نظام دولي في طور التحوّل: يشهد العالم تحوّلاً من نظام دولي يتسمّ بحدود معروفة ومعالم واضحة إلى نظام عالمي جديد لم تتحدّد قواعده بعد. وقد سرّعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية وتيرة هذا التحوّل، لكنّها لم تكن السبب الكامن وراء حدوث هذا التحوّل.
قيادة غامضة للأحداث الراهنة: لم تُظهر أيّ من القوى الكبرى الإرادة السياسية الفاعلة أو الشرعية اللازمة التي تخوّلها قيادة اي استجابة دولية منسقة، وهذا يُشير إلى إخفاق في منظومة الحوكمة العالمية.
إعادة تعريف مفهوم الأمن: لم يعد الأمن القومي يقتصر على مفهوم الردع العسكري فحسب؛ بل بات يشمل سلاسل الإمداد، و”أشباه الموصلات”، والبنية التحتية الرقمية، وقدرات الذكاء الاصطناعي، وهي عناصر أصبحت حاسمة في تحديد قوة الدول ونفوذها بقدر الردع العسكري.
معضلة دول الخليج: تمنح الثروة النفطية والموقع الجغرافي المركزي لدول الخليج ثقلاً تفاوضياً كبيراً في ظلّ نظام متعدّد الأقطاب، إلّا أنّ هذه المزايا ذاتها تضعها أمام مخاطر جسيمة وغير متناسبة في فترات التصعيد.
لا يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية بوصفها مجرّد أزمة إقليمية عابرة أو صداماً محتدماً بين قوى متنافسة في رقعة محدودة، بل هي لحظة مفصلية في التاريخ السياسي المعاصر. لقد دخل العالم الآن مرحلة التحوّل التاريخي، ينتقل فيها من نظام دولي بحدود ومعالم معروفة إلى نظام عالمي جديد لا تزال ملامحه وقواعده غير واضحة. ومع ذلك، فإنّ الحرب الحالية ليست المحرّك الوحيد لهذا التحوّل العالمي الذي نشهده، بل إنّها سرّعت وتيرة تحوّلات كانت تحدث بالفعل وكشفتها تماماً.
على مدى العقود الثلاثة التي أعقبت سقوط جدار برلين، وانهيار النظام العالمي ثنائي القطبية، وتفكّك الاتحاد السوفيتي، برزت أربع سيناريوهات رئيسية شكّلت سردية الخطاب العالمي. يتمثّل السيناريو الأول في هيمنة القيادة الأمريكية على النظام الدولي، والاعتراف بمكانة الولايات المتّحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة القادرة على صياغة القواعد وفرض معايير جديدة. 1
أمّا السيناريو الثاني، فكان يتمثّل في انضواء أوروبا تحت المظلة الأمنية الأمريكية من خلال إطار حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، ما منحها هامشاً واسعاً للتركيز على التكامل الاقتصادي والتقدّم، والبناء المؤسّسي، بدلاً من انشغالها بالأعباء الأمنية الجسيمة. 2
وارتبط السيناريو الثالث بالصعود الاقتصادي للصين، والذي جاء في البداية دون تحدٍ مباشر لقواعد النظام السائد، تماشياً مع صيغة “الصعود السلمي” التي تبنّتها بكين لعقود. 3
بينما ركّز السيناريو الرابع على إدارة الأزمات الإقليمية بوصفها حالات معزولة ومنفصلة لا تؤثّر في جوهر التوازن العالمي، بحيث يمكن احتواؤها ضمن حدودها الجغرافية دون الإخلال بالنظام العالمي. وقد شكّل هذا النموذج الإطار المرجعي الذي وجّه السياسات والإستراتيجيات والتصوّرات الأكاديمية طوال فترة عُرفت بـ “نهاية التاريخ” ولحظة القطب الأوحد. 4
بيد أنّ الحرب الحالية كشفت أنّ هذا التصوّر لم يعد صالحاً لتفسير الواقع الدولي، أو التنبؤ بمساراته، أو صياغة سياساته. فالسؤال الجوهري ليس في كيفية إدارة الأزمات ضمن إطار نظامي مستقر؟، بل من يمتلك القدرة على إدارة النظام الدولي نفسه، ومن يضع قواعده ومعاييره وآليّات إنفاذه.
يُعتبر التحوّل الذي طرأ على مفهوم الأمن أحد أبرز نتائج الحرب الحالية. فالأمن القومي لا يعني القوة العسكرية الصلبة وقدرات الردع النووية والتقليدية وحدها؛ بل تطوّر إلى مفهوم مُركب ذي أبعاد متعدّدة ومتداخلة فيما بينها. 5 ويشمل ذلك البُعد الاقتصادي المتعلّق بسلاسل الإمداد والتمويل، والبُعد التكنولوجي المرتبط بأشباه الموصلات والاتصالات المتقدّمة، وبُعد الطاقة المتعلّق بأمن الإمدادات وممرّات العبور، والبُعد المعلوماتي المرتبط بالبيانات والسيادة الرقمية، وأخيراً، مكون الذكاء الاصطناعي، الذي يُعدّ حاسماً في معادلات القوة المستقبلية واعتباراتها. 6
بموجب هذا التحوّل الجديد، أصبحت الدولة القادرة على حماية شبكاتها الرقمية من الاختراقات السيبرانية، وتأمين سلاسل إمدادها ضد الاضطراب أو الإكراه، وضمان استقلالها التكنولوجي في القطاعات الحيوية، أكثر أماناً من الدولة التي تمتلك تفوّقاً عسكرياً مجرداً دون أساس اقتصادي وتكنولوجي متين. يُغيّر هذا التحوّل مصادر الردع داخل النظام الدولي نفسه، حيث لم تعد الجيوش هي الأطراف الفاعلة الوحيدة في ضمان الردع، بل انضمّت إليها الآن المصانع الإستراتيجية، ومختبرات الأبحاث المتقدّمة، وشركات التكنولوجيا الكبرى، والبنية التحتية الرقمية، وكلها تعمل كأدوات جوهرية في معادلة الأمن الحديثة. 7
يُحدثُ هذا الوقع تغيراً في خريطة القوة الدولية، مع الأخذ في الحسبان معايير متعدّدة الأبعاد تعطي الأولوية للقدرات الجديدة بدلاً من الترسانات العسكرية وحجم الإنفاق العسكري ضمن ميزانيات الدفاع. ويشير هذا إلى أنّ الدول ذات القدرات العسكرية المتوسطة قد تُمارس، نفوذاً أكبر من القوى الكبرى، بسبب تفوّقها في قطاع معين من الأمن المركب وذلك في ظلّ ظروف معينة.
يعكس هذا التحوّل الشامل نهاية مرحلة تاريخية كاملة: وهي مرحلة اليقين الإستراتيجي التي سادت في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فقد افترض العالم، على مدار عقود، أنّ القيادة الغربية تمتلك القدرة البنيوية والمؤسّسية لتنظيم التوازنات الدولية ومنع الانزلاق نحو الفوضى، وأنّ النظام الأطلسي، بجناحيه الأمريكي والأوروبي، يُشكّل ضامناً للاستقرار العالمي وحارساً موثوقاً لقواعد اللعبة الدولية. لكن الاستجابة الدولية للأزمة الحالية كشفت عن تراجع ملحوظ في القدرة الجماعية على إدارة الصدمات الكبرى، وأظهرت الفجوة المتزايدة بين الخطاب والقدرة على التنفيذ. برزت أوروبا كأوضح نموذج لهذا التراجع البنيوي. فالقارة، التي أسست بنيتها الأمنية على الضمانات الأمريكية لعقود طويلة، وافترضت استدامة أمنها بناء على الالتزام بقدرة الناتو، وجدت نفسها فجأة تواجه سؤالاً وجودياً: ماذا يحدث عندما تصبح المظلة الأمنية الأمريكية أقل وضوحاً في التزاماتها، وأقل استعداداً لتحمّل التكاليف وحدها، وأكثر انشغالاً بأولويات المحيط الهادئ وتنافسها مع الصين؟8
هذا ليس سؤالاً تكتيكياً، بل يفرض إعادة النظر بشكل جوهري في الأُسس التي يقوم عليها الأمن الأوروبي المُعاصر، ويفتح الباب أمام نقاشات مكثّفة حول الاستقلالية الإستراتيجية الأوروبية، وحول تطوير قدرات دفاعية مستقلة.
يتجاوز تأثير هذا المأزق الدول الغربية؛ فهو يؤثر أيضًا في القوى الصاعدة التي تستفيد أكثر من تراجع الهيمنة الغربية، مثل الصين والقوى الآسيوية الكبرى التي لم تتمكّن من تقديم رؤية إستراتيجية متكاملة لحماية استقرار المنطقة، أو ضمان أمن تدفّقات الطاقة العالمية، وذلك على الرغم من اعتمادها العميق على طاقة الخليج، وارتباط اقتصاداتها بشكل وثيق مع أمن الطاقة وحرية الملاحة عبر المضائق الحيوية.
وقد تعاملت الصين، التي استوردت قبل الحرب نحو 42 في المئة من نفطها من منطقة الخليج مع الأزمة من منظور اقتصادي براغماتي إلى حدّ كبير، متجنبةً الانخراط الأمني المباشر، ومعتمدةً على الاستقرار الذي توفّره الترتيبات الأمنية القائمة. 9
يكشفُ هذا العجز الجماعي عن مفارقة بنيوية عميقة في النظام الدولي الحالي: فجميع القوى الكبرى تتضرّر من الأزمة، اقتصادياً وإستراتيجياً، ومع ذلك لا يمتلك أيّ منها الإرادة السياسية، أو القدرة التشغيلية، أو الشرعية الدولية لقيادة استجابة دولية حاسمة ومنسقة. وهذا يعني أن ما يواجهه العالم ليس أزمة قوّة بمعنى نقص في القدرات، بل أزمة قيادة عالمية في ترجمة القدرات المتاحة إلى عمل دولي فعّال. بالإضافة إلى ذلك، بذلت المؤسّسات الدولية التقليدية، مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، جهوداً حثيثة للتوصّل إلى إجماع في الآراء بشأن الصراع، لكن التحالفات تبدو مجزأة أكثر فأكثر. 10
تقع دول مجلس التعاون الخليجي في قلب هذا التحوّل بصفتها مورّداً حاسماً للطاقة العالمية وطرفاً محورياً في توازن القوى الدولي. إذ تمتلك هذه الدول ثقلاً إستراتيجياً يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي وعدد سكانها بسبب احتياطيات النفط والغاز العالمية، إلى جانب سيطرتها على الممرّات البحرية الحيوية. 11 ومع ذلك، خلق هذا الموقف معضلة، حيث أصبحت ميزتها الجغرافية عبئاً إستراتيجياً في لحظات التصعيد كما هو الحال الآن.
وبالتالي، لم يعد التهديد الذي يُشكّله إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة البحرية للممرّات المائية الحيوية مسألة إقليمية يمكن احتواؤها ضمن حدودها الجغرافية. فقد أصبح اختباراً مباشراً للنظام الدولي لحماية الاقتصاد العالمي وضمان استمرارية تدفّق السلع والطاقة. 12
إلى جانب ذلك، كشف تعطيل الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين البحري والشحن خلال الأزمة الحالية عن هشاشة الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يعتمد اعتماداً كبيراً على عدد قليل من المضائق البحرية، حتى مع تفعيل ممرّات بديلة. وقد منحت هذه الهشاشة دول الخليج وزناً تفاوضياً متزايداً، لكنها أيضاً حمّلتها مسؤوليات أمنية ومخاطر استثنائية.
استجابةً للحرب الراهنة، تحرّكت القوى الكبرى في اتجاهات مختلفة بدلاً من اتّباعها رؤية إستراتيجية متماسكة تعالج من خلال التهديدات المشتركة. وكانت النتيجة المباشرة ارتفاع التكاليف، وزعزعة استقرار أسواق الطاقة من خلال إحداث تقلّبات حادّة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وتراجع الثقة في قواعد التجارة العالمية وحرية الملاحة، التي شكّلت الأساس ذاته للعولمة على مدى العقود الماضية. 13
تطرح هذه النتائج تساؤلات جوهرية حول استدامة نموذج العولمة السائد وقدرته على تحمّل الصدمات الجيوسياسية الكبرى. حيث تواجه العولمة نفسها الآن تهديداً وجودياً يعيد تشكيل منطقها التأسيسي، ويدفع الدول نحو سياسات إعادة التوطين والتنويع الدفاعي. وتشير مفاهيم دعم الدول الحليفة، وفكّ الارتباط الانتقائي، إلى أنّ العولمة قد تدخل مرحلة أكثر تشرذماً. 14
يُواجه النظام الدولي الحالي تحوّلاً تدريجياً إلى حالة يمكن وصفها بـ “الاستقرار غير المستقرّ” أو “التوازن الهشّ” وليس الانهيار الكامل. فالعالم لا يتجه نحو فوضى “هوبزية” مطلقة يسود فيها قانون الغاب، وتغيب فيها القواعد. ولسنا أيضاً في المرحلة التي يعود فيها العالم إلى نظام أحادي القطبية بقوّته الواحدة والمهيمنة، كما كان سائدًا في التسعينيات والسنوات الأولى من الألفية الجديدة.
ما يتشكّل تدريجياً هو نظام تنافسي مُتعدّد الأقطاب تتشارك فيه القوى الكبرى بالنفوذ والمسؤوليات دون امتلاك أيّ منها القدرة على فرض هيمنة كاملة أو صياغة قواعد مُلزمة للجميع. 15
ضمن إطار هذا النظام الناشئ، تصبح التحالفات أكثر مرونةً، وأقل استقراراً، وأكثر براغماتيةً، ويصبح الردع أكثر تكلفةً وأصعب في الحسابات بسبب تعدّد مصادر التهديد وتشابكها فيما بينها. وبنفس القدر من الأهمّية، يتقدّم الاقتصاد والتكنولوجيا تقدماً أسرع من القوة العسكرية التقليدية كأدوات جوهرية لممارسة النفوذ الدولي وتعزيز المصالح الإستراتيجية. 16 ونتيجة لذلك، من المرجح أن يكون النظام الجديد مرناً ومتغيّراً، ما يجعل التنبؤ بنتائجه أو تحديد مساره أمراً صعباً. لذا، تفرض هذه الخصائص على الأطراف الدولية ضرورة تطوير قدراتها في التكيّف وتعزيز مرونتها الاستراتيجية لأعلى مستوى.
القضية الجوهرية هي أيّ نوع من النظام الدولي سيظهر في أعقاب هذه الحرب؟ وما هي المعايير التي ستحكم مرحلته الجديدة. فالتحوّلات الكبرى لا تحدث عندما تُهزم دولة أخرى، بل عندما تتغيّر قواعد القوة نفسها، وعندما يحدث التحوّل في معايير الشرعية ومصادر النفوذ داخل النظام الدولي.
لا شكّ أنّ النظام العالمي الناشئ لا يتمحور حول مركز واضح، وأنّ التكيّف الإستراتيجي، بما في ذلك القدرة على إعادة تنظيم الموارد، والشراكات، وكيفية الاستجابةً لديناميكيّات القوة المتغيّرة، هو المتغيّر الحاسم الذي يُحدّد قدرة الدولة ونفوذها أكثر فأكثر، ليحلّ محلّ المقاييس التقليدية للحجم العسكري والمكانة التاريخية.
كذلك، فإنّ قدرة الدولة على تطوير الإنذار المبكر للتحولّات البنيوية، والتنوع في شراكاتها الاستراتيجية، والاستثمار في المحاور الأمنية الواردة سابقاً، سيُمكّنها من اجتياز هذا التحوّل بشكل أفضل. وبالنسبة إلى دول الخليج، التي تقع عند تقاطع الطاقة والجغرافيا وتنافس مصالح القوى الكبرى، فإنّ إدارة هذا التحوّل تمثّل أولويةً إستراتيجيةً ملحّةً وتحدّياً جسيماً