طابع رسمي، لا تحوّل جذري: انتقلت باكستان من التعاون العسكري الظرفي مع دول الخليج إلى نموذج أمني تدريجي يشمل اتفاقية دفاع مشترك شاملة مع المملكة العربية السعودية، واتفاق أقل ثقلاً مع الكويت يمتدّ على خمس سنوات، ومباحثات استكشافية مع البحرين والأردن. ويأتي ذلك ترسيخاً لعقودٍ من الدعم الذي قدّمته الدول الخليجية لإنقاذ الاقتصاد الباكستاني منذ ستينات القرن الماضي، وليس قطيعة معها.
مشكلة تقليدية تتعلّق بالمصداقية: تواجه مكانة باكستان بوصفها ضامناً أمنياً مشكلة “الردع الموسّع” التي لطالما اصطدمت بها تحالفات الحرب الباردة. وتأجّجت هذه المعضلة بفعل الغموض المستمرّ الذي يُخيّم على عقيدتها النووية ما إذا كانت قائمة على “الضربة الاستباقية”، أي المبادرة باستخدام النووي، التي تشمل شركاءها الجُدد في الخليج.
تجدّد مخاطر الاستقرار وعدمه: يشكّل هذا الترتيب خطراً يتمثّل في إحياء معادلة الاستقرار وعدمه على غرار ما شهدته الحرب الباردة، حيث تردع الأسلحة النووية الهجمات النووية، ولكن ليس الهجمات التقليدية، وتُعدّ أدوات ضعيفة في ممارسة الإكراه، ما يجعل ضمانات إسلام آباد غير مجدية إذا تزعزع الوضع الإقليمي الراهن.
اتّساع نطاق المشهد النووي: يُعقّد تنامي القدرة النووية الكامنة السعودية (أو ما يُعرف بالكُمون النووي) بموجب “اتفاق 123” الأمريكي-السعودي، المشهد، إذ إنّ قدرة باكستان المحدودة على إسقاط القوة، وتركيزها على الهند، وعلاقاتها مع إيران، كلّها عوامل تقيّد ما يمكنها تقديمه فعلياً في أوقات الأزمات.
منذ خريف العام 2025، سارعت باكستان إلى ملء الفراغ الأمني الذي خلّفه تراجع ثقة دول الخليج في الحماية الأمريكية. وفي هذا السياق، وقّعت إسلام آباد اتفاقيتين للدفاع المشترك مع المملكة العربية السعودية، ونشرت قواتها هناك خلال الحرب مع إيران، فضلاً عن التوصّل إلى اتفاق للتعاون العسكري مع الكويت لمدة خمس سنوات. وتفيد التقارير بأنّ البحرين والأردن ينظران في ترتيبات مماثلة. يناقش هذا الموجز مدى قدرة باكستان على الاضطلاع بدور الراعي الأمني الموثوق لدول الخليج، لا سيما عند أخذ البُعد النووي لضماناتها في الحسبان.
تُطبّق باكستان نموذجاً تدريجياً يستند إلى صيغة “الأمن مقابل الاستثمار” ويشمل أربع دول، وهو نموذج قائم على عقود من الدعم المالي الخليجي لباكستان، ولا يُمثّل تحولاً استراتيجياً جذرياً. بيد أنّ الالتزامات الدفاعية الرسمية تطرح مشكلة رئيسية تتعلّق بالمصداقية عندما لا تكون مصالح باكستان الحيوية نفسها على المحك بصورة مباشرة.
فهناك مجموعة من العوامل تزيد من تعقيدات الدور الباكستاني بوصفها ضامناً أمنياً. فَلَم يسبق لإسلام آباد أن أوضحت ما إذا كانت عقيدتها النووية القائمة على “الضربة الاستباقية” تشمل منطقة الخليج. كذلك، تبقى قدراتها التقليدية على إسقاط القوة محدودة، ولا تزال الهند تمثّل أحد أبرز هواجسها. في المقابل، تحافظ إسلام آباد على علاقة عمل مستقرّة مع إيران. فضلاً عن ذلك، فإنّ الأسلحة النووية تُثبت فعاليّتها بشكل أساسي في ردع الأسلحة النووية الأخرى، وليس في ردع الهجمات التقليدية أو في سياسات الإكراه. ما يعني أنّ دول الخليج قد تخاطر بالاعتماد المفرط على المظلّة النووية الباكستانية في مواجهة الأزمات التي تُعد تلك المظلة الأقل جاهزية للتعامل معها.
لقد تراجعت ثقة دول الخليج بشكل ملحوظ في الضمانات الأمنية الأمريكية منذ الهجوم الذي استهدف منشأتي “بقيق” و”خريص” لمعالجة النفط شرقي المملكة العربية السعودية عام 2019. وتفاقمت هذه المخاوف بفعل الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية، بالإضافة إلى الضربات الجوية بالمسيرات التي شنّتها ميليشيات تابعة لقوات الحشد الشعبي في العراق.1
تقدّم راعٍ غير متوقَّع لسد تلك الفجوة، ألا وهو باكستان. فبعد أسابيع من الضربة الإسرائيلية على الدوحة عام 2025، وقّعت إسلام آباد اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع المملكة العربية السعودية، لتُضفي طابعاً رسمياً على علاقةٍ دامت لعقود من خلال التزامٍ مشابه للالتزام الوارد في المادة 5 من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتبعه لاحقاً نشر قوات باكستانية على الأراضي السعودية.2 وقد استُبدلت هذه الاتفاقية الثنائية في أغسطس 2026 باتفاق مكة للدفاع المشترك الثلاثي، الذي وسّع نطاق الالتزام ذاته، الشبيه بالمادة الخامسة، ليشمل تركيا إلى جانب باكستان والسعودية.3
من جهتها، تفاوضت الكويت على اتفاق للتعاون العسكري والتدريب مدته خمس سنوات مع إسلام آباد، حيث عرضت ضخّ استثمارات في المراحل الأولى لإنتاج الطاقة لضمان المساعدة الدفاعية الباكستانية بعد تعرّضها للضربات الإيرانية خلال الحرب.4 في الواقع، باتت حاجة دول الخليج إلى راعٍ خارجي موثوق أكثر إلحاحاً منذ اندلاع عملية “الغضب الملحمي” والهجمات الإيرانية على دول الخليج. يستند هذا الموجز إلى تحليلات سابقة للكتلة متعدّدة الأطراف على نطاق أوسع، والتي تضمّ تركيا وباكستان ومصر والسعودية، من خلال التركيز تحديداً على التزامات باكستان الثنائية تجاه البحرين والأردن والكويت والسعودية، ومدى مصداقيتها كضمانات أمنية.5
هذا النموذج التدريجي، المتمثّل في اتفاقية شاملة مع المملكة العربية السعودية، واتفاق أكثر محدودية مع الكويت، ورغبة استكشافية من جانب البحرين والأردن، لا يعكس تحالفاً جديداً بقدر ما يضفي طابعاً رسمياً على نمط يعود إلى عقود. فقد دأبت دول الخليج، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية، على إنقاذ الاقتصاد الباكستاني مراراً وتكراراً منذ ستينات القرن الماضي، ما يجعل الاتفاقيات الراهنة امتداداً لعلاقةٍ مالية قائمة بالفعل، لا تحولاً استراتيجياً جذرياً.6
بيد أنّ هذا الالتزام يصطدم بمشكلة تقليدية تتعلّق بالمصداقية، تُعيد إلى الأذهان الشكوك التي ساورت دول أوروبا الغربية حيال مصداقية الضمانات النووية الأمريكية إبان الحرب الباردة. وتكتسب هذه المسألة أبعاداً أكثر حدة بالنسبة إلى باكستان نظراً لقدرتها المحدودة على إسقاط القوة، وانشغالها المستمر بالهند، فضلاً عن علاقتها المتواصلة مع إيران. ويؤجّجها الغموضُ المحيط بمدى انطباق عقيدة باكستان النووية المعلنة، والقائمة على الضربة الاستباقية والتصعيد غير المتكافئ، على منطقة الخليج. وفي حين باتت هذه العقيدة راسخة ومستقرة تماماً تجاه الهند، لم يسبق توسيع نطاقها رسمياً أو توضيحها على الإطلاق في ما يتعلّق بالخليج.
تُفاقم ثلاث مسائل مشكلة المصداقية تلك. أولاً، تتبنّى باكستان عقيدة “الضربة الاستباقية” في وجه الهند، بغية موازنة ضعفها التقليدي أمام نيودلهي. لكن لم يتّضح بعد ما إذا كان أي التزامٍ باستخدام الأسلحة النووية نيابةً عن السعودية والبحرين والكويت والأردن سيخضع لعقيدة الضربة الاستباقية أم سيندرج في إطار سياسة الردّ الحتمي. فباكستان لم تُفصح بعد عن الشروط التي قد تدفعها إلى استخدام الأسلحة النووية لحماية الدول التي ترعاها، ما يمنح إسلام آباد هامشاً واسعاً من المناورة.
وعلاوة على ذلك، فإنّ عقيدة “الضربة الاستباقية” مُصمّمة لغرضي الردع والإكراه معاً، في حين أنّ عقيدة الردّ الحتمي تهدف في المقام الأول إلى تحقيق الردع. غير أنّ الخيار الأخير يشير إلى ضبط النفس، وقد يكون مجدياً في التخفيف من حدّة المعضلات الأمنية الإقليمية، في حين أنّ الخيار الأول يتطلّب يقظةً قصوى ودرجةً عالية من التأهّب ليكون ذا مصداقية، ناهيك عن كونه أكثر عرضةً لمخاطر الحوادث مقارنةً بعقيدة الردّ الحتمي.
ثانياً، لباكستان تاريخ طويل من العلاقات الوثيقة مع إيران. وعلى الرغم من أنّ البلدين ليسا حليفَين بموجب معاهدة رسمية، فإنّهما يتمتّعان بعلاقات قريبة منذ نيل باكستان استقلالها. وخلال الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة، سمحت باكستان لإيران بإخفاء طائرات عسكرية واستخباراتية في قاعدة “نور خان” الجوية خارج “راولبندي”.7 يضع هذا الموقف باكستان في مشكلة تتعلّق بمدى التزامها تجاه حلفائها الجُدد بموجب المعاهدات في الخليج وبقية الشرق الأوسط، إذ تملك هذه الدول أسباباً تجعلها تشكّ في مدى إيفاء باكستان بالتزاماتها تجاههم في حال نشوب أزمة أخرى أو حرب مع إيران.
ثالثاً، تكمن مساهمة باكستان في الالتزامات الثنائية تجاه دول المنطقة في ترسانتها النووية. فهي ليست قوة عسكرية تقليدية كبرى، كما أنّها تواجه صعوبة في إسقاط قوتها العسكرية عبر مسافات طويلة. فضلاً عن ذلك، تُعدّ فعالية الأسلحة النووية محدودة في ردع أنواع متعدّدة من التهديدات، بدءاً من الهجمات التقليدية التي تشنّها الدول، وصولاً إلى التهديدات الصادرة عن الجهات الفاعلة غير الحكومية. وقد ظهرت عدم فعالية الأسلحة النووية في ردع الحروب التقليدية خلال حرب أكتوبر 1973، عندما عجزت إسرائيل عن ردع مصر وسوريا عن الهجوم.8 وبالمثل، لم تردع الأسلحة النووية المجموعات الإرهابية عن مهاجمة دول مسلّحة نووياً، كما أظهرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011.
بدورها، لم تجد السعودية والبحرين والكويت والأردن مظلّة أمنية شاملة في علاقاتها مع باكستان. فلا تزال هذه الدول بحاجة إلى تقييم حجم الإنفاق المطلوب على الأسلحة التقليدية لردع التهديدات التي تواجهها، وتحديد أنواع منظومات الأسلحة التي ينبغي عليها شراؤها. كما يتعيّن عليها النظر في كيفية، أو مدى إمكانية، تنسيق الاستجابات في ما بينها ومع الجهات الخليجية والإقليمية الأخرى لمواجهة التهديدات (المحتملة).
ويؤدي هذا التحالف الأمني المتنامي إلى تعقيدات بارزة في الديناميات النووية الإقليمية، لا سيّما أنّ اتفاق 123 الذي وُقّع مؤخراً بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة يزيد من احتمال تحوّل الرياض إلى قوة نووية كامنة.9 ويعقّد هذا الكمون النووي الناشئ دور باكستان كضامنٍ أمني، ويُعيد إلى الواجهة مشكلة “الردع الموسّع” على غرار ما كان يحدث في الحرب الباردة. وفي حين أنّ المقارنات التاريخية غالباً ما تُشير إلى كيفية مساهمة الضمانات الأمنية الأمريكية في ثني كوريا الجنوبية عن السعي إلى امتلاك القنبلة، فإنّ تلك الحماية الأمريكية كانت مدعومة بقدرةٍ غير مسبوقة على إسقاط القوة العسكرية التقليدية بسرعة عبر مسافات طويلة.10
وتشير السوابق التاريخية إلى أنّ الضمانة التي تقدّمها باكستان من شأنها أن تقلّل من احتمال انتقال المملكة العربية السعودية من الكمون النووي إلى امتلاك قوة نووية فعلية. لكن في حال خشيت الرياض وأنقرة تخلّي باكستان عنهما، فقد تلوّحان بالسعي إلى التسلّح النووي تماماً كما فعلت ألمانيا الغربية سابقاً للحصول على ضمانات أقوى من الولايات المتحدة، ولكن في هذه الحالة، ستحاولان انتزاع هذه الضمانات من باكستان.
الرياض لم تنتظر طويلاً لاختبار حدود هذه الضمانة: فعندما هاجمت قوات الحوثيين المملكة العربية السعودية مطلع هذا الشهر، لم يؤدِّ الهجوم إلى أيّ رد فعل، ما جعل الرياض تكتشف على أرض الواقع محدودية النطاق الأمني الذي تغطيه هذه الضمانة الدفاعية.11 وتخرج هذه الديناميكيات عن السردية الأكثر اتساعاً للكتلة متعدّدة الأطراف، وتستدعي تدقيقاً مستقلاً، إذ تعطي صورة أوضح عن كيفية تطوّر البنى الأمنية الفردية والطموحات النووية في شتى أنحاء المنطقة.
يكاد لا يوجد بديل عن باكستان قادرٌ على توفير مظلة نووية. فقد قوّضت الولايات المتحدة مصداقيتها خلال الحرب الأخيرة مع إيران. أما أبرز البدائل المتاحة فهي الصين والهند، لكن كلاهما يمتلك علاقات وثيقة مع إيران. فالهند تتبنّى عقيدة “عدم المبادرة باستخدام النووي”، وقد صرّحت مراراً وتكراراً أنّها لا تريد الانجرار إلى صراعات الشرق الأوسط، على الرغم من امتلاكها القدرة التقنية على مدّ مظلّة نووية إلى منطقة الخليج العربي.12
أما الصين، فهي حليفٌ تاريخي لباكستان ومشتري بارز للنفط السعودي، كما تجمعها علاقة وثيقة بإيران، وتُعدّ داعماً “لاتفاق مكة” وراء الكواليس بسبب البنية التحتية العسكرية التي وفّرتها لباكستان على مرّ السنين.13 بيد أنّ الصين تتجنّب التحالفات العسكرية، ولم تبدِ سوى إشارات علنية قليلة إلى ممارسة ضغوط على إيران للحدّ من ضرباتها على دول الخليج خلال حرب إيران، كما أنها تحافظ على عقيدة نووية قائمة على الردّ الحتمي وليس المبادرة باستخدام النووي.
أما خيار التعاون الإقليمي الداخلي دون أطراف خارجية فيبدو مستبعداً، إذ تأسّس مجلس التعاون الخليجي في العام 1981 كاتفاقية دفاعية تتضمّن التزامات شبيهة بـ”المادة الخامسة”، لكن تبيّن أنّها مجرّد حبر على ورق حين هاجم صدام حسين المملكة العربية السعودية خلال حرب الخليج الأولى. وقد تتّجه الدول إلى خيارات مستقلة للاعتماد على الذات، مثل إعادة التسلّح التقليدي وتطوير برامج نووية مستقلة، غير أنّ الخيارين يحملان تكاليف مالية باهظة ستتعارض مع طموحات “رؤية 2030” لعدد من الدول الخليجية. كما ستصطدم بالقيود العالمية المفروضة على السوق النووية الدولية، ولا تلّبي الحاجات الأمنية الفورية لهذه الدول، ما يجعلها، في أفضل الأحوال، حلولاً على المدى المتوسط إلى الطويل.
أولاً، ينبغي أن تصدر إسلام آباد صراحةً ملحقاً علنياً لعقيدتها النووية، تُحدّد فيه بدقّة خطوطها الحمراء المتعلّقة بشركائها في الخليج. فإذا كان الغموض أمراً مقبولاً في العلاقات الثنائية المباشرة، إلا أنّه يصبح أكثر خطورة بكثير في سياق الردع الموسّع. وإذا اعتقدت السعودية أو الكويت أنّها تحظى بمظلة نووية في الوقت الذي تقتصر فيه نية إسلام آباد على عدم استخدام ترسانتها إلا إذا تعرّضت إمدادات المواد الخام المتجهة إلى أراضيها لتهديد مباشر، فمن المرجّح أن يؤدّي ذلك إلى سوء تقدير جسيم. وفي حال كانت باكستان لا تنوي أصلاً توجيه ضربة استباقية للدفاع عن الرياض في مواجهة هجوم تقليدي، حري بها أن تُعلن ذلك بوضوح الآن قبل أن تُعلّق دول الخليج آمالاً مفرطة على ضمانةٍ أمنية لا وجود لها فعلياً.
ثانياً، يتعيّن على باكستان أن تدرج صراحةً “بنداً لعدم الاعتداء والحياد” بخصوص إيران في اتفاق مكة للدفاع المشترك، في إطار ترتيباتها الثنائية مع الكويت والبحرين والأردن، وذلك لإضفاء طابع رسمي على واقعها الدبلوماسي القائم. وفي حين أنّ دول الخليج تؤمن التزامات أمنية، فإنّها لا تملك القدرة على توفير قطيعة تامة بين إسلام آباد وطهران. وبدلاً من السماح بأن تبقى هذه المسألة مشكلة معلّقة تتعلّق بالمصداقية، يجب أن تتحلّى باكستان بالشفافية وتؤكّد أنّ اتفاقياتها الدفاعية لا تتعدّى إطار الترتيبات الدفاعية لحماية سيادة الدول الخليجية، ولا تشكّل قاعدة لشنّ عمليات هجومية أو استعراض القوة ضد إيران.
ثالثاً، إذا كانت دول الخليج ترغب في حامٍ موثوق على غرار الضمانة التي توفّرها المادة الخامسة من حلف الناتو، فعليها أن تموّل صراحة صندوقاً باكستانياً مخصّصاً لإسقاط القوة الاستراتيجية، بهدف بناء القدرات اللوجستية والنقل البحري، والتزوّد بالوقود جواً، وهي متطلّبات أساسية لنقل القوات في أوقات الأزمات. وفي الوقت الراهن، يظلّ نموذج “الأمن مقابل الاستثمار” غير مختبَر إلى حدّ كبير، وقد لا يكون موثوقاً على أرض الواقع. وإذا كانت دول الخليج تكتفي بدعم الاقتصاد الباكستاني بشكلٍ عام، من دون تمويل القدرات اللوجستية اللازمة لنقل القوات الباكستانية وإمدادها خلال أي صراع في الشرق الأوسط، فإنّ هذه الاتفاقية قد تثبت عدم فعاليّتها في اللحظة التي تشتد الحاجة إليها. وتُجسّد أزمة الحوثيين مثالاً مبكراً على هذه الفجوة.
أخيراً، لا بدّ من إعادة صياغة اتفاقيات الدفاع المشترك، وفي مقدّمتها اتفاق مكة، بحيث تبتعد عن المواقف النووية المجردة، وتُركّز على مواجهة تهديدات المنطقة الرمادية والتهديدات التقليدية والتهديدات بالوكلاء، مثل الهجمات بالمسيرات التابعة لقوات الحشد الشعبي أو الرشقات الصاروخية التي يطلقها الحوثيون. ونظراً لمحدودية فعالية الأسلحة النووية في مواجهة مثل هذه التهديدات، من الأفضل أن تُركّز باكستان وشركاؤها في الخليج هذه الاتفاقيات على تكامل الدفاع الجوي المشترك، والحروب المضادة للطائرات المسيرة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية لمواجهة التهديدات بالوكالة.
لا يمكن اعتبار الاتفاقات الأمنية بين باكستان وشركائها الجُدد ما بعد العام 2025 تحوّلاً استراتيجياً مفاجئاً، بل تضفي طابعاً رسمياً على صفقةٍ تعود إلى عقود من الزمن، ألا وهي رأس المال مقابل القوة العسكرية الباكستانية. ومع ذلك، فإنّ الارتقاء بهذه العلاقة المالية وتحويلها إلى سلسلة من الاتفاقيات الدفاعية الرسمية قد ألحق المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين والأردن في مأزق “الردع الموسّع” التقليدي، الشبيه بمآزق حقبة الحرب الباردة.
فإسلام آباد لا تستطيع ببساطة توفير الدرع الأمني الشامل الذي تسعى إليه هذه الدول، حيث تُعتبر قيودها التقليدية، وعلاقتها بطهران، ومحدودية فعالية الأسلحة النووية في مواجهة التهديدات التقليدية وتهديدات المنطقة الرمادية، كلّها عوامل تقيّد ما يمكنها تقديمه بمصداقية لشركائها الجُدد في الاتفاقية. وحتى لو كانت السعودية والكويت والبحرين والأردن تتطلّع إلى باكستان حصراً من زاوية ترسانتها النووية، فإنّها ترتكب سوء تقدير. فالأسلحة النووية عديمة الجدوى في ردع التهديدات المحدقة بالمنطقة، والمتمثّلة في صراعات الوكلاء في المنطقة الرمادية، والرشقات الصاروخية الإقليمية، وهجمات مسيرات الحشد الشعبي على البنية التحتية الحيوية.
وفي ظلّ تصدّع المظلة الأمنية الأمريكية، ورفض الهند والصين ملء هذا الفراغ تجنباً لإثارة غضب إيران، اختارت هذه الدول باكستان راعياً لها كملاذ أخير. غير أنّ هذا التحالف الجديد يضعها أمام مفارقة خطيرة بين الاستقرار وعدم الاستقرار. فالغموض النووي الباكستاني المستمر لا يرمم العجز الأمني الفوري لهذه الدول، بل يرغم السعودية والكويت والبحرين والأردن على مواجهة حقيقة مريرة: وهي أنّه لا يمكنها شراء طريق مختصر إلى الأمن. ومن أجل ضمان البقاء على المديين المتوسط والبعيد، يتعيّن على هذه الدول أن تتحمّل العبء المالي والاستراتيجي الهائل لإعادة التسلّح التقليدي وتنسيق الدفاع الإقليمي المشترك، حتى وإن جاء ذلك على حساب طموحات “رؤية 2030”.