مع تفاقم الاضطرابات في الشرق الأوسط جرّاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية وتداعياتها، تتجه دول المنطقة إلى إعادة النظر في أولوياتها لا سيّما في مجالات الأمن والسيادة، في محاولة منها لتعزيز قدرتها على الصمود وسط مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم.
واستجابة لتلك التغيّرات، تسعى بعض القوى الإقليمية إلى تنويع تحالفاتها واستكشاف آليات جديدة تُمكّنها من أن تكون لاعباً فاعلاً ضمن إطار إقليمي أكثر تماسكاً سواء عبر مساعيها الثنائية أو متعددة الأطراف. في هذا السياق، تبرز كُلّ من السعودية، وباكستان، وتركيا، ومصر، كأطراف فاعلة، بل مؤثرة في مسار الجهود الإقليمية.
على الرغم من ذلك، قد تؤدي التوترات الداخلية والرؤى المتضاربة إلى تقويض الجهود المشتركة الهادفة إلى بناء هيكلية أمنية إقليمية مشتركة ومتماسكة، وتستمر حالة عدم اليقين السياسي حول شكل النظام الإقليم في مرحلة ما بعد الحرب، وتبقى التساؤلات مفتوحة حيال جدوى الضمانات الأمنية الخارجية، وضرورة مراجعة الاستراتيجيات التي ستُحدد شكل التحالفات الإقليمية المستقبلية.
في هذا السياق، عقد مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية حلقة نقاشية استضاف فيها نخبة من المتحدثين لنقاش مسار التحالفات الإقليمية التي قد تتشكل في المرحلة الراهنة. كما تناولت الحلقة مجموعة من المحاور أبرزها: ما هي الديناميكيات الأساسية التي تدفع القوى الإقليمية لتبنّي استراتيجيات متنوعة للتحالف مع قوى دون أخرى؟ من هي الأطراف الفاعلة والمؤثرة حقيقةً في رسم خارطة التحالفات؟ بالإضافة إلى مجموعة من التساؤلات حول: كيفية تعامل الدول الإقليمية الصغرى مع التنافس السياسي الذي تشهده المنطقة؟ وهل ستتمكن التكتلات الإقليمية من تحقيق التقارب وإرساء أطر التعاون المُستدامة؟
ألبرت وولف
- يرتكز التعاون الباكستاني-الخليجي على ثلاثة ركائز أساسية: الاقتصاد القائم على تحويلات المغتربين التي يرسلها تسعة ملايين باكستاني يعملون في الخليج، وعلى العلاقة الأمنية القائمة على المصالح المتبادلة من خلال معاهدات الدفاع المشترك، والهوية؛ وهي الركائز التي تأثرت بتداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية؟
- قد تتحمّل باكستان كلفة باهظة في حال تراجعت خطوة إلى الوراء لا سيّما وأنّ الاعتداءات الإيرانية على الإمارات أودت بحياة مواطنين باكستانيين. وبالنظر إلى معاهدة الدفاع التي ترتبط فيها إسلام آباد مع الرياض، فقد تمكّنت باكستان من اتخاذ مسار يُجنّبها الانخراط في هذا النزاع من خلال تقديم نفسها كوسيط محايد، مع الاحتفاظ بأوراقها لصالح المملكة العربية السعودية.
- يُبيّن إغلاق إيران لمضيق هرمز مستوى الهشاشة والضعف بالمنطقة مقارنة بالأزمات السابقة، لا سيما وأن إيران لم تعد قوة كبرى. وبحسب ما ورد، فهي غير قادرة حتى على تحديد مواقع الألغام التي زرعتها بنفسها.
- لقد صمدت “اتفاقيات ابراهام” بل وتعززت، على الأقل من الجانب الإماراتي، بما يؤكد اعتماد بعض الأطراف الخليجية على الحماية الأمنية الأمريكية.
فيصل عبّاس
- يُهيمِن على المشهد التفاوضي الحالي منطقٌ راسخ مفاده أنّ “عدم التوصل إلى اتفاق، أفضل بكثير من إبرام اتفاقٍ سيء”؛ إذ تُعطي الأطراف الفاعلة الأولوية للاستقرار والأمن على المدى الطويل، بدلاً من الاندفاع نحو صفقات متسرعة قد تترك المنطقة بحالة هشّة وعرضة أكثر لموجات جديدة من التصعيد الإيراني.
- تتجاوز تداعيات هذا الصراع الحدود الجغرافية الإقليمية، لتُلقي بظلالها على الأسواق العالمية، لا سيما في قطاعي النفط وإمدادات الطاقة، ومن المرجح استمرارها لوقت أطول.
- على صعيد العمل الإقليمي المشترك، كرّست هذه الحرب أبعاداً جديدة للتعاون داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي؛ وتُشكّل الخطوة التي اتخذتها المملكة العربية السعودية بفتح مطاراتها لشركات الطيران الخليجية دليلاً واضحاً على تنامي الإرادة الجماعية في تنسيق الجهود بين الأعضاء.
- بُذلت جهود دبلوماسية حثيثة لتطويق النزاع ومنع تحوّله إلى صراع طائفي (سني- شيعي) أو عرقي (فارسي – عربي)، وذلك على الرغم من الأثمان الباهظة التي دُفعت من سجّلات السمعة السياسية، وما رافقها من إعادة تقييم وتشكيك؛ إذ تسعى الدول جاهدة لاحتواء هذه الحرب ليس حمايةً لمصالحها الفردية فحسب، بل لتجنّب إشعال شرارة سلسلة من الحروب المتتالية.
- في العمق الاستراتيجي، تتجاوز العلاقات التركية – الباكستانية الأطر البراغماتية والمصالح العابرة، لتُصنّف كعلاقة استراتيجية راسخة.
- أثبتت هذه الحرب بما لا يدع مجالاً للشك أن القوة المجرّدة لا تصنع الحق بمفردها، وأن الاستثمارات الخليجية الضخمة لم تكن مجرد مظاهر رفاهية أو أدوات للمصلحة الذاتية، بل كانت ولا تزال ضرورات استراتيجية ملحة لضمان البقاء والاستقرار.
أوزغي غينج
- يُعدّ التقارب بين تركيا ودول الخليج استراتيجياً، وفي الوقت نفسه إعادة لضبط المعايير. وقد جاء هذا التقارب مدفوعاً ببيئة إقليمية خطيرة وضغوط متزايدة نتجت عن تصعيد الحرب ما بعد 7 أكتوبر، والحروب التي سبقتها، بما في ذلك الهجمات السابقة على إيران.
- يعود هذا التحول الاستراتيجي بصورة أساسية إلى ثلاثة دوافع رئيسية: الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الخليج وتركيا، وتنويع الشركاء الأمنيين، واحتواء الأزمات الإقليمية.
- تُعتبر تركيا فاعلاً إقليمياً منخرطاً بصورة مباشرة في منظومة الأمن الغربية بحكم عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يعزز ثقلها في محادثات الوساطة، ويجعل من الصعب تجاهل دور أنقرة في الصراعات الإقليمية. ولا تكمن قيمة تركيا بالنسبة إلى دول الخليج، في سيناريوهات ما بعد الحرب أو في قدرتها على التحدث بلغة المنطقة فحسب، بل أيضاً في قدرتها، التي ترتكز على شبكة من تحالفاتها المتعددة، وربط المنطقة بنقاشات الأمن الأورو-أطلسية.
- تعكس هذه اللحظة رغبة القوى الإقليمية والمجاورة في امتلاك قدر أكبر من التأثير في تحديد مخرجات المنطقة، وهو ما تسعى إليه هذه القوى عبر أدوات اقتصادية وسياسية متنوعة، بما يخلق في الوقت نفسه مسؤوليات وفرصاً إضافية للإسهام في هذه المبادرة الإقليمية المتنامية.
فيصل المضاحكة
- تشهد المنطقة بأسرها إعادة تشكيل وهيكلة شاملة لتوجهاتها، ويظهر ذلك في طبيعة التحالفات السياسية، الاقتصادية، والأمنية في طور التشكّل.
- على الرغم من أن التحالفات الراهنة بين مجلس التعاون الخليجي وتركيا ومصر وباكستان ترتكز حالياً على البُعد الأمني، إلا أنها تنطوي على آفاق واعدة لتعاون مستقبلي أوسع في قطاعات أخرى؛ انطلاقاً من المعاناة المشتركة الناجمة عن الحروب الإقليمية، ورؤية موحدة للمستقبل المنشود.
- اتخذ الرأي العام موقفاً مناهضاً للحرب على إيران، إذ رأى الشارع الخليجي أن إقدام الولايات المتحدة على بدء العمليات العدائية دون التشاور معهم يُعد خطوة مخيبة للآمال، وكانت نتيجتها زجّ دول مجلس التعاون في أتون الحرب دون استشارتها أو موافقتها.
- امتدت تداعيات هذه الحرب إقليمياً، بل وصلت تأثيراتها إلى إيطاليا والهند؛ مما يعكس الهشاشة الاقتصادية المترابطة بين الدول والتي تعتمد بشكل أساسي على إمدادات الطاقة الخليجية.
- من شأن عملية إحياء عملية السلام الفلسطينية مجدداً أن يضع حداً لنهج الرئيس ترامب القائم على التصعيد والفوضى، وينهي الادعاءات الزائفة بتقديم المساعدات، فضلاً عن وقف استغلال القضية وتحويلها إلى أداة لخدمة أطراف أمنية تابعة تعمل بالوكالة.