تأتي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين مؤخراً، وهي الأولى لرئيس أمريكي منذ نحو عقد من الزمن، بالتزامن مع التوتر في منطقة الخليج وما يحمله من ملفات جديدة تُضاف إلى مصادر التوتر في العلاقات الأمريكية-الصينية.
ركّزت هذه القمة التي جمعت الرئيسين على ملفات متعددة أبرزها: التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والملف التايواني، إلى جانب مسار الحرب الإيرانية وتداعياتها، بما يعكس العلاقة الوطيدة اليوم بين التحديات الجيوسياسية والاقتصادية على المستوى العالمي.
ورغم وصف الرئيسين الأمريكي والصيني للزيارة بأنها إيجابية، وإعلانهما عن تحقيق تقدم في مجالات التجارة والتعاون الاقتصادي، إلا أن الخلافات الجوهرية بين البلدين ما زالت قائمة لا سيّما حول التنافس الاستراتيجي، وضوابط التصدير، والأمن الإقليمي، ومستقبل الحوكمة العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، خيّمت الحرب المستمرة في منطقة الخليج على المناقشات التي شهدتها بكين، ما يؤكد مكانة هذه المنطقة الاستراتيجية في مسار العلاقات الدولية ليس فقط بوصفها ممرًا حيويًا للطاقة، بل أيضًا باعتبارها محورًا رئيسيًا للتجارة العالمية، والشحن البحري، والأنظمة المالية، والبنية التحتية الرقمية.
وتشير التقارير إلى أن القمة تناولت أيضاً قضايا الحفاظ على الاستقرار في مضيق هرمز، وخفض التصعيد الإقليمي، والحرص على إدارة التداعيات الاقتصادية على نطاق أوسع.
في هذا السياق، يعقد مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية سلسلة نقاشات عبر الإنترنت يستضيف فيها نخبة من الخبراء، لتحليل مخرجات هذه القمة، وتقييم انعكاساتها على الشرق الأوسط. ناهيك عن البحث في تأثير تطور العلاقات الأمريكية-الصينية على المنظومة الأمنية الإقليمية، والآفاق الاقتصادية، والمشهد التكنولوجي، والموقع الجيوسياسي للمنطقة في ظل نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس والتفكك.
إنريكو ماريا فاريلا
- اتسمت القمة الأمريكية-الصينية بالصراحة، فقد تمثّل هدفها الرئيسي بتعزيز العلاقات من الناحية الرمزية، وإدارة التنافس الخطير بين الجانبين. هذا النهج ليس وليد إدارة ترامب فحسب، بل هو جزء من نهج الإدارة الأمريكية في التواصل وتشجيع العلاقات التجارية والاستثمارية.
- يعاني الطرفان من نقاط ضعف واضحة؛ ففي حين يواجه ترامب تمعناً مكثفاً في سياسته على المستويين المحلي والدولي، تواجه الصين أزمة اقتصادية داخلية حادة، ما جعل القمة منصة مناسبة لتعزيز الاستقرار الخارجي ومعالجة التحديات الداخلية.
- سبق لترامب، حتى قبل هذه القمة، أن انتهك أحد “الضمانات الستة” المقدمة لتايوان عام 1982 خلال إدارة ريغان، وذلك من خلال مناقشة صفقات الأسلحة مع القيادة في بكين.
- تمتلك إدارة ترامب القدرة على تبني خطاب قائم على منطق “الصفقات” الأقرب إلى نموذج إمبراطوري جديد، وهو تحوّل عن الخطاب الليبرالي السابق الذي يبدو أنه أكثر قبولاً لدى بكين. ومع ذلك، فإن عدم التوافق البنيوي بين الاقتصادين الأمريكي -الصيني يحدّ من فرص تحسين العلاقات، ما يستدعي إدارة عقلانية للتنافس.
- يشكل تسييس العولمة مصدر قلق متزايد للقوى المتوسطة، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تنظر الصين إلى الخليج كسوق قادر على استيعاب الفائض الخارجي لديها، في وقت تتجه فيه الأسواق الغربية نحو الانكماش الدفاعي.
- تواجه دول الخليج معضلة استراتيجية بين الاستمرار في الاعتماد على نظام الدولار أو تبني قدر أكبر من المرونة ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب آخذ في التشكل.
تشوتشو تشانغ
- تتمثل أبرز مخاوف الصين من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في احتمال إغلاق مضيق هرمز، وتعطل واردات الغاز والغاز الطبيعي المسال، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
- تنتهج الصين سياسة عدم الانحياز، وتحافظ على موقف محايد في صراعات الشرق الأوسط، كما أن الانقسامات داخل مجلس التعاون الخليجي تقلل من جدوى اتخاذ مواقف منحازة، فضلاً عن تدخلها لا يُنهي النزاع.
- يغلب على العلاقات الصينية-الأمريكية الطابع المباشر الذي يعكس تفاعل القوى العظمى فيما بينها أكثر مما تعتمد على متغيرات خارجية. تؤدي الصين دور الشريك الذي لا أعداء له، إذ لا تمتلك تحالفات عسكرية رسمية، بينما تتركز مخاوفها الاقتصادية في علاقاتها مع دول الخليج بشكل عام، وليس مع إيران فقط.
- يعود تردد الشركات الصينية في التوسع داخل الخليج إلى عدم الاستقرار الإقليمي والهشاشة الأمنية، رغم استفادتها من الصناديق السيادية الخليجية.
- يظل اعتماد الصين على الطاقة من الشرق الأوسط، رغم جهود التنويع، عاملاً معقداً في الجغرافيا السياسية للطاقة بسبب مخاطر الاعتماد على موردين محددين.
- تؤكد الصين على حرية الملاحة في مضيق هرمز، مع تشديدها في مجلس الأمن على التوازن بين هذه الحرية وحقوق الدول الساحلية، وهو موقف مرتبط أيضاً بمصالحها في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي.
أحمد أبو الدوح، زميل مشارك
- تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى توظيف علاقاتها مع الصين عبر زيادة صادرات الطاقة بما يتجاوز عمق العلاقات الصينية–الإيرانية. ومع ذلك، من غير المرجح أن تغيّر الصين موقفها تجاه إيران نظراً بسبب المكاسب الاقتصادية التي تحققها الشركات الصينية الخاصة من واردات النفط الإيراني.
- تدرك الصين حجم الحظر الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على مبيعات الأسلحة لإيران، لكنها تواصل تزويدها بالتقنيات مزدوجة الاستخدام وبعض أوجه التسليح، إلى جانب الدعم الدبلوماسي، مما يُعزز التقارب بين البلدين.
- يحدّ الهيكل الأمني الحالي لدول مجلس التعاون الخليجي من انخراط الصين في الحرب، إلا أنه مع تبني الولايات المتحدة نهجاً متشدداً تجاه إيران، ومع تراجع روسيا بسبب حرب أوكرانيا، تبرز الصين باعتبارها القوة العالمية الوحيدة القادرة على توفير منصة محتملة لخفض التصعيد على المدى الطويل.
- أدى إلغاء ترامب لقاعدة انتشار الذكاء الاصطناعي التي تعود إلى عهد بايدن إلى دمج دول الخليج في المنظومة الأمريكية للذكاء الاصطناعي، مما جعلها امتداداً لوادي السيليكون. ومع ذلك، فإن دول الخليج لا تتماشى استراتيجياً مع سياسة الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وهو ما يأتي على حساب الصين.
- تتصدر الولايات المتحدة مجال الذكاء الاصطناعي التأسيسي والبنية التحتية، وتتفوق الصين في مجال التطبيقات، فيما تسعى دول الخليج إلى الاستفادة من كلا السوقين، إذ تعتمد رؤى 2030 وخطط التنمية الاقتصادية على هذا التوازن. وقد يتقارب التنافس المتباعد بين الولايات المتحدة والصين مستقبلاً، مما يمنح دول الخليج القدرة على التحوط وتنويع شراكاتها مع كل طرف.
- تعكس الاجتماعات بين الولايات المتحدة والصين، وكذلك بين الصين وروسيا، سعي بكين إلى الحفاظ على موقف حذر ومتوازن مع مختلف الدول. كذلك، تعتمد روسيا على التجارة مع الصين بدرجة أكبر بكثير من اعتماد الصين عليها؛ إذ تمثل التجارة الروسية نحو 4% فقط من إجمالي التجارة الخارجية للصين، بينما تشكل التجارة الصينية نحو 35% من إجمالي التجارة الروسية.