تعكس التغيّرات التي طرأت على ديناميّات التعاون في مجال الطاقة بين الصين والدول الخليجية انتقالاً نوعياً من الاعتماد البنيوي نحو اعتماد متبادل ومتشابك. ويأتي ذلك في سياق تحوّلات أوسع تُعيد رسم الجغرافيا السياسية العالمية للموارد. ففي حقبة الوقود الأحفوري التقليدي، لبّت الدول الخليجية، بما تمتلكه من احتياطيات هيدروكربونية ضخمة، الطلب الصيني الهائل، فكانت المورّد الرئيسي لأكبر مستورد للطاقة في العالم، ما أرسى علاقة تجارية أحادية الاتجاه قوامها تدفّقات النفط والغاز. غير أنّ هذه المعادلة تخضع اليوم لتحوّلات قد تقلبها رأساً على عقب، مدفوعة بتسارع التحوّل الطاقي وتصاعد الطوارئ المناخية وتقدّم الابتكارات التكنولوجية.
تشير ورقة السياسات هذه إلى أنّه ينبغي على الدول الخليجية والصين التعامل مع هذا الواقع المستجدّ عبر تعميق تعاونهما الإستراتيجي في مجال التحوّل الطاقي، لا سيّما على صعيد أنظمة الطاقة المتجدّدة. وتدعو إلى إرساء شراكات ثنائية متينة ومتعدّدة الأبعاد، تُعزّز القطاعات الصناعية لدى الجانبين وتُعظّم العوائد الاقتصادية، تماشياً مع الاحتياجات المجتمعية المتنامية للاستدامة والازدهار الشامل.
تواصل الصين توسيع قطاع الطاقة المتجدّدة بوتيرة متسارعة. ففي تقرير عمل الحكومة لعام 2025، رأى رئيس الوزراء لي تشيانغ أنّ على “الصين دعم الحفاظ على الطاقة وتسريع التحوّل نحو خفض الانبعاثات الكربونية في القطاعات الصناعية الرئيسية، والمضي قدماً في تطوير مصادر الطاقة الجديدة واستغلالها”.1 وفي عام 2024، بلغت الاستثمارات في المشاريع الرئيسية، مثل تخزين الطاقة الجديدة، وبنى الشحن والتبديل، وطاقة الهيدروجين، والمنظومات المتكاملة التي تجمع بين توليد الكهرباء والشبكات والأحمال والتخزين، نحو 200 مليار يوان (28 مليار دولار)، ما رسّخ مكانة الصين كأكبر مستثمر في التحوّل الطاقي على مستوى العالم.2 ويستند هذا التوجّه الصيني نحو الطاقة المتجدّدة إلى حسابات إستراتيجية معقّدة، تنبع من سعي وطني إلى تحقيق توازن بين الاعتبارات الداخلية الملحّة والمسؤوليات الدولية.
ينطلق هذا التوجّه، في المقام الأول، من حرص الصين على ضمان أمن الطاقة، إذ تعمل بكين بشكل منهجي على تدعيم بنيتها الطاقية للحدّ من مواطن الهشاشة الناجمة عن الاعتماد المفرط على واردات الوقود الأحفوري. ومن خلال تنمية موارد محليّة تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين، لا تعزّز الصين استقلاليّتها في مجال الطاقة فحسب، بل تقلّص في الوقت نفسه تعرّضها للمخاطر الجيوسياسية، ولا سيّما تلك المرتبطة باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية واحتمالات فرض قيود أو حظر.
يَكمن الدافع الثاني في سعي بكين إلى إنجاز تحوّلٍ أخضر يُركّز على خفض الانبعاثات الكربونية، إذ تسهّل مبادرات الطاقة المتجدّدة بلوغ أهداف مناخية صارمة، في مقدّمتها الوصول إلى ذروة الانبعاثات بحلول العام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول العام 2060. ويعكس هذا النهج رفض الصين التضحية ببيئتها الطبيعية في سبيل النموّ الاقتصادي، كما يجسّد التزامها بالاتفاقيات المتعدّدة الأطراف، مثل اتفاق باريس للمناخ، بما يرسّخ موقعها الفاعل في الحوكمة البيئية العالمية. وعلاوة على ذلك، تسهم هذه الجهود في تعزيز القوّة الناعمة للصين، مع انتقال مبادرة “الحزام والطريق” من مرحلة “الأطر العامة” (daxieyi) إلى مرحلة “التنفيذ الدقيق” )gongbihua(.3 وتأتي دعوة بكين في الآونة الأخيرة إلى “طريق الحرير الأخضر” لتؤكّد التزامها بدعم التنمية المستدامة والحدّ من المخاطر البيئية العابرة للحدود، عبر التعاون المتعدّد الأطراف في مجال البنى التحتية للطاقة النظيفة والتقنيات البيئية المتقدّمة.
أما العامل الثالث الذي يدفع الصين نحو التحوّل إلى الطاقة المتجدّدة فيُعزى إلى إعادة صياغة هيكلها الاقتصادي، في ظلّ تراجع فعاليّة نماذج التصدير التقليدية التي جسّدتها “الثلاثية القديمة” (jiusanyang)، وهي فئات الصادرات المنخفضة التقنية والكثيفة العمالة التي هيمنت على التجارة الخارجية الصينية منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية.4 فقد تآكلت القدرة التنافسية لهذه المنتجات مع تقلّص هوامش الربح على وقع الارتفاع المتسارع لتكاليف الإنتاج المحلية، ولا سيّما الأجور وإيجارات العقارات. وأمام هذا الواقع، قادت الصين تحوّلاً مدروساً نحو “الثلاثية الجديدة” (xinsanyang)التي تضمّ المركبات الكهربائية وبطاريات الليثيوم أيون والوحدات الشمسية الكهروضوئية، في دلالة على انتقالها من التصنيع المنخفض القيمة إلى صناعات ابتكارية عالية القيمة.5 وتستفيد الصين من تقدّمها التكنولوجي ووفورات الحجم لإضفاء زخم جديد على سلّة صادراتها وترسيخ موقعها الرائد في الأسواق العالمية الناشئة.
تضفي سلاسل القيمة الطويلة المرتبطة بهذه القطاعات أثراً مضاعفاً يساعد على تنشيط مختلف مراحل الإنتاج، ويسهم في خلق فرص عمل على مستويات متنوّعة من المهارات. وفي هذا السياق، شدّدت وثيقة حكومية حديثة على “ضرورة الإسراع في بناء منظومة طاقة جديدة، وزيادة حصّة إمدادات الطاقة الجديدة بصورة مستمرّة، ودعم الاستبدال الآمن والموثوق والمنظّم للوقود الأحفوري، مع التركيز على تشييد منظومة كهربائية حديثة وبناء دولة قويّة في مجال الطاقة”.6
وعلى الرغم من التباين الجوهري في الهياكل الاقتصادية بين الصين والدول الخليجية، فإنّ دول الخليج تضخّ استثمارات متزايدة في قطاع الطاقة المتجدّدة، بوصفه ركناً أساسياً في برامج تنويع اقتصاداتها، كما تجسّده “رؤية السعودية 2030″، و”رؤية قطر الوطنية 2030″، و”رؤية الكويت 2035”. ويعود هذا التوجّه في إستراتيجيات التحوّل الطاقي إلى التراجع التدريجي لهيمنة هذه الدول المزمنة على أسواق الطاقة العالمية في أعقاب ثورة النفط الصخري والانتشار الأوسع لمصادر الهيدروكربون غير التقليدية.
إنّ هذا الارتفاع الحادّ في إنتاج النفط والغاز الصخريين، ولا سيّما في الولايات المتحدة وكندا، أعاد رسم ديناميّات الإمدادات العالمية، وأضعف النفوذ الإستراتيجي للشرق الأوسط بصفته مركز الثقل في أسواق الطاقة العالمية. فعلى سبيل المثال، تراجعت صادرات منظّمة الدول المصدّرة للنفط “أوبك” إلى السوق الأمريكية من 5,6 ملايين برميل يومياً في عام 1977 إلى 980 ألف برميل يومياً في عام 7.2022 في ظلّ هذا التحوّل المدفوع بالتقدّم السريع في تطوير الرمال النفطية في كندا، وتقنيات الاستخراج في المياه العميقة بخليج المكسيك والبرازيل، إلى جانب توسّع إنتاج الوقود الحيوي، اضطر منتجو النفط في الشرق الأوسط إلى تنويع مصادر الطاقة والحدّ من الاعتماد على الوقود الأحفوري، في مسعى لاحتواء التهديدات الوجودية التي تحدق بنماذجهم الاقتصادية.
يزيد التحوّل الطاقي من حدّة هذه الضغوط. في غضون ذلك، تتضاءل الموارد الطبيعية فيما باتت قدرات الدول في مجال الطاقة تعتمد على الابتكار التكنولوجي والإمكانات الصناعية، وهي مجالات يتأخّر فيها عمالقة إنتاج الطاقة التقليديون بفعل ضعف الاستثمار في البحث والتطوير تاريخياً. وتفرض هذه الدينامية التبنّي الاستباقي لمصادر الطاقة المتجدّدة، بغية تجنّب التعرّض للتهميش ضمن نموذج طاقي تقوده التكنولوجيا ويركّز على البدائل المنخفضة الكربون لتحقيق نموّ طويل الأجل.
يُضاف إلى هذه الديناميات تصاعد حالة عدم اليقين لدى الدول الخليجية في ظلّ بقاء أسعار النفط عند مستويات متدنيّة، ما كشف هشاشة الاقتصادات المعتمدة على النفط. وقد تراجع الطلب العالمي على النفط بفعل جهود إزالة الكربون، حيث بقيت الأسعار منخفضة عموماً على مرّ العقد الماضي، ما أدى إلى تقلّص الاستثمارات وخفض حصص الإنتاج، وتسبّب بضغوط مالية تهدّد الاستمرارية على المدى الطويل، ولا سيّما في الدول ذات الاحتياطيات المحدودة.
فاقمت هذه التقلّبات المُلازمة لموردٍ سينضب لا محالة، هواجس الاستمرارية ودفعت الحكومات إلى التعامل مع تنويع مصادر الطاقة كخيار إستراتيجي لا غنى عنه لتفادي الانهيار الاقتصادي وضمان الاستقرار الوطني. يعكس ذلك حسابات براغماتية، إذ تسعى هذه الدول من خلال تسريع اعتماد الطاقة المتجدّدة، مثل مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي تُعدّ كلفتها من الأرخص في المنطقة، إلى التحوّط من تقلّبات الأسعار، وبل أيضاً إلى التوافق مع المتطلّبات المناخية العالمية، بما يحافظ على نفاذها إلى الأسواق ويعزّز قدرتها على الصمود ضمن نظام طاقة عالمي في طور التحوّل.
كما أتى توجّه الدول الخليجية نحو تبنّي الطاقة المتجدّدة تحت وطأة ضغوط داخلية متزايدة، ناجمة عن النمو السكّاني السريع، والارتفاع الحادّ في استهلاك الطاقة، وبقاء معدّلات التضخّم عند مستويات مرتفعة، وهي عوامل تقلّص الجدوى الاقتصادية للعوائد النفطية وتفرض الحاجة إلى إصلاحات هيكلية. ففي دول مثل السعودية، أدّى النموّ السكاني المتسارع إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء بنحو 7 في المئة سنوياً،8 مع استحواذ أجهزة التكييف وحدها على ما يصل إلى 70 في المئة من ذروة الاستهلاك،9 ما استدعى تحويل كميّات كبيرة من النفط الذي كان موجّهاً للتصدير المُدرّ للأرباح نحو تلبية الاحتياجات المحلية المدعومة، فتَسبّب بخسارة فرص تصديريّة تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً.
ألقى هذا الارتفاع في الاستهلاك الداخلي، الذي تفاقم بعد موجة التضخّم العالمية عقب عام 2008 حين فاقت زيادات أسعار السلع مكاسب النفط، بمزيد من الضغوط على كاهل أنظمة الدعم الحكومية، وهدّد بتآكل مستويات المعيشة، بما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي ضوء ذلك، تبرز أهمية الطاقة المتجدّدة لما تتيحه من مسارات إضافية نحو تحقيق النموّ الاقتصادي والتنمية.
في ظلّ ضخّ استثمارات كبيرة من الصين والدول الخليجية في قطاع الطاقة المتجدّدة، بات من الضروري إعادة تقييم مسار العلاقة بين الطرفين. فالشراكة التي قامت تاريخياً على كون الصين الطرف المستورد والدول الخليجية الطرف المصدّر، انتقلت اليوم إلى نمط أكثر تشابكاً من الاعتماد المتبادل، يقوم على تداخل عميق في سلاسل الإمداد الصناعية والمصالح الإستراتيجية المشتركة.
في صلب هذا التكامل يكمن التوافق بين المزايا النسبية في مجالات محدّدة من الطاقة المتجدّدة، إذ تتكامل الموارد الطبيعية التي تتمتّع بها الدول الخليجية مع البراعة الصينية في تقنيات تخزين الطاقة. فمنطقة الخليج تمتلك إمكانات استثنائية في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين، تتيحها خصائص جغرافية مواتية، إذ تسجّل معدّلات إشعاع شمسي قياسية عالمياً، بمتوسّط يومي يصل إلى 6,5 كيلوواط ساعة لكل متر مربع، وإشعاع مباشر يتراوح بين 3 و6,5 كيلوواط لكل متر مربع يومياً،10 ما يجعلها بيئة مثالية لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية المركّزة (CSP)، والخلايا الكهروضوئية المركّزة (CPV) والطاقة الكهروضوئية. وتمتلك أيضاً موارد وفيرة في مجال طاقة الرياح، لا سيّما على امتداد ساحل البحر الأحمر، حيث غالباً ما تتجاوز سرعة الرياح 6,9 أمتار في الثانية، وهو مستوى يضمن الجدوى الاقتصادية لمزارع الرياح الضخمة.11 بالإضافة إلى ذلك، تتيح وفرة الغاز الطبيعي في المنطقة، كما في حالة قطر، إنتاج الهيدروجين الأزرق بكلفة تنافسية بواسطة تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS)، انطلاقاً من البنى التحتية التقليدية القائمة في مجال الطاقة، ما يسهّل دمجه بسلاسة في أسواق الهيدروجين العالمية.
غير أنّ التحدّي الأكبر الذي يعيق استغلال طاقات الرياح والشمس والهيدروجين تفرضه الطبيعة المتقطّعة لهذه الامدادات، ما يجعل تبنّي موارد الطاقة هذه على نطاق واسع مرهوناً بتوفّر حلول تخزين فعّالة. وفي حين تعاني الدول الخليجية من فجوات في تقنيات التخزين والبنى التحتية، تبرع الصين في احتواء تقلّبات مصادر الطاقة المتجدّدة، بفضل منظومة متقدّمة لتخزين الطاقة تشمل سلسلة إمداد شاملة، من المواد إلى تكامل الأنظمة. كما تمتلك منشآت رائدة في مجال التخزين المائي بالضخ والتخزين الكهروكيميائي، ما يعزّز استقرار الشبكات الكهربائية وفرص اعتماد مصادر الطاقة المتجدّدة. ينتج عن هذا التكامل حلقة منفعة متبادلة، حيث تتيح الموارد الخليجية تطوير مشاريع واسعة النطاق، فيما تضمن الابتكارات الصينية الموثوقية، بما يسهم في سدّ فجوة التخزين لدى الدول الخليجية، ويوفّر في المقابل أسواقاً واسعة للصادرات الصينية.
تمتدّ فرص تعزيز الاعتماد المتبادل بين الصين والدول الخليجية لتشمل التعقيدات الهيكلية لسلاسل الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجدّدة التي تتطلّب ابتكارات عالية التقنية وتصنيعاً متقدّماً وبنى تحتية متينة، وهي مجالات غالباً ما تتجاوز قدرات دولة واحدة، وتحتاج إلى منظومات تعاونية. وعلى عكس استخراج الوقود الأحفوري الذي يرتكز أساساً على وفرة الموارد الطبيعية، تعتمد الطاقة المتجدّدة على معدّات عالية الدقة، مثل تقنيات الليزر والترسيب الفراغي المستخدمة في إنتاج البطاريات العالية الكفاءة والخلايا الكهروضوئية، فضلاً عن إدارة ذكية للشبكات الكهربائية من أجل التكيّف مع تقلّبات طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
وفي الوقت نفسه، يسهم التصنيع بشكل أساسي في إتاحة التوسّع، من خلال تحويل النماذج المختبرية إلى منتجات متينة وذات كلفة تنافسية، مثل الألواح الشمسية المصمّمة لعمر تشغيلي يصل إلى 25 عاماً، أو منشآت طاقة الرياح البحرية.12 في هذا السياق، أسهمت وفورات الحجم ومنحنيات التعلّم بالصين في خفض التكاليف، إذ تشكّل البنية التحتية العمود الفقري لهذه المنظومات، فتدعم لوجستيات نقل المكوّنات، بدءاً من شفرات توربينات الرياح الضخمة وصولاً إلى وحدات الطاقة الشمسية الموجّهة للتصدير. وبالنسبة إلى الدول الخليجية التي تمتلك ثروة هائلة من الموارد، إلى جانب مستويات متفاوتة من البحث والتطوير المتقدّم والقدرات التصنيعية والبنى التحتية، يتيح التعاون مع الصين مساراً عملياً للارتقاء الصناعي، ويفتح المجال أمام اندماج أعمق في سلاسل الامداد من خلال مشاريع مشتركة ونقل التكنولوجيا.
علاوة على ذلك، تعكس الاستثمارات المتبادلة بين الصين والدول الخليجية التحوّلات التي طرأت على شراكتهما في مجال الطاقة. فقد ضخّت كيانات صينية رؤوس أموال وخبرات تقنية في مشاريع الطاقة المتجدّدة الخليجية، كان أبرزها استحواذ “صندوق طريق الحرير” عام 2019 على حصّة قدرها 49 في المئة في شركة “أكوا باور للطاقة المتجدّدة” (ACWA Power Renewable Energy Holding) السعودية.13 وقد مهّد ذلك لإطلاق مشاريع مشتركة ضمن مبادرات واسعة النطاق في مجال الطاقة الشمسية، من بينها “مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية” في دبي، ما يدعم طموحات دولة الإمارات لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، بالاستفادة من القدرات الصناعية الصينية لتوسيع المشاريع بتكلفة أقلّ.
مكّن هذا التدفّق الاستثماري الدول الخليجية من توسيع قدراتها في مجال الطاقة النظيفة بوتيرة متسارعة، إذ شاركت الشركات الصينية في مشاريع تُقدَّر قيمتها بنحو 9,5 مليار دولار في شتى أنحاء الشرق الأوسط بين عامَي 2018 و2023، شملت مرافق لتصنيع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في السعودية.14 من جهة أخرى، تضخّ الدول الخليجية، عبر صناديقها السيادية وشركاتها الوطنية الرائدة، استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة المتجدّدة في الصين، كأداة تحوّط في مواجهة تقلّبات أسعار النفط. فقد نجحت شركة “أكوا باور” السعودية على سبيل المثال في تأمين مشاريع تتجاوز سعتها الإجمالية 1 غيغاواط داخل الصين، تشمل محفظة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بسعة 132 ميغاواط في مقاطعة غوانغدونغ بالشراكة مع “سونغرو للموارد المتجدّدة” (Sungrow Renewables)، ومحفظة لطاقة الرياح بسعة 200 ميغاواط بالتعاون مع شركة “مينغيانغ سمارت إنرجي” (Mingyang Smart Energy). وقد بلغت الاستثمارات الأولية في هذه المشاريع نحو 312 مليون دولار، ضمن خطط طويلة الأجل تصل قيمتها إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2030 لإنتاج ما يصل إلى 20 غيغاواط من أصول الطاقة النظيفة.15 كذلك، استثمرت شركة “سي واي في إن” القابضة (CYVN Holdings) في أبوظبي 738,5 مليون دولار في شركة “نيو” الصينية لصناعة السيارات الكهربائية في عام 16،2023 ما يسلّط الضوء على رهان الدول الخليجية الإستراتيجي على ريادة الصين في قطاع المركبات الكهربائية وتكنولوجيا البطاريات.
من شأن التحوّل الإستراتيجي للدول الخليجية نحو تطوير الطاقة المتجدّدة أن يعزّز موقعها ضمن مشهد الطاقة العالمي، مع انتقالها من دورها التقليدي كمصدّر للهيدروكربون إلى الريادة في إنتاج الطاقة المستدامة المتعدّدة المصادر. فمن خلال إستراتيجية مزدوجة تجمع بين الحفاظ على احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز، وتوجيه استثمارات كبيرة نحو مصادر ناشئة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، تعمل هذه الدول على تعزيز نفوذها الجيوسياسي وفتح آفاق اقتصادية جديدة في قطاعات صديقة للبيئة تقوم على الصادرات. ويُمهّد هذا المسار لترسيخ دورها المحوري ضمن نظام طاقة عالمي يتجّه نحو التعدّدية القطبية.
تتطلّب المرحلة المقبلة من الدول الخليجية والصين تعميق شراكتهما في مجال الطاقة وتمتينها، من خلال السعي إلى تحقيق تكامل على امتداد سلاسل القيمة، بالتوازي مع دفع مسار إزالة الكربون قدماً على نحو منهجي، سواء على مستوى تطوير موارد الطاقة المتجدّدة في المراحل الأولية، أو توسيع قدرات التصنيع وتحديث البنى التحتية في المراحل الوسطى، وصولاً إلى التطبيق النهائي في مجالات النقل النظيف و”الجزيئات الخضراء” (أي ناقلات الطاقة والمواد الأولية المنخفضة أو المنعدمة الكربون(. وبهدف الاستفادة المثلى من أوجه التكامل في هذه الشراكة الآخذة في التطوّر، ينبغي أن يركّز صنّاع السياسات على بناء سلسلة متكاملة لصناعة طاقة الهيدروجين في الشرق الأوسط.
ومن خلال تسخير البراعة التكنولوجية الصينية في إنتاج الهيدروجين وبناه التحتية، واستغلال وفرة الموارد المتجدّدة والموقع الجغرافي الإستراتيجي للدول الخليجية، يمكن لهذه الشراكة أن تضع المنطقة في موقع ريادي في مجال الهيدروجين. ولا يقتصر أثر ذلك على تحويل الشرق الأوسط إلى مركز لمعالجة الهيدروجين وتصنيعه، بل يمتدّ أيضاً إلى تعزيز قدراته التصديرية، الأمر الذي يتيح لدول المنطقة تنويع صادراتها من منتجات الطاقة بما يتجاوز منتجات الهيدروكربون التقليدية.
ويمكن للصين أيضاً أن تضطلع بدور داعم في تطوير شبكات كهرباء ذكية قادرة على دمج مصادر الطاقة المتجدّدة بسلاسة، ما يُمكّن الدول الخليجية من تحويل الطاقة النظيفة إلى كهرباء مستقرّة وتوسيع نطاق استخدامها عبر مختلف القطاعات. ونظراً للخصائص الديموغرافية للمنطقة، حيث يتركّز السكّان في مدن كبرى في ظلّ تنمية إقليمية غير متكافئة، تُعدّ تقنيّات النقل الفائقة الجهد ضرورية لضمان نقل الكهرباء بكفاءة من محطّات الطاقة الشمسية في المناطق الصحراوية النائية إلى مراكز الطلب المرتفع. تسهم هذه الإستراتيجية في رفع كفاءة استخدام الطاقة، والحدّ من فقدان الطاقة في عملية النقل، ودعم التنمية المستدامة، بما يسهم في نهاية المطاف في بناء منظومة طاقة أكثر توازناً ومرونة في الخليج.
كما ينبغي على صنّاع السياسات التركيز على توسيع البنية التحتية للمركبات الكهربائية في الدول الخليجية، عبر ربط شبكات الشحن مباشرة بمصادر الطاقة النظيفة، بما يخفّض كلفة الكهرباء على السكّان ويُسرّع الانتقال إلى وسائل النقل المستدامة. وفي هذا السياق، يمكن للشركات الصينية، بالاستناد إلى سجلّها المعهود في تقنيات المركبات الكهربائية وبناها التحتية، الاستثمار والمشاركة في إنشاء محطّات الشحن الكهربائي، بما يسهّل الابتعاد عن النقل المعتمد على النفط. ستُمكّن هذه الخطوة الدول الخليجية من الحفاظ على النفط للتصدير ودرّ إيرادات إضافية، بالتوازي مع الحدّ من الآثار البيئية المحليّة مثل الانبعاثات الكربونية وتلوّث الهواء، الأمر الذي ينسجم مع الأهداف المناخية الدولية ويعزّز مكانة الخليج كلاعب ريادي في مجال التحوّل الطاقي العالمي.
في ظلّ تسارع التحوّل العالمي في مجال الطاقة، تشهد العلاقات بين الصين والدول الخليجية تحوّلاً جذرياً يتمحور حول انتقال الشراكات الطاقية من نموذج تقليدي قائم على صادرات الوقود الأحفوري التي حفّزت النهضة الصناعية للصين، إلى تعاون إستراتيجي في تقنيات الطاقة النظيفة يصبّ في مصلحة الطرفين. وفي المستقبل، ينبغي على الجانبين إعطاء الأولوية لثلاثة مبادرات مترابطة: إنشاء مركز للهيدروجين في الشرق الأوسط؛ وتحديث شبكات الكهرباء الإقليمية بما يتيح دمجاً سلساً لمصادر الطاقة المتجدّدة؛ والإسراع في تطوير البنية التحتية للمركبات الكهربائية لتعزيز النقل المستدام. من شأن هذه الجهود مجتمعة أن تسهم في بناء منظومات مرنة ومتكاملة تعزّز أمن الطاقة، وترفع التنافسية الصناعية، وتضمن الاستدامة البيئية على المدى الطويل.