ترسّخت العلاقات بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي هيكلياً عبر قطاعات متعدّدة: تطوّرت العلاقة بين الجانبين وتحوّلت إلى شبكة متينة من العلاقات التعاونية الشاملة عبر مستويات مُتعدّدة. بالنسبة إلى دول الخليج، تُعتبر الصين شريكاً رئيسياً في بناء اقتصاد المعرفة بمرحلة ما بعد النفط، وفي تطوير الممرّات اللوجستية المتقدمة، وتعزيز القواعد الصناعية الوطنية. أمّا بالنسبة إلى الصين، فإنّ دول مجلس التعاون الخليجي تُعتبر شريكاً محورياً في تنويع مصادر الطاقة، وتأمين الممرّات البحرية، وتوسيع نطاق مبادرة الحزام والطريق، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي مع دول الجنوب العالمي.
تواصل الصين ودول الخليج تعزيز التعاون الأمني بحذر: يتسع نطاق التعاون الأمني بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي في مجالات واضحة، لكن مختارة بعناية، تشمل الطائرات المسيّرة، وتكنولوجيا الصواريخ، والفضاء، والأمن السيبراني، إلى جانب تعاون محدود في المجال البحري. إذ توفّر الصين طائرات مسيّرة متطوّرة وتقنيات مزدوجة الاستخدام، بما يتيح لدول الخليج تنويع مورّديها وتعزيز أوراقها التفاوضية مع واشنطن. ومع ذلك، لا تزال القيود الهيكلية قائمة، إذ تبقى الولايات المتحدة الضامن الرئيسي لأمن دول الخليج، بينما تتجنّب الصين تولّي دور دفاعي رئيسي أو الانجرار إلى الصراعات الإقليمية.
يعزّز النظام الدولي الناشئ متعدّد الأقطاب التعاون بين الصين ودول الخليج: شكّل تراجع الطابع الهرمي للنظام الدولي بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي فرصة لتعزيز مرونتها الإستراتيجية، ما سمح بتعميق علاقاتها مع الصين، بحدود معينة. أما بالنسبة إلى الصين، فتعدّد الأقطاب يُشكل فرصة لها لتوسيع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي من دون مواجهة مباشرة مع واشنطن. أمّا بالنسبة إلى دول الخليج، فتكتسب المزيد من الاستقلالية، وتتحوّط بوجه مخاطر السياسات الأمريكية، وتمضي في مسار التحوّل الصناعي.
التكنولوجيا تقود المسار المستقبلي للشراكة: بينما لا تزال الهيدروكربونات أساسية، تتوسع الروابط التكنولوجية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي بسرعة. وتُقدّم الشركات الصينية حلولًا متكاملة تتوافق بشكل وثيق مع أولويات التنويع الاقتصادي في دول الخليج. وسيكون هذا الترابط التكنولوجي المتنامي عنصرًا محوريًا في مسيرة التحديث والتحول الاقتصادي لدول المجلس.
تأسست العلاقات بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، تاريخياً، على الترابط الاقتصادي الوثيق، الذي يقوم على صادرات الطاقة الخليجية إلى الصين. ثمّ جاء عام 2026، لتكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية عن مواطن ضعف هذا النموذج، مُسلّطة الضوء على هشاشة الممرّات البحرية العالمية، ولا سيّما مضيق هرمز.1 وفيما لا يزال تأمين إمدادات الطاقة بشكل مستقرّ وموثوق أولويةً أساسية بالنسبة إلى الصين، أظهرت الحرب حاجة دول الخليج الملحّة إلى تنويع اقتصاداتها، وتسريع التعاون مع الصين في مجالات الطاقة المتجددة، والتقنيات الخضراء، والصناعات المتقدّمة.
إلا أنّ هذا التعاون الوطيد يصطدم بتحديات هيكلية وسياسية، أهمها: تباين المواقف داخل مجلس التعاون الخليجي، والضغوط الأمريكية المتواصلة بشأن التقنيات ذات الاستخدام المزدوج والملفات الأمنية، والنزعات الحمائية التي تبرز بين الحين والآخر، فضلاً عن حالة عدم اليقين التي أفرزتها الأزمة الإقليمية في عام 2026، وهي تُعد عوامل تُسهم في الحدّ من وتيرة التقارب الإستراتيجي وعمقه.
اكتسبت دول مجلس التعاون الخليجي مكانةً متقدمة في أجندة السياسة الخارجية الصينية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تجلّى في تعميق الانخراط الاقتصادي والسياسي والإستراتيجي للصين في منطقة الخليج.2 ومنذ إطلاق بكين مبادرة “الحزام والطريق” عام 2013، تكثفت اللقاءات رفيعة المستوى بين القادة الصينيين والخليجيين، واتسمت مناقشاتها بقدر أكبر من العمق، ما يؤكّد على الأهمية التي توليها بكين لهذه العلاقة. وخلال هذه الفترة، أجرى مسؤولون صينيون أكثر من عشر زيارات إلى دول مجلس التعاون الخليجي، كان أبرزها في ديسمبر 2022، عندما شارك الرئيس الصيني شي جين بينغ في القمّة الصينية-العربية والقمّة الصينية-الخليجية في الرياض.3 فقد جمعت هذه القمّة قادة الدول الستّ الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لترتقي بالعلاقات الصينية-الخليجية إلى مستوى إستراتيجي جديد، وتُرسي إطاراً مؤسسياً للحوار الجماعي بشأن قضايا الطاقة، والتجارة، والاستثمار، والأمن الإقليمي.
لم يقتصر هذا الانخراط الصيني على دول الخليج الكبرى. خلال الزيارة الرسمية التي أجراها ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة إلى الصين عام 2024، رُفعت العلاقات البحرينية-الصينية من مستوى “الشراكة” إلى “الشراكة الإستراتيجية الشاملة”، في خطوة عكست توجه بكين نحو توسيع حضورها على امتداد الخليج. كما تعزّز هذا التقارب الدبلوماسي من خلال تبنّي سياسات أكثر انفتاحاً في مجال التأشيرات، بهدف تيسير التبادل بين الشعوب وتنشيط التبادلات التجارية. واستكمالاً لسياسة الإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول المطبقة منذ سنوات مع الإمارات وقطر، أطلقت بكين في يونيو 2025 برنامجاً تجريبياً للإعفاء من التأشيرة من جانب واحد لحاملي جوازات السفر العادية من السعودية والكويت وعُمان والبحرين، ليصبح بإمكان مواطني جميع دول مجلس التعاون الخليجي دخول الصين من دون تأشيرة.4
كذلك، تنظر بكين إلى دول مجلس التعاون الخليجي بوصفها ركيزةً أساسيةً لأمن الطاقة، ومحوراً رئيسياً للنقل على امتداد ممرّات مبادرة “الحزام والطريق”، فضلاً عن كونها سوقاً تجارية تزداد أهميةً. فقد تجاوزت الصين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتصبح أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، مع بلوغ حجم التجارة الثنائية بين الجانبين مستويات قياسية.5 ولا تزال الصادرات الصينية التي تشمل الآلات والإلكترونيات والسيارات ومعدّات الطاقة المتجددة، تحظى بطلب قوي في مختلف أنحاء المنطقة. ومع مضي دول مجلس التعاون الخليجي في تنفيذ إستراتيجياتها التنموية الطموحة، خلقت الاحتياجات المتنامية في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية فرصاً كبرى للشركات الصينية حتى ترسّخ مكانتها كشريك رئيسي في تنفيذ المشاريع التنموية.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز دول مجلس التعاون الخليجي أيضاً كأحد كبار المستثمرين في الصين. ففي حين ركّزت صناديق الثروة السيادية الخليجية، تاريخياً، استثماراتها في أوروبا والولايات المتحدة، مفضّلةً إستراتيجيات استثمارية محافظة تقوم على تحقيق عوائد مستقرّة ويمكن التنبؤ بها، شهد هذا النهج تحوّلاً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد استعداد الصناديق الخليجية لتحمّل مستويات أعلى من المخاطر، بالتوازي مع تنويع استثماراتها جغرافياً وقطاعياً.6 ويعكس هذا التحوّل تنامي الضغوط الدافعة إلى تنويع الاستثمارات، إلى جانب السعي إلى تحقيق عوائد أعلى على المدى الطويل.
وفيما تواصل الصين وغيرها من الاقتصادات الآسيوية تصدّر وجهات صادرات النفط الخليجية،7 باتت صناديق الثروة السيادية الخليجية ترى في هذه الأسواق أحد أبرز محركات النموّ المستقبلي.8 وانسجاماً مع هذا التوجه، يحتفظ كل من “جهاز أبوظبي للاستثمار” و”الهيئة العامة للاستثمار الكويتية” بانكشاف كبير على أسواق الأسهم الصينية.9
إلى جانب البعد الاقتصادي، يعزّز تنامي النفوذ السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي على الساحة الدولية من قيمتها الإستراتيجية بالنسبة إلى الصين، في ظلّ نظام دولي يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية. إذ تنظر بكين إلى دول الخليج بوصفها قوىً متوسطة مؤثّرة تمتلك نفوذاً كبيراً من خلال الوساطة، والدبلوماسية الاقتصادية، والالتزام بمبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، ما ينسجم إلى حد كبير مع مبادئ السياسة الخارجية الصينية.
وقد برزت قطر وسيطاً رئيسياً في عدد من أبرز الملفات الإقليمية، بما في ذلك غزة وإيران،10 وفي عمليات إطلاق سراح الرهائن، وتأمين الممرّات الإنسانية. كما دعمت عُمان بهدوء جهود خفض التصعيد في اليمن، وسهّلت قنوات خلفية للحوار مع إيران. من جانبها، استضافت السعودية محادثات رفيعة المستوى بشأن السودان، وأسهمت في عمليات تبادل الأسرى والمبادرات الإنسانية المرتبطة بالحرب الروسية-الأوكرانية.11 وخارج منطقة الشرق الأوسط، أدّت الإمارات دوراً محورياً في المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، فيما أسهمت قطر بقدر كبير في التوصّل إلى اتفاق السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا عام 2025. وقد رسّخت هذه الأدوار مكانة دول مجلس التعاون الخليجي لدى بكين كشركاء لا غنى عنهم، ولا سيّما في ظلّ سعي الصين إلى توسيع انخراطها مع دول الجنوب العالمي.12
اكتسبت الصين خلال السنوات الأخيرة أهميةً إستراتيجيةً متزايدة لدى دول الخليج الباحثة عن تنويع خياراتها الجيوسياسية وتعزيز استقلاليتها الإستراتيجية.13 فعلى الرغم من اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة في توفير الضمانات الأمنية، باتت دول الخليج تدرك أهمية التحوّط عبر تنويع رهاناتها الإستراتيجية في ظلّ بيئة دولية يزداد فيها عدم اليقين. وقد تعزّز هذا التوجّه عقب الغارة الجوية التي شنّتها إسرائيل على الدوحة في سبتمبر 2025، مستهدفة قادة من حركة حماس في العاصمة القطرية، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص، بينهم رجل أمن قطري.14 هذا الحادث زاد المخاوف لدى قادة الخليج من أنّ الالتزامات الأمنية الأمريكية لم تعد بالصلابة والحسم اللذين كانا يُفترضان سابقاً.15 ومن المرجّح أن تقود حرب 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما عزّزته من انطباع خليجي بأنّ واشنطن عاجزة أو غير راغبة في توفير الحماية الكافية لشركائها الخليجيين، في مقابل إعطاء الأولوية لأمن إسرائيل، إلى ترسيخ توجّه بات واضحاً في السياسة الخارجية الخليجية، يقوم على تنويع الشراكات الأمنية والسعي إلى تعزيز الاستقلالية الإستراتيجية عبر سياسات التحوّط.16
ثانياً، في ظلّ شبح عودة الحمائية التجارية الأمريكية وتصاعد القيود الغربية على وصول الصين إلى التقنيات المتقدّمة، واستمرار إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي بصورة متزايدة شرقاً لتنويع شراكاتها والحدّ من مواطن ضعفها.17 وانعكس هذا التوجّه في تعزيز التعاون مع شركاء آسيويين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند، وفي مقدّمتهم الصين.
ثالثاً، يعود الاهتمام المتزايد لدول مجلس التعاون الخليجي بالصين، إلى حدّ كبير، إلى احتياجات بكين المتنامية من الطاقة في وقت تتراجع أهمية السوق الأمريكية. فقد أدّت ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة، إلى جانب زيادة الإمدادات الكندية، إلى انخفاض واردات واشنطن من النفط الخام السعودي إلى أدنى مستوياتها في أربعة عقود عام 2024،18 ما دفع الرياض إلى إغلاق مكتبها لتداول النفط في نيويورك، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً. وعلى النقيض من ذلك، سجّلت واردات الصين من النفط الخام مستوىً قياسياً بلغ 557.73 مليون طنّ في عام 2025،19 مدفوعة بالنموّ في قطاعي النقل والبنية التحتية الرقمية. فقد ارتفعت وارداتها من النفط الخام الإماراتي إلى ما يقارب الضعف في أكتوبر 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، من 2.05 مليون طن إلى 3.82 مليون طنّ، فيما زادت الواردات من الكويت من 970 ألف طنّ إلى 2.36 مليون طنّ خلال الفترة نفسها.20
رابعاً، يُسهم التوافق الكبير بين إستراتيجيات التنويع الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي والقدرات التي توفّرها الصين أيضاً في تعزيز التقارب بين الجانبين.21 فـ”رؤية السعودية 2030″، و”نحن الإمارات 2031″، و”رؤية قطر الوطنية 2030″ تسعى جميعها إلى تقليص الاعتماد على النفط عبر تطوير الصناعات عالية التقنية، والتصنيع المتقّدم، والخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والسياحة، والطاقة المتجدّدة. في المقابل، توفّر مبادرة “الحزام والطريق” الصينية البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، والاستثمارات اللازمة لدعم تنفيذ هذه الأجندات.
وقد دفع ذلك الشركات الصينية إلى التوسّع بقوّة في المنطقة، حتى أصبحت شريكاً مفضّلاً في تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى، بدءًا من مشروع “نيوم” وتوسعة موانئ دبي، وصولاً إلى شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي. ويؤكّد ذلك أن توّجه دول مجلس التعاون الخليجي شرقاً ليس مجرد تكيّف مؤقت مع الظروف الراهنة، بل يعكس تحولاً إستراتيجياً طويل الأمد.22
ارتكزت العلاقات بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي تاريخياً على قطاع الطاقة في المقام الأوّل. إذ اعتمدت الصين، بصفتها أكبر مستورد للطاقة في العالم، على الاحتياطيات الضخمة من النفط والغاز الطبيعي في المنطقة لدعم صعودها الاقتصادي، فيما استفادت دول الخليج من سوق واسعة ومستقرّة لصادراتها. إلا أن هذه العلاقة تجاوزت في السنوات الأخيرة إطارها القائم على تبادل المصالح التجارية، لتتطوّر إلى شراكة متعدّدة الأبعاد تشمل الابتكار، ونقل التكنولوجيا، والأهداف التنموية المشتركة.23
تُعدّ دول مجلس التعاون الخليجي، بما تمتلكه من احتياطيات هيدروكربونية لا مثيل لها، من أبرز مراكز الطاقة في العالم، لكنها تقود في الوقت نفسه تحوّلاً نحو الطاقة المتجدّدة. وبحلول عام 2026، بدأت ملامح هذا التحوّل تتبلور بوضوح، إذ أصبحت السعودية والإمارات من أسرع دول الشرق الأوسط نمواًّ في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية على نطاق المرافق، بما يعيد تشكيل مزيج الطاقة فيهما على أسس أكثر استدامة.24 وقد أتاح هذا التحوّل إنتاج الكهرباء بتكلفة منخفضة، تقلّ كثيراً عن مثيلاتها في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ما يوفّر مصدراً مثالياً للطاقة اللازمة للمشاريع عالية التقنية كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما في ذلك تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية.
تمنح هذه المزايا في البنية التحتية دول مجلس التعاون الخليجي مقوّمات تؤهّلها لأن تكون منصّةً رئيسية للتنويع الاقتصادي، بما يتيح للقطاعات عالية التقنية، ولا سيّما الذكاء الاصطناعي، الازدهار في ظلّ وفرة الموارد وانخفاض القيود التشغيلية. كذلك، تتيح قلّة الكثافة السكانية واتساع الرقعة الجغرافية إنشاء مراكز بيانات ضخمة وتطوير تطبيقات الواقع الغامر، فيما يعزّز الموقع الإستراتيجي للمنطقة عند ملتقى آسيا وأوروبا وأفريقيا، مدعوماً بمراكز رئيسية مثل دبي وجدة، ترابطها مع الأسواق العالمية واندماجها في سلاسل الإمداد الدولية.
فضلاً عن ذلك، تمتلك الصين قدرات واسعة في مجال التكنولوجيا المتقدّمة، إلى جانب منظومة صناعية متكاملة بتكلفة تنافسية، ما يؤهّلها لأن تكون شريكاً رئيسياً في هذا المسار. وقد طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ في خطابه أمام مقرّ جامعة الدول العربية في القاهرة عام 2016، إطاراً تحوّلياً للتعاون الصيني-العربي في إطار مبادرة “الحزام والطريق”.25 انطلاقاً من مبادئ “السلام، والابتكار، والريادة، والحوكمة، والتكامل”، قدّم شي الصين ليس بوصفها شريكاً تجارياً فحسب، بل أيضاً “محفّزاً لتقّدم الشرق الأوسط”، وداعماً للتصنيع الإقليمي، وراعياً لنموّ أكثر إنصافاً.26 وقد أكدّت هذه الرؤية التزام بكين بتعزيز الابتكار وترسيخ أطر حوكمة قويّة، ما انعكس في مجالات تعاون محدّدة شملت التصنيع المتقدّم، والطاقة النووية، وصناعات الطيران والفضاء، ومصادر الطاقة المتجدّدة، والهندسة الوراثية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومختبرات بحثية مشتركة، و”منتدى التعاون الصيني-العربي لنظام بيدو للملاحة عبر الأقمار الصناعية”.
بالمقارنة مع كثير من الدول الغربية، لا تفرض الصين قيوداً سياسية صارمة على نقل التكنولوجيا، ما خلق بيئة قائمة على تبادل المصالح، أتاحت توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة. ومن هذا المنطلق، وعلى الرغم من حفاظ دول الخليج على توجهّها الإستراتيجي الموالي للولايات المتحدة، فإنها تنظر إلى تعزيز علاقاتها مع الصين على أنّه امتداد لسياسة التنويع. وتشمل هذه الشراكة مثلاً، توجيه “صندوق الاستثمارات العامة” السعودي استثمارات إلى شركات صينية متخصّصة في الذكاء الاصطناعي، مثل “ديب سيك” (DeepSeek) و”سينس تايم” (SenseTime)، لإنشاء مختبرات بحثية مشتركة،27 وإطلاق القمر الصناعي الإماراتي “الإمارات 813” في ديسمبر 2025 على متن الصاروخ الصيني “ليجيان-1 واي 11” (Lijian-1 Y11)،28 وتوقيع اتفاقية استثمارية بقيمة 5 مليارات دولار بين بكين وأبوظبي.29 إذ تدعم هذه الاستثمارات تسريع تبنّي التقنيات المتقدّمة، كما تعكس تلاقي المصالح حول تعزيز الاستقلالية في مجال الابتكار، في ظلّ بيئة تكنولوجية عالمية تشهد منافسة متزايدة.
إنّ نموذج التعاون في مجال التكنولوجيا المتقدّمة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، يقوم على تبادل المصالح. فصناديق الثروة السيادية الخليجية، مثل “صندوق الاستثمارات العامة” السعودي و”جهاز أبوظبي للاستثمار”، تضخّ استثمارات إستراتيجية في شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، مستفيدةً من انخفاض تكلفة إنتاج الطاقة لديها من أجل تطوير البنية التحتية الرقمية المحلية. في المقابل، توفّر الصين الخوارزميات المتقدّمة، والخبرات الهندسية، والحلول المتكاملة التي تدعم جهود دول الخليج في تحويل وفرة موارد الطاقة إلى قدرات حوسبية. ويتجسّد هذا التحوّل نحو نموذج تعاون قائم على منظومة متكاملة في الشراكة الصينية-الإماراتية المقدّرة قيمتها بـ 5 مليارات دولار، التي بدأت تدعم إنشاء مختبرات بحثية مشتركة، ومراكز بيانات، ومراكز للابتكار، بما يقويّ الروابط المؤسسية بين الصين والإمارات.30
ولا شكّ أنّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية التي اندلعت عام 2026 رفعت مستوى الاعتماد المتبادل بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، وحوّلت تقارباً قائماً منذ سنوات إلى ضرورة إستراتجية. فبالنسبة إلى الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، زادت الاضطرابات في مضيق هرمز الضغوط عليها من أجل ضمان استقرار إمدادات الطاقة. أمّا بالنسبة للدول مجلس التعاون الخليجي، فقد زادت الهجمات على البنية التحتية للطاقة ومسارات الملاحة من الحاجة الملحّة إلى التنويع الاقتصادي، ما يضع مبادرات رئيسية، مثل “رؤية السعودية 2030” و”استراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050″، أمام تحديات متزايدة.
في ظلّ هذه المستجدات، يعزز قادة دول الخليج تعاونهم مع الصين، انطلاقاً من قناعتهم بأن استمرار الاستثمارات الصينية يشكّل ركيزة أساسية لدفع جهود التنويع الاقتصادي وتعزيز ثقة الأسواق.31 وتوفّر هذه الاستثمارات رأس المال والخبرات التكنولوجية اللازمة لتسريع مشاريع التنويع، كما ترسل إشارة إيجابية إلى المستثمرين العالميين بشأن قدرة المنطقة على الصمود.
حرصت الصين على تصوير انخراطها في المنطقة بوصفه مكمّلاً للصدارة الأمريكية، لا منافساً لها. فيما لا تزال الولايات المتحدة الضامن الأمني الرئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي. وقد أتاح هذا التموضع المتعمّد لدول الخليج هامشاً إستراتيجياً قيّماً للموازنة بين اعتمادها التقليدي على الضمانات الأمنية الأمريكية وتوسيع شراكاتها الاقتصادية والتكنولوجية والإستراتيجية مع الصين. وعلى مستوى أعمق، ينبغي فهم هذه التطورات في سياق التحوّلات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي.
على الرغم من أنّ الحديث عن عالم متعدّد الأقطاب بات أمراً شائعاً، فإنّ توصيف النظام الدولي الراهن بأنه “نظام ما بعد الهيمنة” يبدو أكثر دقة، وهو نظام يتسم بالتشظي، والضبابية الاستراتيجية، وتزايد التنازع على القيادة الدولية.
ومع تصاعد نفوذ عدد من القوى الصاعدة، لم تتمكن أيٌّ منها من التحوّل إلى قطب متكامل قادر على أداء الدور الأوسع في حفظ الاستقرار الذي ارتبط تاريخياً بالقوة المهيمنة.
في ظلّ هذه البيئة الدولية المتغيّرة غير المستقرة، عملت دول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز استقلاليتها الإستراتيجية، إذ تنظر إلى بكين ليس بوصفها بديلاً عن واشنطن، بل شريكاً مكمّلاً قادراً على دعم التنويع الاقتصادي، وترقية القدرات التكنولوجية، وتوطين الإنتاج الصناعي، وتنمية رأس المال البشري، والتعاون في مجالات الأمن الناشئة وغير التقليدية.
بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ توسيع التعاون العسكري-التقني وتوطين الصناعات الدفاعية من الركائز الأساسية لهذا التوجّه. فمن خلال الاستفادة من الخبرات الصينية، تعمل دول مجلس التعاون الخليجي على تقليص فجوات القدرات، وتسريع تحديث منظوماتها الدفاعية، وتعزيز منظومات الصناعات الدفاعية المحلية. مثال على ذلك، شارف مصنع الذخائر المشترك بين الكويت والصين32 على الانتهاء، إذ يعكس تنامي التعاون العسكري بين دول الخليج والصين، ويعزز في الوقت ذاته القدرات الإنتاجية المحليّة، بما يسهم تدريجياً في الحدّ من الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية ومن التعرّض لمخاطر تعطّلها.
تتواصل جهود مماثلة في كلّ من السعودية والإمارات، حيث عادةً ما تتضمّن الشراكات مع كبرى الشركات الصينية، مثل “شركة صناعات شمال الصين” (Norinco)، ترتيبات لنقل التكنولوجيا، بما يتيح دمج الأنظمة الدفاعية المتقدّمة في السياق المحلّي، تمهيداً لإنتاجها محليّاً لاحقاً، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، والذخائر الموجّهة بدقة، ومنصّات الدفاع السيبراني.33 يعكس هذا النهج سعي دول مجلس التعاون الخليجي إلى تعزيز قدراتها الذاتية في المجال الدفاعي. إلى ذلك، توسّع التعاون في مجالَي شراء الأسلحة وبناء القدرات، مع بروز الصين مورّداً للمعّدات العسكرية والتدريب لدول مجلس التعاون الخليجي، بما يلبّي الطلب على أنظمة دفاعية منخفضة التكلفة وشروط توريد أكثر مرونة.34
إلى جانب التعاون الدفاعي التقليدي، امتدّ التعاون الأمني بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي ليشمل مجالات أمنية غير تقليدية، تربط بين الاعتماد الاقتصادي المتبادل والحدّ من المخاطر.35 وتسهم الصين في تعزيز الأمن البحري من خلال عمليات مرافقة لحماية الممرّات البحرية الحيوية، منها مضيق هرمز، ما يدعم استقرار تدفّقات الطاقة. كما يعزّز التعاون المشترك في مجال مكافحة الإرهاب هذا التوجّه. وفي عام 2025، شكّل توسع العلاقات الأمنية بين الصين وسلطنة عُمان تحوّلاً نوعياً، معزّزاً الثقة المتبادلة بين الجانبين، ورسّخ دور عُمان في تنسيق الجهود الأمنية الإقليمية.36 بشكل عام، وعلى الرغم من أنّ إسهامات الصين تعزّز قدرة دول الخليج على اتباع سياسة التحوّط وتنويع شراكاتها، فإنها تظلّ مقيّدة بإحجام بكين عن الانخراط في التزامات عسكرية مباشرة أو الانجرار إلى الصراعات الإقليمية.
ومع استمرار توسّع العلاقات بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، فإنّها لا تزال تواجه تحديات هيكلية وسياسية تحدّ من سرعة التقارب الإستراتيجي بين الجانبين وعمقه.
أولّاً، لا تزال الانقسامات المزمنة بين دول مجلس التعاون الخليجي تعيق بلورة موقف جماعي موحّد تجاه الصين. فعلى الرغم من تكرار القمم رفيعة المستوى، والاهتمام المشترك بتنويع الاقتصادات، تتباين أولويات الدول الستّ وقدراتها وتصوراتها للتهديدات، بما يحدّ من فاعلية المبادرات المطروحة على مستوى المجلس. مثال على ذلك، اتفاق التجارة الحرّة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي،37 إذ بدأت المفاوضات بشأنه عام 2004، لكنها ظلّت تراوح مكانها، مع إحراز تقدّم متقطّع، على مدى أكثر من عقدين، من دون التوصّل إلى اتفاق حتى أواخر عام 2025.
ثانياً، تواجه دول مجلس التعاون الخليجي ضغوطاً متزايدة من واشنطن، الضامن الأمني الرئيسي لها، التي تنظر بقلق إستراتيجي متزايد إلى تعميق العلاقات مع الصين، ولاسيّما في مجالات التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، وغيرها من التقنيات المتقدّمة. وفي ظلّ هذا الواقع المتغيّر، تصبح سياسة التحوّط أكثر تعقيداً، وربما أكثر كلفة. وبالفعل، بعثت الولايات المتحدة مراراً برسائل مفادها أن توسيع التعاون التكنولوجي أو الأمني مع بكين قد ينعكس على ترتيبات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وإمكانية الوصول إلى التقنيات المتقدّمة، وآفاق التعاون الدفاعي مستقبلاً.
يبرز في هذا السياق نموذج شركة “جي 42” الإماراتية المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي، التي خفّضت، تحت ضغط أمريكي متواصل في عامي 2023 و2024، مستوى تعاونها مع جهات صينية، وعزّزت في المقابل شراكاتها مع شركات أمريكية، من بينها “مايكروسوفت”.38 وتوضح هذه التطورّات أن سياسة التحوّط الخليجية باتت أكثر تقييداً مع احتدام المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، وتزايد ارتباط الاعتماد التكنولوجي المتبادل بالتنافس الجيوسياسي.
تزداد هذه التحديات تعقيداً مع صعود نزعات حمائية داخل مجلس التعاون الخليجي نفسه. فمع تنامي المخاوف من الضغوط التنافسية التي تفرضها الواردات الصينية، اتجهت الصناعات الخليجية بصورة متزايدة إلى استخدام أدوات دفاعية تجارية لحماية المنتجين المحليين. ففي ديسمبر 2025، فرض مكتب الأمانة الفنية لمكافحة الممارسات الضارة في التجارة الدولية التابع لمجلس التعاون الخليجي، رسوماً لمكافحة الإغراق على بطاريات السيارات، وتحديداً بطاريات الرصاص الحمضية المستخدمة في تشغيل المحركات المكبسية، المستوردة من الصين وماليزيا، وذلك في أعقاب شكاوى تقدم بها منتجون خليجيون، أشاروا إلى هوامش إغراق مرتفعة وزيادة حادة في حجم الواردات.39
خلصت النتائج إلى أن هذه الواردات ألحقت ضرراً مادياً بالمنتجين المحليين، تجلّى في الضغط على الأسعار، وتراجع المبيعات والحصة السوقية، وانخفاض الإنتاج ومعدلات استغلال الطاقة الإنتاجية، وتراجع الربحية والعائد على الاستثمار، إلى جانب إضعاف التدفقات النقدية. تكشف هذه القضية على نطاق أوسع، عن توتر هيكلي في العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي. وفيما ترحّب الحكومات الخليجية بالاستثمارات الصينية في مجالات رأس المال والتكنولوجيا والبنية التحتية، إلا أنها تظلّ حذرة من الأثر التنافسي للصادرات الصناعية الصينية وجهودها الرامية إلى بناء قاعدة صناعية محلية.
تجاوزت الشراكة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي إطارها التقليدي القائم على الهيدروكربونات، لتغدو علاقة متعدّدة الأبعاد تسهم في تشكيل التفاعلات الاقتصادية والتكنولوجية والإستراتيجية في الشرق الأوسط وآسيا. وعلى الرغم أن الطاقة لا تزال تشكّل الركيزة الأساسية لهذه العلاقة، فإنّ التعاون بين الجانبين بات يمتد إلى البنية التحتية، والتقنيات الرقمية، والطاقة المتجدّدة، والتصنيع المتقدّم، والتنمية الصناعية. وفيما تسهم هذه الروابط المتنامية في دعم إستراتيجيات التنويع الاقتصادي لدول الخليج، فإنّها تعزّز في الوقت عينه أمن الطاقة بالنسبة إلى الصين، وتدفع قدماً بمبادرة “الحزام والطريق”.
والأهمّ من ذلك أنّ هذه الروابط تعكس عمق الاعتماد الهيكلي المتبادل بين الجانبين، في ظلّ التحولات التي تعيد رسم ملامح الاقتصاد السياسي العالمي، حيث تسعى كلّ من الصين ودول الخليج إلى تعزيز استقلاليتها، وتنويع شراكاتها، والحدّ من الاعتماد على أيّ قوّة خارجية واحدة. وقد أفضى التقاء المصالح هذا إلى الارتقاء بالعلاقة بين الجانبين من علاقة قامت في الأساس على المصالح المتبادلة إلى شراكة إستراتيجية أشمل، تزداد أهميتها على المستويين الإقليمي والعالمي.
ومع ذلك، لا تزال وتيرة التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي مقيّدة بجملة من التحديات الهيكلية والسياسية. فاستمرار التباينات بين دول المجلس، والضغوط الأمريكية المتواصلة بشأن التعاون الأمني والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، فضلاً عن الإجراءات الحمائية المتكرّرة تجاه الواردات الصينية، كلهّا عوامل تحدّ من وتيرة التنسيق الإقليمي مع بكين وعمقه.
زدّ على ذلك أنّ البيئة الأمنية الإقليمية باتت أكثر تقلّباً. فقد عمّقت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عام 2026 المخاوف الخليجية بشأن الهشاشة الإستراتيجية، ما دفع حكومات المنطقة إلى التركيز على المخاوف الأمنية الفورية وإدارة الأزمات. ورغم أن هذا التطور لا يغيّر المسار العام للعلاقات بين الصين ودول الخليج، فإنه قد يؤدي مؤقتاً إلى إعادة ترتيب أولويات السياسات، بعيداً عن برامج التحوّل الاقتصادي طويلة الأمد والتعاون التكنولوجي. ونتيجة لذلك، يُرجح أن تواصل الاضطرابات الجيوسياسية، إلى جانب الاعتماد الاقتصادي المتبادل، تحديد طبيعة انخراط الصين في منطقة الخليج في المستقبل.
وعليه، لا ينبغي النظر إلى الشراكة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي بوصفها مؤشراً على إعادة اصطفاف جيوسياسي شاملة، بقدر ما تعكس الإستراتيجيات التي تنتهجها القوى المتوسطة والصاعدة للتكيّف في مواجهة نظام دولي يزداد تشظياً. ومن المرجح أن يعتمد مستقبل هذه الشراكة على استمرار تقاطع المصالح الاقتصادية، وتطوّر المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، وسعي دول الخليج إلى الموازنة بين تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية والحفاظ على الضمانات الأمنية، أكثر من اعتماده على أي تقارب أيديولوجي بين الجانبين.