يُواجه حلف شمال الأطلسي “الناتو” الذي حدّد أُطر الدفاع الجماعي الغربي لأكثر من سبعة عقود ضغوطاً غير مسبوقة. فقد كشفت مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتزايدة بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الحلف انقسامات عميقة بداخله. وقد أسهمت الحرب الأمريكية الإسرائيلية -الإيرانية في تعميق هذه الانقسامات بالتزامن مع توصيف ترامب لهذا الحلف بأنه “نمر من ورق”، وذلك بعد رفض الحلف دعوة واشنطن للانضمام إلى حملتها العسكرية على إيران لفتح مضيق هرمز بالقوّة.
تُثير هذه الانقسامات تساؤلات جوهرية حول حدود أُطر الدفاع الجماعي الغربي، إذ يجد أعضاء الناتو أنفسهم بين ضغوط تلبية مطالب الإدارة الأمريكية الحالية، وبين أولوية الحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية والاقتصادية الجماعية. كذلك، يشهد التحالف من داخله تطورات ديناميكية متسارعة مع الدور المهم الذي تؤديه تركيا على مستوى تصنيع الدفاع الأوروبي، وتوسّع البصمة الاستراتيجية للناتو إلى ما وراء حدوده التقليدية والانخراط المتزايد مع جيران الحلف الجنوبيين.
في هذا السياق، يعقد مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، حلقة نقاشية تضمّ مجموعة من الخبراء، يُسلطون فيها الضوء على مستقبل هذا التحالف الأمني الذي يُعدّ الأبرز في العالم. ويطرح المشاركون محاور مُلحّة أبرزها: كيف يعيد الانقسام حول إيران تشكيل هذا التحالف؟ وما هي التداعيات التي قد تنتج عن تهديدات ترامب بانسحاب الولايات المتحدة من هذا الحلف؟ هل لا يزال “الناتو” يمتلك القدرة على العمل الجماعي؟ وما هي احتمالات تعاون الناتو مع دول الشرق الأوسط في ظلّ الترابط بين النزاعات والتهديدات العابرة للقارات في ظلّ التطورات المتسارعة؟ وكيف يُمكن للناتو أن يتكيف مع عصر جديد من التنافس بين القوى العظمى، وهل يُمكن أن يُصاب بالتفكك على المدى الطويل؟
جورجيو كافييرو
- تسعى إدارة الرئيس الأمريكي الحالي إلى فرض هيمنة الولايات المتحدة على حلف الناتو، على غرار ما كانت عليه العلاقة بين الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو. إذ يرغب ترامب بفرض قرارات واشنطن وإرادتها على الحلف وتفريغه من مبادئ المساواة وتوازن القوى.
- يؤثر السلوك السياسي المتقلب للرئيس ترامب على الحلفاء الأوروبيين ويجعل عليهم من الصعب الاعتماد عليه لأنه يُعطي الولاء أهمية قصوى على حساب الخبرة السياسية.
- ترى الإدارة الأمريكية الحالية أنّ المصالح المشتركة التي تُوحّد أعضاء حلف الناتو لم تعد قائمة وتنظر إلى الحلف من منظور تجاري بحث قائم على المصالح، مع تجاهلها وجهات النظر المتباينة وعدم السماح للأعضاء بالتعبير عنها.
- تُعدّ دول مجلس التعاون الخليجي شريكاً استراتيجياً لكلّ من الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات حيوية كالأمن، والهجرة، والسعي لامتلاك القدرات النووية السلمية، ويُعتبر بناء الشراكات المتينة معها أمراً مهماً للغاية.
- تُمثّل مبادرة إسطنبول للتعاون ركيزة أساسية في إطار توثيق العلاقات بين الناتو ودول مجلس التعاون الخليجي، غير أن تطوّر هذه المبادرة مرهون بالتعامل مع التحديات القائمة في المستقبل، ومن أبرزها عدم انضمام المملكة العربية السعودية إليها، واختلاف أهداف السياسات الخارجية بين دول المجلس نفسها.
- لا شكّ أن تعزيز الحوار وتكثيف المفاوضات سواء ضمن مبادرة إسطنبول للتعاون أو خارجها، يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة، ويمهّد الطريق لمزيدٍ من التقارب بين دول مجلس التعاون وشركائه في أوروبا وحلف الناتو.
- لقد اتضح للدول الأوروبية أن الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان أمن القارة الأوروبية هو نهج محفوف بالمخاطر وغير قابل للتنبؤ، وهذا ما دفع أوروبا إلى تبنّي سياسة أكثر استقلالية لتحمّل مسؤولية أمنها الذاتي.
جورجينا رايت
- تنظر أوروبا إلى التحوّلات في العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف الناتو على أنها دائمة وليس مؤقتة، فتصريحات واشنطن في السابق كانت تندرج في إطار الشكاوى بينما أصبحت في عهد الرئيس ترامب ورقة ضغط تُستخدم لغايات سياسية.
- تتوجه الدول الأوروبية نحو الزيادة في الإنفاق العسكري ولو كان ذلك على حساب قطاعات حيوية كالتعليم والرعاية الصحية، وهي خطوة قوبلت برفض شعبي واسع.
- لقد أدّى الغموض السياسي الذي تمارسه إدارة الرئيس ترامب إلى صعوبةٍ في التعامل مع واشنطن. وعلى الرغم من ذلك، أبدت أوروبا استعدادها للاستجابة إلى مطالب الولايات المتحدة بتحمّل مسؤوليات أكبر، في محاولة منها لتحقيق نوع من التوازن في العلاقة معها، والعمل معاً على إيجاد توازن مقبول مع المصالح الأمريكية الحيوية على المدى القريب والبعيد، في سياسة أوروبية يمكن وصفها بـ “استشراف الأفضل والاستعداد للأسوأ“.
- على الرغم من وجود رغبة أوروبية قوية لتعزيز الشراكة نحو دول الخليج، إلا أنّ طبيعة هذا الدور وآليات تفعيله لا تزال قيد النقاش، حيث من المتوقع أن يتخذ هذا التعاون طابعاً ثنائياً بين الدول بدلاً من تبني نهج مؤسسي واحد من خلال حلف الناتو.
- يُنظر إلى دور تركيا المزدوج، كحليف في الناتو وكقوة إقليمية ذات علاقات وثيقة بدول الشرق الأوسط، من زوايا مختلفة. وهو دور يُمكن الاستفادة منه على المستوى الاستراتيجي ويُمكن التضرر منه أيضًا، ويعتمد ذلك على طبيعة العلاقات الثنائية لكل دولة أوروبية مع أنقرة. يعكس هذا الأمر تحولاً عالمياً متزايداً نحو بناء علاقات ثنائية مباشرة بدلاً من الاعتماد على التعاون بين المؤسسات والمنظمات.
- يُمثّل حلف الناتو تحالفاً أمنياً متماسكاً وقوياً، ولكي يحافظ على فاعليته، يتوجب على جميع أعضائه الوفاء بالتزاماتهم. إن حل الأزمة الراهنة لن يكون بزيادة الإنفاق فحسب، بل في توجيه هذا الإنفاق بشكل استراتيجي على نحو أفضل.
راشد المهندي
- لطالما وجدت دول الخليج في حلف الناتو نموذجاً مثالياً للتعاون الأمني، بفضل معاييره وتقنياته المتطورة.
- تشهد السياسات الأمريكية تحولاً استراتيجياً من مناطق النفوذ التقليدية في أوروبا والشرق الأوسط لتتجه نحو الشرق، وتحديداً لمواجهة النفوذ الصيني المُتنامي.
- تسعى كلّ من أوروبا ودول الخليج التي تواصل مساعيها ضمن القواعد المتعارف عليها في النظام الدولي الحالي، إلى الحفاظ على هذا الاستقرار عبر تأسيس الأُطر الأمنية الجماعية، مستفيدة من المصالح المشتركة التي تجمعها.
- قد يشكّ يُشكّل التهديد الذي تُمثّله إيران من خلال مضيق هرمز سابقة قد تشجع أطرافاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في ممرات ملاحية حيوية أخرى، كمضيق مالقا.
- إن القدرات الأوروبية المتمركزة في باب المندب والقوات البحرية المشتركة، بالإضافة إلى نماذج التعاون المبتكرة مثل سرب “تايفون” المشترك بين قطر والمملكة المتحدة، والتعاون القيادي العسكري القطري-التركي، ترسم ملامح مسار واقعي، تعمل من خلاله الدول على بناء أمن إقليمي قائم على الشراكات المتبادلة والتعاون الثنائية، بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة.
- يتطلب التعامل مع التهديدات التي تشكّلها أطراف عديدة مثل إيران وإسرائيل تبنّي استراتيجيات مغايرة. فمع إيران، يرتكز الحل على الردع والقدرة العسكرية التقليدية، أما مع إسرائيل، فيعتمد على الردع وإدارة العلاقة عبر الولايات المتحدة.
- تبدو احتمالية تشكيل حلف عسكري على غرار الناتو يضم دول الخليج وتركيا وباكستان وربما مصر أمراً مستبعداً في الوقت الراهن. لكن فكرة قيام تحالف سياسي بينهم تظل مطروحة بقوة لمواجهة التهديدات الإسرائيلية والإيرانية، وقد بدأت ملامح هذا التحالف بالتبلور في اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية.