ثلاثة مسارات كردية تشكّل العائق الأساسي: تعتمد الجدوى السياسية لمشروع “طريق التنمية في العراق” على ثلاث ديناميكيات كردية متوازية: الخلاف بين بغداد وأربيل حول مرور المسار الشمالي عبر أراضي إقليم كردستان، وعملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، ودمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد ضمن الدولة السورية. وتُعدّ هذه المسارات مجتمعةً شروطاً ضرورية وليست مجرّد عوامل مساهمة. فلا يمكن لأي تقدّم مالي أو دبلوماسي في مجالات أخرى أن يعوّض عن غياب التحرك في الملفات الثلاثة كافة. وإذا تعثّر أحدها، سيظلّ سقف التقدّم الذي يمكن للممر أن يحرزه على المدى القريب محدوداً، بغض النظر عن المكاسب المحقّقة في المسارين الآخرين.
الريبة الإيرانية، لا الإذعان، هي المعطى الأساسي الجديد: أبطأت الحرب مع إيران وتيرة تنفيذ مشروع “طريق التنمية في العراق”، لكنّها عزّزت في الوقت نفسه من أهمية طرحه كمسارٍ تجاري بديل. ولا يزال استمرار التزام العراق وشركائه الإقليميين في تركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة يشكّل عاملاً حاسماً لدفع المشروع قدماً. وسيتوقّف مصير المشروع أيضاً على كيفية خروج إيران من الحرب وقدرة بغداد على التعامل مع ريبة طهران الكامنة حيال الممر، مع تقدّم عملية التنفيذ.
حكومة علي الزيدي ملزمة بالمحافظة على الجهاز التكنوقراطي: تبدو حكومة علي الزيدي الجديدة ملتزمة بهذا المسار حتى الآن، بيد أنّ الالتزام وحده غير كافٍ لإنجاز المشروع. فالاختبار الحقيقي الذي سيحسم مدى صمود هذا الالتزام في وجه التغيرات الحكومية يكمن في استدامة عمل لجان التعاون التقني، والاحتفاظ بالكوادر التنفيذية على الرغم من التعديلات الوزارية، فضلاً عن استقطاب التمويل اللازم لتحويل التعهّدات إلى رأس مال استثماري حقيقي.
قيمة طريق التنمية المؤسساتية وطويلة الأمد: قد يخلق تنفيذ الممر في إطار منظومات إنتاجية مثل التجمّعات الصناعية المخطّطة والمبنية على أساس الطلب، على طول مساره، فرص عمل نظامية، ويُعزّز المؤسسات العراقية الخاضعة للمساءلة. كما ستُشكّل عقده الصناعية مختبرات لبناء قدرات الدولة، بما يتيح للعراق اختبار الإصلاحات في مجالات الجمارك والمناقصات والتنظيم وتقديم الخدمات، ثم توسيع نطاق تطبيقها، فضلاً عن تعميق التكافل الاقتصادي الإقليمي، ما يرفع كلفة عدم الاستقرار والصراع.
مشروع طريق التنمية ركيزة لإعادة الإعمار ما بعد الصراع: قد يُحفّز انجاز هذا الممرّ عملية إعادة الإعمار ويحقّق عوائد السلام في العراق وسوريا وتركيا، ولا سيّما في المناطق المتضرّرة من الصراعات الدائرة على امتداد الممر ومحاوره المحتملة.
بدأت ملامح نظام جديد تتبلور في الشرق الأوسط. وليس من السهل التكهّن بما إذا كانت هذه البنية الجديدة ستُرسي حالة من الاستقرار، أم ستنزلق نحو التشرذم والفوضى، أم ستستقرّ في منزلة بينهما. وفي هذا السياق، قد يسهم إحراز تقدّم في مشروع “طريق التنمية في العراق”، وهو ممرّ تجاري بمليارات الدولارات لا يزال قيد الإنشاء ويهدف إلى ربط ميناء “الفاو الكبير” في البصرة بتركيا وأوروبا، في دفع مسار المنطقة نحو نظام أفضل.1
ومع مضيّ تنفيذ المشروع قدماً، وإن بوتيرة أبطأ مما كان متصوّراً في البداية، لا تزال شبكة معقّدة من العراقيل السياسية والمالية وغيرها تلوح في الأفق. ويُعدّ الالتزام بالمشروع على المدى الطويل ودعمه عاملاً حاسماً لنجاحه، سواء من جانب الحكومة العراقية، أو من قِبَل داعميه الخارجيين في منطقة الخليج وتركيا.
لقد أدّت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وأزمة هرمز إلى تعزيز الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع، حيث أعادت الحرب تذكير الجهات الفاعلة الإقليمية بأنّ التجارة البحرية عبر الخليج ليست عرضة للتصعيد العسكري فحسب، بل تتأثّر أيضاً بارتفاع تكاليف التأمين، وتأخّر الشحن، والاضطرابات المفاجئة في تدفقات الصادرات.
كما زادت هذه التطوّرات من حدّة المخاطر التي تُحدق بالعراق، فعندما تصبح الطرق البحرية أقل موثوقية، تواجه بغداد ضغوطاً فورية على صادرات النفط والعائدات المالية وثقة المستثمرين. وعلى هذه الخلفية، تسعى أنقرة إلى ترسيخ مكانة تركيا كمركز آمن نسبياً للتجارة والنقل والطاقة، من خلال مجموعة من المسارات التي يعزّز بعضها البعض، بما فيها “طريق التنمية” و”الممر الأوسط”، وخط أنابيب كركوك-جيهان الذي أُعيد إحياؤه، وخط سكة حديد الحجاز الممتد من المملكة العربية السعودية، فضلاً عن ممرّات برّية أخرى مخططة عبر سوريا.2
وعلى الرغم من أنّ مشروع “طريق التنمية” لا يقدّم بديلاً عن التجارة البحرية بالنسبة إلى الجهات الخليجية الفاعلة، إلا أنّ المسؤولين في مختلف أرجاء المنطقة توافقوا على أنّ الربط شمالاً عبر العراق وتركيا يمكن أن يُشكّل أداة تحوّط مفيدة في مواجهة الاضطرابات التي قد تُلقي بظلالها على الممرات البحرية.
وفي خضمّ حالة الهشاشة والضبابية التي خلّفتها الحرب مع إيران، وجد العراق نفسه عالقاً في مرمى النيران. فقد أصبحت المجموعات المسلّحة الموالية لإيران أهدافاً للضربات الإسرائيلية والأمريكية، كما شنّت بدورها ضربات على مواقع عسكرية أمريكية، بما في ذلك مواقع في الخليج.
الآن، وفي ظلّ تراجع حدّة التوتر، تسعى الحكومة العراقية الجديدة إلى إعادة وضع البلاد على المسار الداعم للاستقرار، حيث يحتلّ مشروع “طريق التنمية في العراق” وتحديداً الرؤية التي يجسّدها مكانة مهمة في هذه المهمة. فقد بذل العراق في عهد رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني جهوداً حثيثة بغية إحراز تقدّم في المشروع، وتمكّن من حشد دعم خارجي له.
أما حكومة الزيدي الجديدة، فتُواجه اليوم تحدّي إعادة إحياء هذا الزخم في خضم تقلّبات التشكيل الوزاري، واستشراء الفساد، وتراكم المشاريع العامة المتعثّرة في شتى أنحاء العراق. وتوحي المؤشّرات الأولية الصادرة عن حكومة الزيدي التزامها بالمشروع، فيما يبدو أنّ مكافحة الفساد تتصدّر أولوياتها الفورية.
وفي يونيو 2026، أفادت تقارير بأنّ الزيدي ألغى مشاريع تطوير السكك الحديدية ومطار بغداد التي كانت الحكومة السابقة قد أقرّتها، وذلك على خلفية مزاعم فساد.3 ويشير ذلك إلى احتمال إعادة ضبط المسار، إذ قد يسعى الزيدي إلى النأي بمشاريع البنية التحتية الكبرى عن عمليات الشراء والتعاقد التي تشوبها شبهات الفساد، والإبقاء في الوقت نفسه على مشروع “طريق التنمية” كعنصر جوهري من أجندته الحكومية، لكن الحكومة العراقية الجديدة لم تُعيّن بعد فِرق العمل والقنوات المؤسساتية المكلّفة بتنفيذ المشروع. ومن المتوقّع تبديل عدد كبير من أعضاء اللجان التقنية القائمة.
يمنح حكومة الزيدي فرصة لإعادة ضبط عملية التنفيذ بغية إعادة المشروع إلى مساره الصحيح، من خلال تعزيز الرقابة والآليات الأخرى، وذلك على الرغم من أنّ ذلك قد يؤدّي إلى إبطاء وتيرة التنسيق على المدى القصير.
في هذا السياق، يُشدّد المسؤولون الأتراك على أنّ أنقرة وغيرها من الشركاء الخارجيين يُمكنهم تقديم الدعم التقني، غير أنّ سلطة اتخاذ القرار النهائي ومسؤولية التنفيذ تقعان على عاتق السلطات العراقية.
ويشكّل “طريق التنمية في العراق” جزءاً من مساعي العراق الآيلة إلى بناء اقتصاد إنتاجي لمرحلة ما بعد النفط ولا يُعتبر مجرّد مشروع لشقّ الطرق فحسب. وفي حال مضى هذا المشروع قدماً، فإنه قد يعود بمكاسب إنمائية هائلة على العراق ومواطنيه نتيجة الإيرادات التي ستجنيها البلاد من حركة شحن البضائع عبر أراضيه، بالإضافة إلى الزخم الاستثماري الذي قد يولّده على طول هذا الممر.
تتطلّع الرؤية العراقية الرسمية إلى إنشاء مدن ومجمّعات صناعية مرتبطة بالطريق، تمتدّ على محور رئيسي للسكك الحديدية والطرق البرية، وتضمّ مراكز لوجستية وموانئ جافة، ومناطق للتجارة الحرة ومناطق اقتصادية خاصة، فضلاً عن مراكز جديدة للخدمات الحضرية مرتبطة بمسار التنمية الأوسع لميناء “الفاو الكبير”.
وقد وافق البنك الدولي على برنامج بقيمة 930 مليون دولار في منتصف العام 2025، يهدف إلى تحديث المحور الرئيسي لشبكة السكك الحديدية العراقية الممتدة من الشمال إلى الجنوب.4 وغالباً ما يُستشهد بهذا البرنامج كدليلٍ على الزخم الذي يكتسبه مشروع “طريق التنمية”، علماً أنّه ليس مخصّصاً رسمياً للممر، ويتداخل مع الحاجات المزمنة المتعلّقة بإعادة تأهيل الشبكة الوطنية القائمة.
والأهم من ذلك، أنّه قد يترتّب عن المشروع آثار تتضاعف في قيمتها عن القيمة المخطط لها، إذ يمكن لمنظومات عنقودية ذات قيمة مضافة أن تؤدي إلى تنمية تصاعدية (من القاعدة إلى القمة) حول عقد الممر الأكثر فاعلية (مثل التقاطعات الرئيسية، ومحطات السكك الحديدية، والمعابر الحدودية ومستودعات التخزين والخدمات)، حيث يقود اختصار الوقت وإجراءات التخليص الجمركي الموثوقة إلى خلق حوافز طبيعية لعمليات التجميع، والتعبئة والتغليف، وسلاسل التبريد، والصيانة وغيرها من الخدمات الصناعية الخفيفة. وإذا ما مضى الممر قدماً، فإنّ عوائده لن تقتصر على الساحة الداخلية، بل ستمتد إقليمياً، من خلال نمو حركة التجارة والتنمية، وبروز مؤسسات عراقية أكثر استقراراً وخضوعاً للمساءلة، فضلاً عن تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي.
بيد أنّ هذه المكاسب تبقى رهناً بطاقة الموانئ الاستيعابية، وكفاءة الأداء الجمركي، ووتيرة تقدّم المشروع. ومع ذلك، فإنّ هذه النتيجة غير مضمونة على الإطلاق في ظلّ حالة عدم الاستقرار التي تلقي بظلالها على المنطقة والغموض المحيط بالحرب الإيرانية الأمريكية، وفي خضمّ الأزمات السياسية المحلية في العراق، والشكوك التي تكتنف ملف التمويل.
في المقابل، تسير الخطط الرامية إلى إنشاء ممرات تجارية أخرى بوتائر متفاوتة، أبرزها “الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”(IMEC)، و”مبادرة الحزام والطريق” الصينية، وما يُعرف بـ”الممر الأوسط”.
علاوة على ذلك، تبحث أنقرة والرياض إمكانية إحياء سكة حديد الحجاز لربط المملكة العربية السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا. وفيما تتنافس بعض هذه الطُرق مع “طريق التنمية في العراق” على الأهمية وحجم التبادل التجاري، قد يتّضح أنّ بعضها الآخر يتكامل معها إذا ما نظرت الجهات الفاعلة الإقليمية إلى الترابط الإقليمي بوصفه أجندة للتكامل على نطاق أوسع، لا كلعبة صفريّة.5
أما على الصعيد السياسي، فسيعتمد الكثير على قدرة حكومة الزيدي الجديدة وداعمي الممر الخارجيين في تركيا والخليج للمحافظة على التوافق، وتحويل وعود الدعم إلى التزامات استثمارية حقيقية وقابلة للتمويل، وإبقاء المشروع ضمن منطق التكامل الإقليمي. ومن المهم أيضاً معرفة ما إذا كان المعارضون الإقليميون المحتملون في إيران والكويت، فضلاً عن الجهات المحلية العراقية، سيمتنعون عن تحويل المشروع إلى ساحة للصراع والتجاذب. فإذا صمد التعاون، يمكن لـ”طريق التنمية في العراق” أن يُجسّد خير مثال على كيفية قيام القوى الإقليمية المتوسّطة باستخدام الترابط كأداة ضغط ونفوذ، ودفع منطقة مضطربة باتجاه مسار أكثر استقراراً.
أما بالنسبة إلى تركيا، فقد أصبح مشروع طريق التنمية أحد أهم الملفات في سياستها إزاء العراق، التي لطالما ركّزت على الأبعاد الأمنية. وقد نجحت أنقرة، باعتبارها الشريك الخارجي الأكثر انخراطاً في المشروع خلال السنوات القليلة الماضية في نقل مسار الانخراط الثنائي مع بغداد من القضايا الشائكة المزمنة إلى أجندة تتمحور حول البنية التحتية والتنمية. وبينما تمتلك تركيا قدرات كبيرة في مجال النقل في المراحل اللاحقة، فإنّ الاختبار الحاسم يكمن في مدى قدرة أنقرة وبغداد على تحويل هذه القدرات إلى تقدّم مستدام في تنفيذ مشروع “طريق التنمية في العراق”.
تبقى السياسة الداخلية العراقية، أقلّه حتى اليوم، الاختبار المباشر لهذا المشروع. ففي عهد رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، تحوّلت المبادرة إلى رمزٍ ومحرّكٍ للجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار على الساحة السياسية العراقية. وقد نجحت بغداد في استقطاب دعمٍ خارجي من قطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا (التي وقّعت على اتفاق رباعي في أبريل 2024)، فضلاً عن إشراك البنك الدولي في هذا المسعى.6 اليوم، تعمل الحكومة الجديدة، التي تشكّلت في أعقاب فترة من الاضطراب بعد الانتخابات العراقية في نوفمبر 2025، على إعادة ملء المناصب الحكومية والتوظيف في مؤسسات الدولة. وتبدو هذه الحكومة عازمةً على المضي قدماً في انتهاج سياسة خارجية براغماتية، تشتمل على تحسين العلاقات مع تركيا.
لقد سلّطت حالة الضبابية التي سادت في مرحلة ما بعد الانتخابات وقبل تشكيل الحكومة الجديدة، الضوء على الارتباط الوثيق بين مشروع “طريق التنمية في العراق” وسعي بغداد إلى تحقيق توازن في علاقاتها الإقليمية على نطاقٍ أوسع. فقد أدّت الخطوة المبكرة التي قام بها “الإطار التنسيقي الشيعي” باتجاه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المعروف بقربه من إيران، إلى احتدام التنافس داخل البيت الشيعي، وأثارت اعتراضات من واشنطن وعدد من العواصم الإقليمية.
في 27 يناير، انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علناً احتمال عودة المالكي، ملوّحاً بإمكانية أن تعيد الولايات المتحدة النظر في دعمها للعراق إذا ما مضت بغداد في هذا الاتجاه.7 وفي نهاية المطاف، انتقل “الإطار التنسيقي” إلى دعم علي الزيدي، وهو رجل أعمال وشخصية سياسية من خارج النخبة التقليدية، ونالت حكومته ثقة البرلمان في 14 مايو 2026، وإن بتشكيلة حكومية جزئية حتى الآن، فيما لم تُحسم بعد عدة حقائب سيادية.
تستند الملامح الأولى للسياسة الخارجية التي ينتهجها الزيدي إلى مبدأ الحيطة والموازنة الحذرة بين الولايات المتحدة وإيران، مع التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية على مايبدو. وقد استهلّت حكومته عملها بولاية جزئية، إذ لم ينل سوى 14 وزيراً فقط من أصل 19 مرشّحاً تأييد البرلمان، ما ترك عدد من الحقائب السيادية الرئيسية كالدفاع والداخلية معلّقة دون حسم وتحت إشرافه المؤقّت.8
في المقابل، يعكس ترشيح بغداد للمستشار الخرّيج من الجامعات الأمريكية، كريكور دير هاكوبيان، لمنصب سفير العراق لدى واشنطن، جهداً يهدف إلى إعادة ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة ودفعها نحو أجندة تُعطي الأولوية لقطاع الأعمال.
وتراقب أنقرة والعواصم الخليجية حالياً الانعكاسات المحتملة لتشكيل حكومة عراقية جديدة على علاقاتها مع العراق. ففي عهد رئيس الوزراء السوداني السابق، اقترنت جهود بغداد لتحقيق الاستقرار عبر مشاريع البنية التحتية بسياسةٍ خارجية أكثر براغماتية سعت إلى تنويع شراكاتها.
بيد أنّ السؤال المطروح اليوم يتعلّق بمدى قدرة الزيدي على صون هذا النهج في الوقت الذي يتعين عليّه إدارة التوتّرات بين واشنطن وطهران، والتعامل مع الضغوط داخل “الإطار التنسيقي”، ناهيك عن مساومات نظام المحاصصة الذي ترزح مؤسسات الدولة العراقية تحت وطأته. أما في ما يتعلق بـ “طريق التنمية في العراق” على وجه الخصوص، فإنّ المحكّ الحقيقي يكمن في المحافظة على استمرارية لجان التعاون التقني القائمة، وقدرة الحكومة الجديدة على جذب المزيد من التمويل للمشروع، وصمود الكوادر التنفيذية في وجه التعديلات الوزارية.
فضلاً عن ذلك، تُمثّل هيكلية التمويل أبرز العوامل التي لم تُحسم بعد. ولعلّ أفضل توصيف لمشروع البنك الدولي المعني بـ”توسيع السكك الحديدية في العراق وتحديثها” (IREM) بقيمة 930 مليون دولار هو أنّه تحديث للمحور الرئيسي الحالي لشبكة السكك الحديدية الممتدة من الشمال إلى الجنوب، وليس رأسمالاً مخصّصاً لـ “طريق التنمية في العراق”.
وعلى الرغم من أنّ الدعم القطري والإماراتي لا يزال مهماً من الناحية السياسية، فإنّ جلّه لم يتعدَّ إطار مذكرات التفاهم أو التعهدات. وبالنسبة إلى مشروع تُقدَّر كلفته الإجمالية بين 17 و20 مليار دولار تقريباً، لا تزال ملفات متعدّدة عالقة دون حسم، من ضمنها الجهة التي سيتحمّل تكاليف تمويل خط السكك الحديدية الجديد بالكامل، وشقّ الطرق البرية، وإنشاء الموانئ الجافة، والمدن الصناعية، ناهيك عن مسائل الأمن والتشغيل.9
وفي ظلّ أجواء الحرب الراهنة التي تُخيّم على الشرق الأوسط، تزداد الشكوك المحيطة بالتعهّدات الخليجية لـ”طريق التنمية في العراق”. أما المسار الأكثر واقعية لدخول المموّلين الخارجيين في المدى القريب فلا يمرّ عبر أعمال الموانئ الأساسية التي يموّل العراق معظمها، بل عبر المرافق الممتدة على طول الطريق، مثل مستودعات الدعم اللوجستي والمحطات ومناطق الخدمات الصناعية، التي تتيح للمستثمرين الخارجيين ربطها بنماذج عوائد مالية أكثر وضوحاً.
تحمل هذه الفجوة التمويلية في طيّاتها انعكاسات سياسية واقتصادية، إذ يواجه “طريق التنمية في العراق” خطر التحوّل إلى ساحة أخرى للمنافسة القائمة على المحاصصة للفوز بالعقود، بدلاً من أن يمثّل برنامجاً منضبطاً لتطوير البنية التحتية، وذلك في حال بقائه دون تسلسلٍ زمني شفّاف وقواعد مشتريات واضحة وضمانات حقيقية.
في الواقع، يشكّل هذا التنافس الداخلي على المشتريات والعقود تهديداً أكثر إلحاحاً لتنفيذ المشروع من سائر العراقيل المحتملة، نظراً لمساسه المباشر بمنظومة الحوكمة التي يتطلّبها المشروع ككل. لكن، إذا تمكّنت بغداد من تحويل المشروع إلى هيكلية تمويلية مرحلية تتوزَّع فيها الأدوار بوضوح بين القطاعين العام والخاص ودول الخليج وتركيا والمؤسّسات المتعدّدة الأطراف، قد يُصبح “طريق التنمية في العراق” أكثر قابلية للتنفيذ وأشد مرونة في مواجهة تغيّر الحكومات.
لن يحسم الموقف الإيراني مصير “طريق التنمية في العراق”، لكنه سيؤثّر في هامش المناورة المتاح لتنفيذ المشروع. فمنذ إعادة اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 وشنّ الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خضعت طهران لضغوط هائلة أسفرت عن إضعاف شبكة وكلائها الإقليميين الممتدة من سوريا إلى لبنان إلى حد كبير. وفيما كشفت الحرب مع إيران عن مواطن ضعف في منظومة الأمن الإيرانية، فإنّها أبقت النظام قائماً، ما عزّز ثقة طهران في قدرتها على الصمود في وجه الضغوط.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه المحادثات الأمريكية الإيرانية جارية، لم يتّضح بعد ما إذا كانت ستتمخّض عن اتفاق نهائي. وفي حال خرجت التوتّرات عن السيطرة مجدداً، فإنّ ذلك قد ينعكس سلباً على العراق وعلى عملية إنجاز “طريق التنمية”. ولن يقتصر الأمر على تعقيد المشهد الأمني، بل سيعرقل جهود جذب الاستثمارات، إذ يؤدي تجدّد التصعيد إلى رفع علاوات المخاطر وإبعاد الاستثمارات وتحويل مسار التقدم في المشروع إلى ساحة أكثر عرضة للتنافس والتجاذب.
غالباً ما يُنظر إلى الممر كعاملٍ يسهم في تحجيم دور إيران في حركة العبور والترانزيت، إلا أنّ طهران تحاشت حتى الآن إبداء معارضة علنية حادة له، ما يُعزى جزئياً إلى استمرار بغداد في طرح “طريق التنمية في العراق” كمشروعٍ شامل وقابل للربط مع إيران عبر خط سكة حديد شلامجة-البصرة. بيد أنّ هذا الطرح قد يصعب التمسّك به في حال صُوّر “طريق التنمية” كأداة للتحوط الخليجي التركي في أعقاب أزمة هرمز في المقام الأول. وعندئذٍ، قد لا ترى طهران في الممر مشروعاً تنموياً عراقياً، بل جزءاً من مسعى أوسع لتجاوزها أو تطويقها أو احتوائها.
ولا يقتصر الخطر الرئيسي على اعتراضٍ إيراني رسمي، بل يشمل أيضاً احتمال عرقلة المشروع عبر الأجهزة الأمنية والسياسية العراقية المشحونة.10 وقد جسّدت واقعة حدثت مؤخراً تحذيراً ملموساً في هذا الصدد. فأثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى أنقرة في 28 يوليو 2026، امتنع وزير النقل العراقي في البداية عن التوقيع على اتفاق مرتبط بمشروع “طريق التنمية في العراق” خلال مراسم التوقيع، وربطت وسائل إعلام عراقية هذا التردّد باعتراضات سياسية متعلقة بـ”منظمة بدر” الموالية لإيران.11 غير أنّ الزيدي سارع إلى التدخّل علناً، ووُقّعت الوثيقة على الفور. وعلى الرغم من عدم تأكيد السبب الرسمي وراء هذا التردّد، فإنّ هذه الواقعة أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت الجهات المتحالفة مع إيران ستصبح أكثر مجاهرةً في الاعتراض على “طريق التنمية” مع تقدّم مراحل التنفيذ.
وقد تلجأ جهات عراقية قريبة من إيران أو مدعومة منها إلى عرقلة المشروع، عبر استخدام أدوات النفوذ السياسي في بغداد لإبطاء اتخاذ القرارات، أو إقحام مصالح الفصائل في عقود المشتريات، أو تسهيل عمليات التعطيل على طول المسار، بما في ذلك مقطع البصرة-الناصرية-السماوة، وعقدة بيجي، ومداخل الموصل، حيث أظهرت “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” وعناصر من اللواء 30 في “الحشد الشعبي” قدرة عملياتية على الأرض.
ومن المرجّح أن تراقب إيران المشروع بقدر أكبر من الريبة بعد الحرب للتأكّد من أنّه غير مُصمّم لتشديد الطوق عليها. وبالتالي، سيتعيّن على بغداد الانخراط في دبلوماسية نشطة للتأكّد من أنّ طهران لا تعتبر المشروع بمثابة تهديد. ولم يتّضح بعد كيف ستخرج إيران من هذه الحرب، وكيف سيتبلور مستقبل نهجها القائم على عقيدة “الدفاع الأمامي”.
في الوقت الراهن، من الأسلم الافتراض بأنّ طهران تنظر إلى المشروع بعين الريبة، بدلاً من اعتبار أنّها تغضّ الطرف عنه بصمت. ويرتبط السؤال المفتوح بمدى قدرة بغداد على التعامل مع هذه المخاوف عبر الدبلوماسية في ظلّ تقدّم تنفيذ المشروع.
تسهم ثلاثة تيارات متقاطعة تشمل أكراد المنطقة في تحديد مدى وسرعة التقدّم الذي يمكن أن يحرزه مشروع “طريق التنمية في العراق”، بالإضافة إلى حجم المكاسب التي يمكن للعراق وشركائه جنيها من إمكاناته الواعدة.
أولًا، لا يزال الخلاف قائماً بين بغداد وأربيل حول المسار الدقيق للممر، بما في ذلك مسألة مروره عبر أراضي حكومة إقليم كردستان أو تجنّبها إلى حدّ كبير.12 ثانياً، سيكون هذا التقدم رهناً ببقاء مبادرة السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني على مسارها الصحيح.13 ثالثاً، يعتمد الكثير أيضاً على التحوّلات الأخيرة التي شهدها شمال شرق سوريا، التي بلغت ذروتها باتفاق وقف إطلاق النار المُبرم في 30 يناير بين دمشق و”قسد” التي يقودها الأكراد، إلى جانب التوصّل إلى تفاهم بشأن آلية إعادة بسط سلطة الحكومة المركزية تدريجياً على المناطق الواقعة شمال شرق البلاد.
ومن شأن صمود وقف إطلاق النار الحالي ومضي عملية التكامل قدماً، أن يُعزز الاستقرار في شمال شرق سوريا ويخفّف التوتّرات العابرة للحدود، ويفسح المجال لإحراز تقدّم في مسار العلاقات بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني. ومع مرور الوقت، إذا واصل مسار التكامل الإقليمي تقدّمه، قد تؤدّي هذه التحوّلات إلى تهدئة التنافس البيني الكردي داخل العراق وسوريا وتركيا، من خلال زيادة تكاليف الفرص الضائعة الناتجة عن التنافس، والحدّ من إغراء اللجوء إلى الوسائل المسلحة، ما يمهّد الطريق لمنطقٍ أكثر تعاوناً وقائمٍ على المصالح المشتركة.
تختلف بغداد وأربيل بشأن المسار الشمالي لـ”طريق التنمية”. فبحسب المخطّط الحالي، يتجنّب الممر البلدات الرئيسية الخاضعة لحكومة إقليم كردستان، مثل دهوك وأربيل، ويتّجه إلى تركيا عبر معبر حدودي جديد (فيشخابور-أوفاكوي)، اتفقت العراق وتركيا على افتتاحه. ويقع هذا المعبر الجديد بين محافظتي دهوك ونينوى، بحيث لا يمرّ داخل إقليم كردستان العراق إلا عبر شريط ضيّق.
ويكتسب تفضيل أنقرة لمعبر “أوفاكوي” على معبر “إبراهيم الخليل” الحالي أهمية خاصة، إذ إنّ “أوفاكوي” يتجاوز المناطق التجارية الخاضعة لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP)، ويمنح تركيا رابطاً مباشراً بين الحكومة الاتحادية في بغداد ونظيرتها التركية، من دون الاعتماد على حسن نية أربيل، كما يدمج الممر ضمن رؤية تنموية أوسع لجنوب شرق تركيا. في المقابل، تدفع أربيل باتجاه تعديل المسار لكي يمرّ جزء منه عبر دهوك.
ومن شأن هذا التغيير أن يرفع التكاليف نظراً لطبيعة المنطقة الجغرافية الوعرة، إلا أنّه قد يحقّق مكاسب سياسية بعيدة المدى، من خلال تخفيف حدة التوتّر بين بغداد وأربيل. ولا يبدي المسؤولون الأتراك اعتراضاً على أي صيغة تتوصّل إليها بغداد وأربيل، ما دام المشروع يواصل التقدّم. أما إذا استمرّ المسار في تجنّب إقليم كردستان العراق إلى حد كبير، فقد يؤجّج مظالم الأطراف التي تشعر بأنّها مهمّشة ومستبعدة من المشروع، كما قد يقوّض، على المدى الأطول، المكاسب السياسية التي يمكن للممرّ أن يدرّها.
يُعد مسار الصراع المستمر منذ عقود بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، المصنَّف منظمةً إرهابية لدى أنقرة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عاملاً هاماً في تحديد مستقبل مشروع “طريق التنمية”.14 بالفعل، تُشير معظم التعليقات المنشورة بشأن “طريق التنمية” مراراً إلى قضية حزب العمال الكردستاني باعتبارها أحد أبرز العقبات التي قد تهدّد المشروع وتعرقل مساره.15
وقد تسهم عملية السلام الجارية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، إذا واصلت مسارها، في الحدّ من مخاطر امتداد الصراع وانعكاساته على المشروع. كما أنّ قرار حزب العمال الكردستاني في مايو 2025 بحلّ نفسه، مقروناً باستمرار أنقرة في الالتزام بمسار العملية، يعززان الآمال بالتوصّل إلى تسوية.16 وفي 10 أغسطس 2026، أقرّ البرلمان التركي القانون رقم 7595 بشأن “تعزيز التضامن الوطني والتماسك الاجتماعي”، الذي يحدّد إجراءات تأجيل التحقيقات والملاحقات القضائية، وكذلك إرجاء تنفيذ الأحكام بحق الأعضاء المؤهّلين من حزب العمال الكردستاني، فور التحقّق رسمياً من إتمام عملية نزع السلاح.17 ويفتح هذا التدبير الباب أمام مسار قانوني لعودة المنخرطين في الحزب، ويدفع العملية خطوة أقرب إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. وقد تكون التداعيات الإقليمية أوسع نطاقاً. ففي مقابلة مع قناة الجزيرة في 15 أغسطس، أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ تركيا ستواصل تعزيز علاقاتها مع المجتمعات الكردية، وحماية حقوقها في شتى أنحاء المنطقة.18
ويعكس هذا التصريح جهداً آيلاً إلى تحسين علاقات أنقرة مع المجتمعات الكردية في المنطقة برمتها، ما قد يخفّف من حدّة مجموعة أخرى من الاحتكاكات السياسية المحيطة بمشروع “طريق التنمية في العراق”. يساعد تحقيق هذا السيناريو، في تعزيز استقرار القطاع الشمالي من مسار طريق التنمية، حيث حافظ حزب العمال الكردستاني على حضور طويل الأمد، ونفذ الجيش التركي عمليات عسكرية مكثّفة على مدى العقد الماضي.
من شأن إنهاء الصراع أن يسفر أيضاً عن تخفيف حدّة الاحتكاكات بين الجهات السياسية الكردية في العراق، التي لطالما شكّلت قضية حزب العمال الكردستاني إحدى أبرز نقاط الخلاف بينها. وقد يؤدّي إحراز تقدم في هذه الملفات إلى تقليص المخاطر الأمنية والسياسية، وبالتالي إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية للمشروع. وعلاوة على ذلك، يمثّل معبر “أوفاكوي” بالنسبة إلى تركيا فرصة لبلورة مسار إنمائي داخلي، إذ ينفذ المعبر مباشرة إلى ولاية “شرناق” التركية ذات الغالبية الكردية، والتي عانت طويلاً من ويلات الصراع والتخلّف الإنمائي. وفي حال تقدّمَ مشروع “طريق التنمية”، فقد يُسهم في تسريع وتيرة التحوّل من نهج أمني بحت إلى منطق يكرّس النمو والتنمية في أجزاء من جنوب شرق تركيا كذلك.
علاوةً على ذلك، إذا مضت عملية السلام قدماً ولم تعد أنقرة ترى في حزب العمال الكردستاني تهديداً في شمال العراق، قد يمهّد ذلك الطريق لانسحاب عسكري تركي تدريجي من الأراضي العراقية، وهو أمر لطالما طالبت به بغداد، معتبرةً الوجود العسكري التركي على أراضيها انتهاكاً للسيادة الوطنية.
ومن شأن هذا الانسحاب، بدوره، أن يمنح زخماً إضافياً للعلاقات بين بغداد وأنقرة التي تشهد تحسّناً ملحوظاً منذ العام 2024، لا سيما في مجالات التعاون الأمني وتجارة النفط وإدارة ملف المياه، فضلاً عن مشروع “طريق التنمية في العراق” بطبيعة الحال.19 في هذا السياق، ستشكّل وتيرة عملية دمج “قسد” التي يقودها الأكراد في مؤسسات الدولة السورية، وهي عملية جارية حالياً، عاملاً حاسماً في تحديد مدى استدامة التسوية الممكنة للصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.
على المدى البعيد، يمكن لـمشروع “طريق التنمية” أن يحقّق منافع عابرة للحدود من خلال ربطه بالأراضي السورية عبر محاور وطرق رئيسية. ويرى بعض المراقبين أنّ استقرار شمال شرق سوريا ونجاح عملية الاندماج هناك قد يتيحان يوماً ما ربط “طريق التنمية” عبر ممرات حيوية تنطلق من العراق نحو حلب وإدلب، ومنها إلى هاتاي في تركيا ثم باتجاه الغرب.20
وعلى الرغم من الغموض الذي يخيّم على هذا السيناريو، فإنّ الرؤية الأوسع للتكامل الإقليمي أبعد من العراق تبدو جذّابة ليس لبغداد ودمشق فحسب، بل لأنقرة والعواصم الخليجية أيضاً. وهذا أفق قد رحّب به عدد كبير من المجتمعات الكردية وغيرها من المكونات التي أنهكتها الصراعات، والممتدة عبر المناطق الحدودية بين سوريا وتركيا والعراق. وفي حال أحرز المشروع تقدماً، فمن شأنه الحدّ من الانقسامات، وزيادة كلفة اللجوء إلى العنف أو التعطيل، وترسيخ المكاسب المتأتية من الاتفاقات القائمة أو المستقبلية.
إذا تعثّر مشروع “طريق التنمية”، لن يخسر العراق مخططاً لشبكة النقل فحسب، بل سيفقد منصّة نادرة تتيح لبغداد تنسيق عمل الوزارات، وضبط عمليات التعاقد والشراء، وربط البنية التحتية بالتنمية المحلية، والمحافظة على زخم استثمارات الشركاء الأتراك والخليجيين في بناء قدرات الدولة العراقية. وفي المقابل، ستخسر تركيا وشركاؤها الخليجيون خياراً برياً محتملًا للتحوّط، في وقت تزداد فيه أهمية الممرات البحرية ومخاطر التصعيد الإقليمي.
ولن تظهر كلفة التعثّر دفعة واحدة، بل ستتراكم تدريجياً من خلال تأخّر العقود، وارتفاع علاوات المخاطر، وتراجع حماس المستثمرين، وتحوّل الاهتمام السياسي والاستثماري تدريجياً نحو ممرات منافسة.
أما إذا قُدّر لهذا المشروع أن يمضي قدماً، فإنّه كفيل بترسيخ استقرار العراق وإنتاجيته ضمن شبكة إقليمية من التكافل الاقتصادي، ما يعزّز دعائم نظام شرق أوسطي أكثر استقراراً، ويرفع من كلفة الانزلاق مجدداً نحو عدم الاستقرار. كما يمكن للمشروع أن يساعد العراق في بناء مؤسسات أكثر مرونة وموثوقية عبر تحفيز الحوكمة الرشيدة وتدابير مكافحة الفساد.
لكن لا بدّ من أن يحسم العراق عدداً من الملفات الرئيسية لإحراز التقدم. فعلى الرغم من إنجاز معظم دراسات الجدوى الخاصة بالمسار، ما من خريطة تمويل عامة ومفصّلة، ناهيك عن أنّ حالة الضبابية التي تلقي بظلالها على قضايا الضمانات والمشتريات وتسلسل ضخّ رؤوس الأموال، تقوّض مصداقية المشروع.
ويُحذّر بعض المحلّلين أيضاً من أنّ الخصوم السياسيين العراقيين قد يتنافسون على منافع المشروع المالية، من خلال الدفع بالشركات التابعة لهم إلى الاستفادة من غنائمه، ما قد يحوّل المشروع إلى ساحة للتنافس. وهنا، يُطرح سؤال جوهري لمعرفة ما إذا كانت الدولة العراقية، بمعزل عمن سيقود الحكومة المقبلة، قادرة على مأسسة إدارة “طريق التنمية في العراق” عبر آليات دائمة ومشتركة بين الوزارات وذات صلاحيات واضحة، والمحافظة على الكوادر المكلّفة بعملية التنفيذ، وتعزيز شفافية عمليات التعاقد والشراء، فضلًا عن ترسيخ التنسيق الجمركي والتنظيمي.
ومن شأن هذه الاستمرارية أن تدفع بعجلة التنفيذ قدماً، وتحمي التقدّم المحرز من الصدمات الناجمة عن التعديلات الوزارية والأزمات الأخرى، كما أنها ستسهم في تعزيز ثقة المستثمرين. أما مسألة المحافظة على انخراط الشركاء الخليجيين وتحويل وعودهم إلى التزامات فعلية، فتكتسب أهمية جوهرية بالنسبة إلى العراق. وستتعزّز استدامة التمويل القطري والإماراتي إذا تدفّق كرأس مال مرحلي يخضع لقواعد صارمة، لا كضخّات نقدية عابرة معرّضة لمخاطر منظومة الفساد في العراق. ومن جهة أخرى، قد يبدي المقاولون والمستثمرون الصينيون اهتماماً بالمشروع، نظراً لتداعيات الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط على مصالح بكين. ويتعيّن على جميع الأطراف المعنية أن تبقي نصب أعينها أنّ التقدم في مشروع “طريق التنمية” كفيل بتحقيق تنميةٍ تدعم الاستقرار.
ففي نهاية المطاف، يمكن للمشروع أن يتحوّل إلى شريان حيوي للجهات الفاعلة الخليجية ولتركيا، بما ينمّي حركة التجارة ليس من الجنوب إلى الشمال فحسب، بل ومن الشمال إلى الجنوب أيضاً. لذا، حري بهذه الأطراف الكفّ عن التعامل مع “طريق التنمية في العراق” باعتباره صراعاً صفرياً على الممرات التجارية، بل عليها النظر في سُبل التكامل مع “الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” وغيره من مشاريع الربط الإقليمي الناشئة في المنطقة.
ستعتمد جدوى “طريق التنمية في العراق” على كيفية طرح العراق والداعمين الخارجيين لهذا المشروع وطريقة تطبيقه. ولا بدّ أن يظلّ محكوماً بمنطق التكامل الإقليمي، لا الإقصاء. لذا، يتعيّن على بغداد أن تتولّى بصورة استباقية إدارة عمليات تطوير “ميناء الفاو الكبير”، الذي تراه الكويت منافساً مباشراً لـ”ميناء مبارك الكبير”. وفي ظلّ التوترات المستمرّة بين البلدين الجارين، تكتسب الدبلوماسية البحرية أهمية مطّردة لضمان ألا يرى الكويتيون في تقدّم مشروع “طريق التنمية في العراق” تهديداً لمصالحهم الاقتصادية الخاصة. وبالمثل، ينبغي على بغداد ألا تفترض أنّ إيران تعتبر المشروع غير مهدِّد لها، بل سيتعيّن عليها احتواء الشكوك الإيرانية، وتجنّب تقديم الممر كمشروع إقصائي يقتصر على الخليج وتركيا، والعمل، قدر الإمكان، على إبقاء المسارات التقنية مفتوحةً للربط المستقبلي مع إيران، حتى وإن كانت الحرب الدائرة والعقوبات الأمريكية المتواصلة تجعل من أي تكامل ملموس هدفاً بعيد المنال في الوقت الراهن.
أما إذا أحرز المشروع تقدماً وأُنجز في نهاية المطاف، فإنّه قد يسهم في بناء بيئة حاضنة للاستقرار في منطقة أنهكتها الحروب. وبالتالي، قد يصبح السلام والاستقرار خياراً أكثر عقلانية من الناحية المادية، وأكثر كلفة من الناحية السياسية في حال التراجع عنه.
كما يمكن لهذا الممر أن يمنح السكان في البصرة، والموصل، ودهوك، وشرناق، وديار بكر، وربما حتى لسكان مناطق شمال سوريا الممتدة من الحسكة إلى إدلب، سبيلاً للعبور نحو العمل النظامي والمشاريع المحلية، فلا يكون مجرّد ممر عبور للشاحنات والقطارات. وقد يتحوّل “طريق التنمية في العراق” إلى قوة دفع حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية العابرة للحدود في مرحلة ما بعد الصراع، وهذا احتمالٌ يستحق بذل جهود حثيثة لدفع المشروع قدماً.