opinion

السبب الحقيقي وراء قطع الولايات

المتحدة للمساعدات العسكرية لمصر

يناير 1970
1 يناير، 1970

أدى محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين في 30 يونيو 2012 اليمين الدستورية ليصبح أول رئيس مدني منتخب بحرية لمصر. ويبدو أخيرًا أن هناك شعور بالقوة الدافعة التي تقود البلاد إلى الأمام. ففي يوم الجمعة، ألقى مرسي خطابًا مثيرًا في ميدان التحرير، حيث ردد مرارًا وتكرارًا، بطريقة دراماتيكية إلى حد ما، أن الشعب مصدر السلطات. ولكن الشعب، في الوقت الراهن على الأقل، ليس كذلك. فالجيش بيده مقاليد السلطة. وطالما ظل الأمر كذلك، فإن ما تبقى من تحول مصر المتعثر سيظل تحت التهديد.

وعلى مدار هذا الأسبوع السيئ للغاية من يونيو في هذا العام، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة (SCAF) وحلفاؤه بحل البرلمان وإعادة قانون الطوارئ وسن إعلانًا دستوريًا مكملاً يقضي بتجريد الرئيس من العديد من سلطاته. لقد قام العسكر، بعد أكثر من عام من المساعدة في خلع الرئيس حسني مبارك، بانقلاب مرتبك ولكنه يبدوا بارعًا من داخل الانقلاب. وكل هذا يثير التساؤل الصعب: ما الذي يمكن للولايات المتحدة القيام به، أو يجب عليها القياد به كرد فعل على ذلك؟

فبعد كل ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تنفق أكثر من 1 مليار دولار سنويًا على المساعدات العسكرية لمصر. ويمكن أن يعطي هذا إدارة أوباما قدرًا من النفوذ على المؤسسة العسكرية ويؤدي، سواء بشكل عادل أو غير عادل، إلى أن العديد من المصريين سينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها تدعم الجنرالات الحاكمين.

إن مشاكل إدارة أوباما في مصر – الحليف الحيوي وأكثر دول العالم العربي من حيث عدد السكان – لم تبدأ الشهر الماضي. فقد وقع صانعو السياسة الأميركيين في خطأ مصيري في الأيام الأولى من تحول مصر، بعد وقت قصير من خروج الملايين من المحتجين لإسقاط الرئيس حسني مبارك. حيث راهنت الولايات المتحدة على أن التحول بقيادة العسكر من شأنه أن يسهل (ويدير) العملية الديمقراطية مع الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة. وفي واقع الأمر، كانت نفس الصفقة الخاسرة التي عُرفت بها السياسة الأمريكية لعقود مضت – على سبيل المثال في أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة أو في باكستان اليوم – وأخيرًا في الربيع العربي. ولكن كان هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن المؤسسة العسكرية المصرية – العمود الفقري نفسه لنظام مبارك لثلاثة عقود تقريبًا – سوف تكتشف فجأة أنها تؤمن بالديمقراطية.

بدا وكأن إدارة أوباما لا تضغط كثيرًا على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حتى عندما كان الجيش يجري “فحوصات العذرية” على المتظاهرات أو حينما كان يقتل المحتجين بشكل مباشر في الشوارع المحيطة بميدان التحرير خلال اشتباكات مميتة. وكذلك بدا وكأن المسؤولين الأميركيين مقتنعون (أو أرادوا إقناع أنفسهم بعد كل ما فعلوه) بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، رغم كل أخطائه، كان صادقًا حينما تعهد بتسليم السلطة في نهاية المطاف والعودة إلى الثكنات العسكرية.

لقد وصلت العلاقات الأمريكية المصرية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود في شهر فبراير الماضي، عندما اتُّهم 16 أميركيًا يعملون في منظمات غير حكومية في القاهرة بجرائم مشبوهة، وواجه بعضهم حكمًا بالسجن لمدة خمس سنوات. وعندما رفعت الحكومة المصرية الحظر عن سفر المتهمين وسمحت لهم بمغادرة البلاد، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية استئناف إرسال المساعدات إلى الجيش. لكن التحقيق الذي أجرته الحكومة المصرية كان قد استهدف في المقام الأول منظمات المجتمع المدني المصرية وليس المنظمات الأمريكية، وكانت تلك المنظمات قد صنعت نفسها بنفسها. وضغطت الولايات المتحدة من أجل إطلاق سراح مواطنيها، ولكنها لم تفعل الأمر نفسه دفاعًا عن المنظمات المصرية المنادية بالديمقراطية.

ومن خلال استئناف نقل المساعدات، قامت إدارة أوباما بسابقة خطيرة، حيث هددت الإدارة الأميركية، إلى جانب الكونغرس الأمريكي، بتعليق المساعدات إذا لم يُظهر الجيش المصري التزامًا حقيقيًا بإرساء قواعد الديمقراطية، بما في ذلك “تطبيق سياسات معينة لحماية حرية التعبير في المنظمات المختلفة وفرض إجراءات قانونية تضمن ذلك”. ولكن سرعان ما تبين أن تلك التهديدات كانت تهديدات جوفاء، حيث تأكدت شكوك الجيش المصري بمعنى أن أي مواجهة حادة على خلفية إرساء الديمقراطية ستدفع الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى التراجع عن تهديداتها تحت الضغط.
ولقد برر المسؤولون الأميركيون قرارهم، في المجالس الخاصة، فادعوا أنهم يوفرون أوراق الضغط التي يملكونها إلى المراحل الأكثر خطورة. وبالتالي، سيتابعون تذكير المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوعده بتسليم السلطة في 1 يوليو، لكن هذه المهلة الزمنية شهدت تقلبًا مستمرًا وبقيت المسائل والشكوك العالقة على حالها. ومن ناحيته يواصل المجلس الأعلى للقوات المسلحة إضعاف الديمقراطية المصرية ويثق على ما يبدو بأنه لن يواجه أي عواقب وخيمة تنعكس على علاقته مع الولايات المتحدة.

لم يفت الأوان بعد كي تغيّر إدارة أوباما نهجها الراهن، حيث تستطيع الولايات المتحدة حتى الآن وقف المساعدات العسكرية إلى مصر، لكن من المعروف أن استعمال أوراق الضغط يبقى مسألة شائكة، بعد أن تراجعت الولايات المتحدة عن تهديدها العلني بوقف المساعدات، ويبدو أن التحديات الراهنة بدأت تقنع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأنه قد يخسر المساعدات هذه المرة فعلاً. ولإعادة التأكيد على مصداقية الأمريكيين واستعادة أوراق الضغط المفقودة مع مرور الوقت تقضي أفضل طريقة بتنفيذ التهديدات التي يتم إطلاقها.
لا شك أن بعض المصريين سيفسرون هذا الأمر على أنه تدخل مرفوض في شؤونهم الداخلية. وفي تلك الحالة، يجب أن تشرح الولايات المتحدة موقفها وأن توضح “الخطوط الحمراء” وعواقب تجاوزها عبر تجديد الدبلوماسية العامة والتواصل مباشرةً مع الأحزاب السياسية المصرية وأعضاء المجتمع المدني.

إنه من المستبعد أن ينجح تعليق المساعدات في تغيير سلوك المجلس الأعلى للقوات المسلحة على المدى القصير، وقد حذر زميلي من معهد بروكنجز، بروس ريدل، من هذا الأمر، حيث إن وقف نقل المعدات العسكرية إلى مصر سيكون عاملاً مهمًا لكن ليس لدرجة كافية، ولا سيما بالنسبة لجيش مصري يعتبر أنه يخوض معركة وجودية للسيطرة على الوطن.

يمكن أن تنجح مقاربة تجميد المساعدات العسكرية فعلاً، حتى لو فشلت في تغيير الممارسات الاستبدادية التي يطبقها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لكن هذا هو المغزى الفعلي مما يحصل، إذ يجب أن تتخطى الولايات المتحدة الإستراتيجية التفاعلية اليومية التي تطبقها في مصر. وتسود فكرة شائعة في مصر وفي الشرق الأوسط عمومًا مفادها أن المطالب الأمريكية يمكن تجاهلها إذا كانت لا ترتبط بالمصالح الأمريكية الجوهرية: معاهدة السلام مع إسرائيل وحقوق استخدام المجال الجوي (في حال تنفيذ تحرك عسكري ضد إيران) والعبور من قناة السويس وجهود مكافحة الإرهاب، أما القضايا الأخرى، فتبقى مجرد خطاب شفهي عابر.

لا شك أن إبطال مفعول هذه الفكرة الشائعة سيتطلب سنوات عدة فضلاً عن إعادة توجيه السياسة الأميركية نحو الشرق الأوسط. وفي غالب الأحوال، ستواجه الولايات المتحدة تحديات مستقبلية مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالي مع الحلفاء الاستبداديين في المنطقة أيضًا، ويجب أن يستعد البيت الأبيض من خلال المجاهرة بقناعاته بكل شجاعة. وحتمًا ستحمل هذه المقاربة بعض المجازفة في وقت يشهد فيه العالم العربي تناميًا للنزعة القومية ومشاعر كره للأجانب، لكن من المتوقع أن يكون الخيار البديل أسوأ بعد: المجازفة بالظهور بصورة الجهة التي تموّل وتدعم الحكام الاستبداديين المسنّين في مصر وتتغاضى عن أخطائهم وتعادي المؤسسات المنتخبة ديمقراطيًا.
ومن المتوقع أن يعتبر المسؤولون الأميركيون أن الوضع ليس بهذه السهولة وأن خطة تقديم المساعدات معقدة، وهم محقون في ذلك، فالوضع معقد فعلاً. وسبق أن تم الالتزام بمعظم المساعدات المالية بموجب عقود مع شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية، ولا شك أن وقف المساعدات يضرّ بمصالح تلك الشركات.

لقد أصبحت المساعدات الأميركية ضبابية بالفعل، طالما أن البيت الأبيض يمتنع عن اتخاذ موقف صارم، وسترتفع التكاليف التي سيتكبدها عندما تقرر الولايات المتحدة أخيرًا سحب المساعدات نهائيًا. ولكن لن يجازف هذا الوضع حصرًا بتجدد مشاعر العداء تجاه الولايات المتحدة موقتًا أو خسارة ورقة ضغط مهمة على الجيش في القاهرة (مع أن هذه العواقب تبقى مؤسفة)، بل يتعلق الأمر بشكل أساسي بإعادة تحديد طريقة التعامل مع الأطراف المختلفة في الشرق الأوسط على المدى البعيد.