تحليل تحديات الحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:

نقاش حول الشفافية وحق الوصول إلى المعلومات

نوفمبر 16، 2022

الأربعاء، نوفمبر 16، 2022
3:00 م - 5:00 م

ملخص

نظّم مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية ورشة عمل عن بُعد في 16 نوفمبر 2022 للنظر في مسألتَي الشفافية وحق الوصول إلى المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وجاء هذا النقاش عقب ورشة عمل أولى عبر الإنترنت في 30 يونيو 2022، وتناولت موضوع إصلاحات الحوكمة. وقد شارك في ورشة العمل الثانية صانعو سياسات سابقون وباحثون وخبراء بارزون قاموا بتقييم سجلّ تتبّع الشفافية في المنطقة، واقترحوا سبلاً للمضي قدماً. وأدار النقاش طارق يوسف، زميل أول ومدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وروبرت بيشيل، زميل أول غير مقيم في المجلس.  

 

استهلّ الخبراء النقاش عبر التسليم بأنّ الشفافية هي إحدى أهمّ التحديات التي تواجه دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخّم والفائدة، واتجاه نمو ذي مسارَين ما بين الدول المنتجة للنفط وغير المنتجة له، وأعباء الديون الثقيلة خصوصاً ما بين الدول غير المنتجة للنفط، فضلاً عن مشكلة تغيّر المناخ وصدمات متعددة بعد جائحة فيروس كورونا المستجدّ. وستشكّل قدرة الحكومات على التعلّم والتكيّف نقطة حاسمة في مواجهة هذه التحديات. وستضطلع زيادة الشفافية بدور أساسي أيضاً في تسهيل تدفّق المعلومات والبيانات في الوقت الحقيقي، مما سيدعم عملية اتخاذ القرارات القائمة على الأدلة والتي ستسمح لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتصحيح مسارها. ومع ذلك، يعجز عدد من حكومات هذه المنطقة عن جمع إحصاءات معيارية أو نشرها في ما يتعلق بالنتائج الاقتصادية والمالية أو بأداء القطاع العام. وقد أشار تقرير حديث للبنك الدولي إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسجّل أداءً سيئاً بالاستناد إلى عدد من مؤشرات مرتبطة بالشفافية، من حيث حرية الصحافة أو حق الوصول إلى المعلومات أو الشفافية المالية والضريبية. ولمعالجة هذه المسائل، لا بدّ من إيجاد حلول محلية للمشاكل المحلية مع التركيز على تمكين الحكومات الوطنية الفرعية وبناء القدرات المحلية. 

 

وأكّد أحد الخبراء أنّ بُعد المواطنين عن أنظار حكوماتهم يشكّل العقبة الكبرى أمام الشفافية والمساءلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقلّة من حكومات المنطقة تركّز على تحقيق التنمية المنصفة التي تعزز رفاه المواطنين. ولن يتحسّن هذا الوضع إلّا عندما تعالج المجتمعات العربية مشكلة غياب أصوات مواطنيها ورؤيتهم وتمكينهم من التصديق على أداء الحكومات مساءلتها. ووافق خبراء آخرون على ذلك، وشدّدوا على الحاجة إلى آليات تجعل أصوات المواطنين مسموعةً. وتجدر الإشارة إلى أنّ عدداً من الحكومات لا تقوم بالكشف عن وثائق ومعلومات أساسية، مثل تقارير الميزانية ومراجعة الحسابات، ولم تسنّ بعد تشريعات فعالة بشأن حق الوصول إلى المعلومات. وسيشكّل إفساح المجال للمجتمع المدني لمساءلة الحكومات بُعداً أساسياً للمضي قدماً في تنفيذ برنامج الشفافية. 

 

وأشار مشارك آخر إلى أهميّة الإرادة والقدرة السياسيتَين في تحقيق تغييرات من شأنها تعزيز الشفافية والمساءلة. فالشفافية وحدها لا تكفي من دون تدابير لتحقيق المساءلة تدعمها وطرق أكثر فعالية لجمع البيانات ونشرها. ويُظهر نموذج تونس أنّ التحسينات في الوصول على المعلومات لا تُترجم فوراً بمزيد من الشفافية، إذ ينبغي تمكين المؤسسات الحكومية لتُخضِع بعضها بعضاً للمساءلة. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نجد أنّ عدداً من المؤسسات الحكومية المسؤولة عن تحقيق المساءلة لا تقوم بدورها بفعالية ولا تجمع بيانات مقبولة النوعية. 

 

وفي حين أنّ الشفافية والمساءلة يدعم أحدهما الآخر، قال أحد المشاركين إنّهما ليستا مترابطتين دائماً. فعلى سبيل المثال، لا تترابط قوانين الوصول على المعلومات مع انخفاض معدلات الفساد. وقال مشارك آخر إنّ مبادرات الشفافية الناجحة تقوم في النهاية على تحليل المسؤولين الحكوميين للتكاليف والفوائد. فإذا اعتُبرت تكلفة إصدار البيانات عالية جداً لن يتمّ إصدارها، في حين أنّه يمكن للشفافية في البيانات توليد آثار إيجابية غير مباشرة. وهذا ما حصل في الأردن عندما نُشرت دراسة اكتوارية علناً بيّنت أنّ صندوق الضمان الاجتماعي قد يتعرّض للإفلاس في غضون عشر سنوات، مما أدّى إلى ضغط جماهري لحلّ المشكلة. وفي هذه الحال، تمّ دعم أيضاً صندوقَي تأمين الأمومة والتأمين ضد البطالة اللذين لم يخضعا أساساً للتدقيق. وتشتمل الإصلاحات الأخرى التي يمكن أن تدعم تنفيذ برنامج الشفافية على تعزيز المجتمع المدني، والنهوض بالمراكز الحكومية، وتحسين نوعية البيانات قبل نشرها، وبناء القدرات المؤسّسية، فضلاً عن التدقيق في الإصلاحات لمراعاة الاعتبارات السياسية للاقتصاد، وتعزيز حماية الحقوق وممارسات الحوكمة الديمقراطية. 

 

ثمّ تابع الخبراء النقاش حول موضوع التشريعات بشأن حق الوصول إلى المعلومات. فتشريع هذا الحق وتنفيذه يشهدان تحسّناً على الصعيد العالمي، غير أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تبدأ بإحراز تقدّم على هذا الصعيد إلّا مؤخّراً. وبالرغم من اعتماد حوالى ثلث دول هذه المنطقة تشريعات مرتبطة بحق الوصول إلى المعلومات، إلّا أنّها رديئة كما أنّ العقوبات على عدم الامتثال لا تزال مرتفعة في بعض الدول. وفيما تتفاوت دول المنطقة في اعتمادها تشريعات بشأن حق الوصول إلى المعلومات، تتفوّق المنطقة في نطاق المعلومات التي تغطّيها. فالنموذج التونسي يُظهر دور الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل منظمات المجتمع المدني، في اعتماد تشريعات تقدّمية مرتبطة بحق الوصول إلى المعلومات. وسلّط الخبراء الضوء على عدد من العناصر الضرورية لضمان فعالية التشريعات ذات الصلة بحق الوصول إلى المعلومات، أوّلها الافتراض المسبق الأساسي الذي يشير إلى أنّ كل المعلومات مُلك العامة ويجب أن تكون متاحة للجميع (مع استثناءات محدودة وواضحة). ولا بدّ من وجود نظام مستقل وفعّال للرقابة بالإضافة إلى أشخاص محدّدين معنيين بتلبية الطلبات وبالإشراف على تطبيق التشريعات بشكل صحيح. وينبغي أن تكون إجراءات طلب الوصول إلى المعلومات والاستجابة لهذه الطلبات ميسّرةً ومتاحةً، بما فيها طريقة الوسائل الإلكترونية. 

 

وبعدها تعمّق الخبراء في محدّدات النجاح لتشريعات حق الوصول إلى المعلومات في تونس والتي غالباً ما تُعتبر نموذجاً يحتذى به في المنطقة، فأشاروا إلى المشاركة الفعالة لمنظمات المجتمع المدني التي تعمل بالتعاون مع الحكومة لصياغة تشريعات مرتبطة بحق الوصول إلى المعلومات، والحوافز التي تقدّمها المنظمات الدولية، مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، بالإضافة إلى الضغط الذي تمارسه على الحكومة التونسية في خلال عملية صياغة التشريعات. وفي المقابل، يمكن تفسير النتائج الأقل نجاحاً لقوانين حق الوصول إلى المعلومات في مصر عبر الاستثناءات المتعلّقة بالأمن القومي (والتعريفات الغامضة للمعلومات الخاصة بالأمن القومي) التي عقّدت عملية إصدار عدد من الوثائق والبيانات. وأكّد أحد المشاركين على المخاوف الأمنية القومية التي يستخدمها معارضون لهذه التشريعات في سياقات عدّة بهدف منع إحداث التغيير. وأضاف آخرون أنّ التراخي في تطبيق هذه القوانين غالباً ما يعود إلى غياب القدرة السياسية من جانب الحكومات القائمة. واقترح المشاركون حلاً يمكن أن يحرّك عملية تنفيذ التشريعات المرتبطة بحق الوصول إلى المعلومات، ألا وهو نشر المسألة في جميع القطاعات الحكومية عوضاً عن حصرها في وزارة واحدة. وفي نهاية المطاف، تُعدّ الإصلاحات المتعلّقة بالشفافية مهمّةً وضروريةً، ويمكن تنفيذها بتكلفة بسيطة نسبياً. لكن ينبغي أن تتماشى الحلول مع المخاوف السياسية للاقتصاد، وتُشرك المجتمع المدني، وتُنفَّذ إلى جانب إحداث تغييرات هيكلية مهمة. 

مدراء الجلسة

مدير وزميل أوّل
زميل أوّل غير مقيم