وفي غياب مثل هذا التحوّل، ستواجه السياسات الصناعية الخليجية خطر أن يُنظر إليها في الخارج على أنّها مجرد إعادة تسمية للسياسات القائمة على الهيدروكربون.
وفي الوقت عينه، تتميّز منطقة الخليج بموقع فريد يُمكّنها من إثبات قدرة الاقتصادات الهيدروكربونية على رسم مسار نحو صناعات متوافقة مع المناخ. فمن خلال وضع مصداقية بيانات الانبعاثات في صلب الحوكمة المحلية، يمكن للمنطقة الحفاظ على قدرتها التنافسية، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتمتين موقفها في المفاوضات العالمية حول التجارة والمناخ. فأهمية هذا الأمر تتجاوز نطاق التنويع الإقليمي، إذ إنّ نجاح هذه المساعي سيقدّم نموذجاً يُحتذى به للدول المصدّرة للمواد الهيدروكربونية التي تواجه ضغوطاً مماثلة، في حين أنّ الفشل سيُعرّض سياسات منطقة الخليج لصدمات خارجة عن سيطرتها.