الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا: رهان طموح للتغلّب على العقبات الجيوسياسية في منطقة البحر المتوسّط المتصدّعة

مارس 2025
مديرة برنامج/زميلة أولى

27 مارس، 2025

المقدّمة

رحّبت وسائل الإعلام الهندية باتفاقية الممرّ التجاري الإفتراضي بين الهند والإمارات العربية المتّحدة لسبتمبر 20241الرامية إلى تبسيط التجارة وتخفيض التكاليف اللوجستية، ما سلّط الضوء على دور الهند الاستباقي في دفع مشروع الممرّ الاقتصادي الطموح الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا قدماً.2 إلّا أنّ هذا الحماس قد يكون سابقاً لأوانه. ففي حين طُرح مشروع الممرّ رسمياً في خلال قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في نيودلهي في العام 2023 )مع توقيع الاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة ودول أخرى على مذكّرة تفاهم( تُواجه ترجمة هذه الرؤية إلى واقعٍ تحدّيات هائلة.

 

يقترح مشروع الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا نظاماً للشحن من السفن إلى السكك الحديدية متجاوزاً قناة السويس، إذ من المقرّر أن يكون طريقاً تجارياً متعدّد الوسائط لربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، ما قد يؤدّي إلى تقليل أوقات الشحن بنسبة 40 في المئة.3 بعيداً عن النقل، يهدف هذا الممرّ إلى تعزيز الترابط الرقمي وإنشاء شبكة الطاقة المتجدّدة وتسهيل إنشاء خط أنابيب هيدروجين أخضر، ما يوفّر لأوروبا مصدر طاقة بديلاً عن الغاز الطبيعي والهيدروكربونات الأخرى من روسيا.4 غير أنّ ذلك يستدعي التغلّب على مجموعة من العقبات التقنية والمالية. يتطلّب بناء البنى التحتية الضرورية في مجالات وولايات قضائية مختلفة قدراً هائلاً من الاستثمار والتنسيق. ويطرح ضمانُ التزامٍ طويل الأمد من الأطراف المعنية تحدّياً إضافياً، لا سيّما في وجه الأولويات المتنافسة والوجود الراسخ لمبادرة الحزام والطريق الصينية.

 

إلّا أنّ العائق الأبرز يبقى المشهد الجيوسياسي المعقّد. في الواقع، تخلق التوتّرات الإقليمية بيئة متقلّبة، في ظلّ المنافسة السعودية الإيرانية، والعلاقات المتوتّرة بين إسرائيل وإيران، والإبادة الجماعية المستمرّة في غزة، والحرب على لبنان، والصراع في سوريا واليمن. على سبيل المثال، يشكّل اليمن تحدّياً كبيراً لأمن المملكة العربية السعودية وللممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ما يخلق وضعاً متقلّباً على طول الحدود، بسبب الهجمات عبر الحدود وانتشار التطرّف، الأمر الذي يُحوّل الموارد بعيداً عن التنمية الاقتصادية. علاوة على ذلك، من شأنه أن يُعطّل بنى الممرّ التحتية المادية، لا سيّما خط السكك الحديدية المُقرَّر عبر السعودية والأردن. وقد تُعيق المخاوف الأمنية والنزاعات السياسية أو حتى أعمال تخريب خط السكك الحديدية، ما يمكن أن يُعرّض نجاح الممرّ للخطر في الأجل البعيد.

 

كما أنّ تركيا، التي تعدّ لاعباً محورياً في منطقة البحر الأبيض المتوسط، قد أعربت عن معارضتها الشديدة للممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، مؤكّدةً على أهميّتها الإستراتيجية في المنطقة. فقد صرّح أردوغان علناً “نقول إنّه لن يكون هناك ممرّ من دون تركيا”، مشدّداً على أنّ أي ممرّ اقتصادي حيوي في المنطقة يجب أن يتضمّن مشاركة تركيا، ما يُعقّد الآمال المعقودة على نجاح المشروع.

 

لفهم هذه التحدّيات بشكلٍ أفضل، من المهم النظر في النطاق الجغرافي للممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. فهو يهدف إلى بناء شبكة متعدّدة الوسائط تبدأ في الهند ومروراً بالإمارات العربية المتّحدة، وتستخدم نظام سكك حديدية عبر المملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل (ميناء حيفا) قبل الوصول إلى الموانئ الأوروبية (ميناء بيرايوس في اليونان الذي تتولّى تشغيله جزئياً شركة “كوسكو” الصينية) عبر البحر الأبيض المتوسّط. يُثير ذلك قلقاً بشأن جدوى بناء البنى التحتية وضمان الالتزامات في الأمد الطويل. بالإضافة إلى ذلك، يَطرح تجاوز قناة السويس تساؤلات حول التداعيات على اقتصاد مصر وأمنها القومي، إذ تشكّل القناة شرياناً تجارياً عالمياً جوهرياً وتدرّ عائدات هائلة لمصر. لقد وصلت إيرادات القناة السنوية في العام 2023 إلى رقم قياسي بلغ 9,4 مليار دولار.5

 

قد تدفع الصراعات الدائرة في غزة ولبنان واليمن وسوريا المستثمرين والأطراف المعنيّة إلى التردّد في الالتزام بالممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، نظراً للمخاطر المرتبطة بالعمل في بيئات متقلّبة. في نهاية المطاف، يُهدّد غياب السلام المستدام والتهدئة بين إسرائيل وحماس وجود الممرّ بحدّ ذاته، ما قد يؤدّي إلى زعزعة المشروع برمّته قبل أن يتحوّل إلى واقع ملموس على الأرض.6

 

 

الشرخ السعودي الإيراني وتداعياته على الممرّ

يعتمد نجاح الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا على التعاون والاستقرار الإقليميين، غير أنّ الواقع على الأرض يطرح تحدّيات هائلة. على الرغم من التقدّم النسبي في العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية، تبقى الثقة الدائمة بعيدة المنال. يعود ذلك جزئياً إلى آراء الدولتين المتضاربة بشأن دعم إيران المتواصل للحوثيين في اليمن ولحزب الله في لبنان وللميليشيات الشيعية المختلفة في العراق وسوريا. وفي غياب ركيزة أكثر استقراراً في هذه العلاقة الحاسمة، قد يُمثّل التخطيط والاستثمار في الممرّ تحدّياً على المدى البعيد.

 

تُلقي الصراعات بالوكالة الدائرة بين القوّتين الإقليميتين، التي أجّجتها سنوات من عدم الثقة، بظلالها على مشروع الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وفي حين شكّل التقارب بين الرياض وطهران بوساطةٍ صينية بصيصَ أمل في العام 2023، لا تزال هذه المصالحة هشّةً، لا سيّما على خلفيّة التطوّرات الأخيرة.7

 

في اليمن، كبح الاتفاقُ جماحَ الاعتداء الحوثي على المملكة العربية السعودية في بادئ الأمر، وحثّ الرياض على الانخراط في مفاوضات مباشرة مع الحوثيين. بيد أنّ الحرب الأخيرة على غزة عرقلت هذه الجهود. وشنّ الحوثيون هجمات على السفن التجارية الدولية في البحر الأحمر تضامناً مع فلسطين، ما أدّى إلى تعطيل طرق التجارة الحيوية وإلى تصعيد التوتّرات الإقليمية. يهدّد عدم الاستقرار المتجدّد هذا فرص المحادثات بين السعودية والحوثيين في التوصّل إلى خارطة طريق نهائية وينسفها.

 

في هذه الأثناء، يبقى اليمن ساحة معركة مدمَّرة في ظلّ المنافسة السعودية الإيرانية على نطاقٍ أوسع. ومع نزوح 4,5 مليون شخص ومعاناة 17,6 مليون نسمة من الجوع و80 في المئة من الفقر، تشهد البلاد “إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم”.8

 

 

الممرّ والتعامل مع العامل الإسرائيلي

 

تفرض حملة المجازر المستمرّة في غزة9 ووقف إطلاق النار الهش في لبنان، بالإضافة إلى احتمال تصاعد التوتّرات مع إيران، حالةً من عدم الاستقرار على المنطقة برمّتها وتحدّ من جاذبيتها للتجارة بشكلٍ ملحوظ، إذ تسعى الشركات والمستثمرون بطبيعة الحال إلى الاستقرار والقدرة على التنبؤ.

 

تُحرّك إسرائيل وحلفاؤها بشكلٍ جزئي مشروع الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا الذي يهدف إلى تشجيع تطبيع العلاقات مع الدول العربية. لكنّ هذا الهدف يواجه تحدّيات كبيرة. من الممكن أن يؤثّر تعاون الممرّ مع إسرائيل سلباً في صورة الحكومات المشاركة ويؤدّي في نهاية المطاف إلى اضطرابات داخلية.10 حتى قبل السابع من أكتوبر 2023، كان الدعم الشعبي للتطبيع مع إسرائيل ضئيلاً جداً في المنطقة، كما يوضح الباروميتر العربي.11 وساهمت أحداث السابع من أكتوبر في قلب المشهد رأساً على عقب، فأساءت إلى سمعة إسرائيل وحلفائها إلى حد بعيد وأفقدتها مصداقيتها العالمية،12 ما زاد من تعقيد جهود التطبيع.

 

تَردّد صدى حملة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة بعد طوفان الأقصى في شتى أنحاء المنطقة، ما أسفر عن سلسلةٍ من ردود الفعل وعن تدهور المناخ الأمني. أولاً في لبنان، وفي ردّ على هجمات حزب الله على شمال إسرائيل، شنّت إسرائيل حملة عنيفة دمّرت جنوب لبنان، بما في ذلك اغتيال أمين عام حزب الله.13 وألحقت الهجمات الإسرائيلية خسائر فادحة في صفوف المدنيين اللبنانيين، إذ أبلغ وزير الصحة عن مقتل 1640 شخصاً وإصابة 8408.14 وأدّى القصف الإسرائيلي المستمرّ بلا هوادة إلى هجرة جماعية للمدنيين، وأرغم حوالي مليون شخص (وهي نسبة هائلة تُمثل 20 في المئة من السكان) على الفرار من منازلهم.15

ثانياً، تواجه سوريا، التي أنهكتها سنوات الحرب الأهلية الطويلة، مزيداً من الاضطرابات بسبب الغارات الإسرائيلية المتكرّرة ضد مواقع إيران وحزب الله داخل حدودها. وفيما تخوض سوريا مرحلة ما بعد الأسد، تُخطّط إسرائيل لتوسيع الاستيطان في الجولان المحتلّ، ما يؤجّج التوتّرات الإقليمية.

 

ثالثاً، ردّاً على قصف إسرائيل مقرّ القنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل من العام الماضي، شنّت طهران ضربات صاروخية ولّدت دوامةً من الانتقام المتبادل بلا هوادة مع ردّ كل طرف بالمثل وتصعيد الاشتباكات.

 

وفرضت حالةُ عدم الاستقرار السياسي الداخلي في إسرائيل، التي فاقمتها الحرب الدائرة في غزة ولبنان، ضغوطاً هائلة على موارد البلاد المالية، ما يثير تساؤلات خطيرة بشأن قدرتها على الالتزام بمشروعٍ طموح مثل الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

 

لقد فرض الصراع تبدّلاً في الأولويات، فحوّل موارد ضخمة إلى الإنفاق العسكري وحَمّل سكان المناطق الحدودية تكاليف النزوح المستمرّ. وأقرّ وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأنّ “الاقتصاد الإسرائيلي يتحمّل عبء الحرب الأطول وأكثرها تكلفة في تاريخ إسرائيل”.16 وقد أصبحت التداعيات الاقتصادية ملموسة بالفعل مع خفض تصنيف إسرائيل الائتماني مرّتين، وتوقّع المزيد من التخفيض.17

 

علاوة على ذلك، أصبحت جدوى الممرّ اللوجستية تثير تساؤلات، لا سيّما في ظلّ التحدّيات التي تواجه البنى التحتية الرئيسة مثل ميناء حيفا. ويواجه الميناء الآن الذي كان يُعدّ مركزاً حيوياً للممرّ، مشاكل أمنية تُهدّد بعرقلة العمليات وزيادة التكاليف وتقويض ثقة المستثمرين. ونسفت هجمات حزب الله الأخيرة صورة الميناء كمركزٍ آمن وموثوق وألقت بظلالها على دوره المنشود في الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وعلى وجه التحديد، رفعت مجموعات الأمن البحري والصناعة تقييماتها للمخاطر المتعلّقة بالميناء، مُقرّةً باحتمال حدوث اضطرابات وعمليات تأخير وزيادة في التكاليف.18 وعلى الرغم من تطمينات الحكومة الإسرائيلية، كُثّفت التدابير الأمنية في الميناء وعلى طول طريق الممرّ، ما قد يُعرقل المشروع مقارنةً بطرق التجارة البديلة القائمة.

 

 

جاذبية البدائل

 

فيما أبدت الهند حماساً لمشروع الممرّ وأظهرت فرنسا التزامها من خلال تعيين مبعوث خاص، لا يزال الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا يواجه عقبات جمّة، أبرزها العقبات اللوجستية والمالية والتحدّي المتمثّل في حشد الدعم الإقليمي الواسع النطاق.[i] وتساهم عوامل متعدّدة في هذه الاستجابة الفاترة للمشروع، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن جدوى الممرّ على المدى الطويل.

 

أولاً، يطرح استبعاد الجهات الإقليمية الرئيسة، مثل قطر ومصر وتركيا وإيران، تساؤلات حول شموليّة الممرّ وجدواه على المدى الطويل. ثانياً، تُلقي الطبيعة غير المُلزمة لمذكّرة التفاهم الحالية، مقرونةً بغياب توقيع لاعبين رئيسيين مثل إسرائيل والأردن (المُشار إليهما كنقاط عبور للممرّ) بظلالها على مستقبل الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

 

ثالثاً، ينطوي تأييدُ الممرّ على مخاطر محتملة بالنسبة إلى الدول الإقليمية، إذ يُعدّ مشروعاً مرتبطاً بشكلٍ وثيق بالولايات المتّحدة وإسرائيل وحلفائهما الأوروبيين. وفي ظلّ تنامي انتقاد الرأي العام الإقليمي للتواطؤ الغربي مع أفعال إسرائيل في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، ومن شأن تصوّر لأيّ ارتباط بهذه السياسات أن يُؤدّي إلى ردود فعل محليّة. وقد انعكس هذا الشعور في الاستطلاعات الأخيرة، على غرار المؤشّر العربي، التي لاحظت نظرةً سلبية للغاية للدور الأمريكي في حرب غزة. عبّر 94 في المئة من المشاركين في الاستطلاع عن آراء سلبية صريحة، فيما وصفه 82 في المئة منهم بأنّه “سيئ للغاية”، في دلالة واضحة على مستوى الاستياء غير المسبوق.ويشمل عدم الرضى هذا الحلفاء الأوروبيين الأساسيين أيضاً إذ بلغت نسب الآراء السلبية حيال فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا 79 في المئة و78 في المئة و75 في المئة على التوالي. تُسلّط هذه النتائج الضوء على التكاليف السياسية المحتملة الناتجة عن أيّ تحالف متصوّر مع القوى الغربية، حتى بشأن المبادرات الاقتصادية مثل الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.20

 

رابعاً، يُنظر إلى هذا المشروع على أنّه غير مُطوَّر ومن المحتمل أن يكون غير قابل للتنفيذ، لا سيّما نظراً لغياب بديلٍ واضح عن مبادرة الحزام والطريق الصينية. ينبع غياب بديل ناجع عن مبادرة الحزام والطريق من عوامل متعدّدة. في الواقع، تتجذّر هذه المبادرة في المنطقة تجذّراً عميقاً بما أنّ دولاً متعدّدة منخرطة في استثمارات ومشاريع مرتبطة بها. علاوة على ذلك، تقدّم مبادرة الحزام والطريق حزمةً شاملة من تطوير البنى التحتية والتمويل والفرص التجارية التي تجذب بلداناً متعدّدة في المنطقة. وتزيد هيمنة الصين المستمرّة كأكبر مستهلك لصادرات الهيدروكربونات الخليجية الأمور تعقيداً. ففي حين يُمثّل بروز الإمارات العربية المتّحدة كمستثمرٍ رئيس في البنى التحتية للترابط، في أفريقيا بصورةٍ خاصة، بديلاً محتملاً عن مبادرة الحزام والطريق الصينية، إلّا أنّها لم تصل إلى الحجم نفسه بعد. وبالتالي، وفي ظلّ غياب بديلٍ مضمون وفوري، فإنّ التكاليف المحتملة لتعريض هذه العلاقات مع الصين للخطر تفوق المكاسب غير المؤكّدة المرتبطة بتأييد مشروع الممرّ.

 

أخيراً، مكّن صعود تعدّد الأقطاب في النظام الدولي دول المنطقة من فرض استقلاليتها الإستراتيجيّة. وغَذت الصورة المكوّنة عن توجّه الولايات المتّحدة نحو آسيا مخاوف الدول الخليجية، وحضّتها على تنويع شراكاتها وانتهاج سياسة خارجية أكثر استقلالاً. تجسّد المملكة العربية السعودية ذلك من خلال استكشاف الدعم الصيني لبرنامجها النووي المدني بغية تطوير قدرات استخراج اليورانيوم وطحنه وتخصيبه. تهدف هذه الخطوة الإستراتيجية إلى تعزيز قوّتها التفاوضية مع الولايات المتحدة. ويسلّط هذا المشهد الجيوسياسي المتغيّر الضوء على تنامي نفوذ القوى الإقليمية. وخير دليل على هذا التوجّه هو الإعلان عن مشروع طريق التنمية، وهو مبادرة داخلية لإنشاء ممرّ يشمل تركيا والعراق وقطر والإمارات. وتعكس مشاركة قطر والإمارات في هذا المشروع التزامهما بالتعاون الإقليمي وطموحهما لممارسة نفوذ أكبر كقوى متوسّطة.

 

يشكّل طريق التنمية بديلاً مُقنِعاً عن الممرّ الاقتصادي المضطرب بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وتبدو فرص نجاح مشروع طريق التنمية أكبر كونه خالياً من الأعباء السياسية التي تعيق الممرّ، لا سيّما أنّه يُعدّ مجدياً اقتصادياً أكثر من الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.21 وتقدّم مؤاومة طريق التنمية مع الممرّ الأوسط التركي ضمن مبادرة الحزام والطريق منفذاً إلى سوقٍ أوسع قد تفوق نطاق الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ويبدو حتى الآن أنّ الطريق التركي يُسيطر على السباق لإنشاء ممرّ تجاري قابل للاستمرار.

 

في الختام، يواجه الممرّ الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا شبكة معقّدة من التحدّيات، بدءاً من العراقيل اللوجستية والقيود المالية وصولاً إلى المخاطر الجيوسياسية والشكوك الإقليمية. لكن في خضم هذه التحدّيات تكمن الفرص. فبدلاً من الاعتماد على القوى الخارجية لفرض شروطها، آن الأوان لكي تشقّ الدول طريقها بنفسها، وتستفيد من موقعها الإستراتيجي ومواردها الاقتصادية ونفوذها الدبلوماسي لخلق منطقة أكثر ترابطاً وازدهاراً، وتأخذ زمام المبادرة في رسم معالم مستقبلها.

 


الهوامش:
1 “India, UAE Launches Virtual Trade Corridor to Enhance Ease of Doing Business,” Times of India, September 11, 2024, https://timesofindia.indiatimes.com/business/india-business/india-uae-launches-virtual-trade-corridor-to-enhance-ease-of-doing-business/articleshow/113256441.cms.
2 “India Readies Its Ports to Power the Ambitious IMEC Corridor,” Business Today, September 11, 2024, https://www.businesstoday.in/latest/economy/story/india-readies-its-ports-to-power-the-ambitious-imec-corridor-445481-2024-09-11.
3 “The India-Middle East-Europe Economic Corridor (IMEC),” HSBC Business Go, accessed October 31, 2024, https://www.businessgo.hsbc.com/en/article/imec-economic-corridor.
4 The immense cost and logistical complexities of developing a hydrogen economy raise concerns about its feasibility. Furthermore, the efficiency and viability of hydrogen for widespread commercial use, especially in transportation and heating, remain unproven. Adam Tooze, “Hydrogen Is the Future—or a Complete Mirage,” Foreign Policy, July 14, 2023, https://foreignpolicy.com/2023/07/14/hydrogen-is-the-future-or-a-complete-mirage/.
5 “Suez Canal Annual Revenue Hits Record $9.4 Billion, Chairman Says,” Reuters, June 21, 2023, https://www.reuters.com/world/africa/suez-canal-annual-revenue-hits-record-94-bln-chairman-2023-06-21/.
6 EU Diplomate, interview by author, Doha, October 2024.
7 International Crisis Group, Great Expectations: The Future of Iranian-Saudi Détente, Middle East Briefing no. 92, (Tehran/Riyadh/Washington/Brussels: International Crisis Group, June 13, 2024), https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/iran-saudi-arabia/b92-great-expectations-future.
8 “Yemen: Justice Remains Elusive and Millions Still Suffering Nine Years since Armed Conflict Began,” Amnesty International, March 25, 2024, https://www.amnesty.org/en/latest/news/2024/03/yemen-justice-remains-elusive-and-millions-still-suffering-nine-years-since-armed-conflict-began/.
9 The Israeli genocidal campaign in Gaza has resulted in a staggering loss of life, with at least 42,924 people killed, including nearly 16,765 children, over 100,833 injured, and more than 10,000 remain missing.
10 Anna Gordon, “New Poll Shows How Much Global Support Israel Has Lost,” Time, January 17, 2024, https://time.com/6559293/morning-consult-israel-global-opinion/.
11 Michael Robbins, “How Do MENA Citizens View Normalization with Israel?,” Arab Barometer (blog), September 21, 2022, https://www.arabbarometer.org/2022/09/how-do-mena-citizens-view-normalization-with-israel/.
12 Yasmeen Serhan, “How Israel and Its Allies Lost Global Credibility,” Time, April 4, 2024, https://time.com/6963032/israel-netanyahu-allies-global-standing/.
13 Maya Gebeily and Milan Pavicic, “Israeli Campaign Leaves Lebanese Border Towns in Ruins, Satellite Images Show,” Reuters, October 29, 2024, https://www.reuters.com/world/middle-east/israeli-campaign-leaves-lebanese-border-towns-ruins-satellite-images-show-2024-10-28/.
14 “Lebanese Health Minister Reports 1,640 Dead, 8,408 Injured from Israeli Attacks since October 8,” Qatar News Agency, September 28, 2024, https://www.qna.org.qa/en/News-Area/News/2024-09/28/0024-lebanese-health-minister-reports-1,640-dead,-8,408-injured-from-israeli-attacks-since-october-8.
15 Olivia Giovetti, “The Crisis in Lebanon, Explained,” Concern Worldwide US, October 2, 2024, https://concernusa.org/news/lebanon-crisis-explained/.
16 Hanna Ziady, “Israel’s Economy Could Be the Next Casualty of War with Hamas,” CNN, October 4, 2024, https://edition.cnn.com/2024/10/04/economy/israel-economy-war-impact/index.html.
17 Steven Scheer, “More Ratings Cuts Feared After Moody’s Downgrades Israel Two Notches,” Reuters, October 1, 2024, https://www.reuters.com/world/middle-east/more-ratings-cuts-feared-after-moodys-downgrades-israel-two-notches-2024-10-01/.
18 Jonathan Saul, “Maritime Industry Raises Threat Level for Israeli Ports,” Reuters, September 28, 2024, https://www.reuters.com/world/middle-east/maritime-industry-raises-threat-level-israeli-ports-2024-09-27/.
19 Retired Indian diplomate, interview by author, Doha, October 2024.
20 Arab Center for Research and Policy Studies, “Arab Public Opinion about the Israeli War on Gaza,” Doha Institute, January 10, 2024, https://arabindex.dohainstitute.org/EN/Pages/APOIsWarOnGaza.aspx#.
21 Choosing Paths: Development Road or IMEC, which Benefits Trade more?,” Fibre 2 Fashion, April 30, 2024, https://www.fibre2fashion.com/news/textiles-logistics-news/choosing-paths-development-road-or-imec-which-benefits-trade-more–294895-newsdetails.htm.