الخليج بين تسميتين: صراع الهوية والجغرافيا والنفوذ

سبتمبر 3، 2026

الخميس، سبتمبر 3، 2026
1:00 م - 4:00 م

ملخص

هل الخلاف حول تسمية المسطح المائي الفاصل بين شبه الجزيرة العربية وإيران خلافٌ على اسم وماضٍ تاريخي فحسب، أم أنه صراعٌ على هوية من يمتلك الحقّ في تعريف الخليج، وقراءة ذاكرته، وتشكيل نظامه الإقليمي ومستقبله؟

 

يتجاوز الجدل بين مصطلحي «الخليج العربي» و«الخليج الفارسي» مسألة التفضيل اللغوي أو اللفظ على الخريطة. فالاسم هنا ليس مجرد علامة جغرافية محايدة، بل تعبير مكثف عن الهوية والسيادة والذاكرة وموازين القوة. وهو يحمل، في آن واحد، روايات تاريخية متنافسة، وتصوّرات مختلفة عن الانتماء الإقليمي، وادعاءات رمزية بشأن مركزية الحضور العربي أو الفارسي في هذا المجال البحري والسياسي.

 

اليوم، تكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية، فالخليج لم يعد يُعرّف على أنه مساحة جغرافية محدودة، بل منطقة محورية في أمن الطاقة، والممرات البحرية، والأسواق العالمية، والتحالفات الدولية. لذلك فإن النزاع حول التسمية يتصل أيضاً بتعريف اللاعبين الفاعلين في الإقليم، وبكيفية توزيع النفوذ، وبالسرديات التي تُبنى حول الأمن والتاريخ والسيادة.

 

في هذا السياق، نظم مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية جلسة نقاشية عبر الإنترنت، “وبينار” بعنوان «الخليج بين تسميتين: صراع الهوية والجغرافيا والنفوذ». سعىت الجلسة إلى وضع الجدل في إطاره التحليلي الأوسع، بعيداً عن السجال التبسيطي أو المفاضلة الخطابية.

 

ناقش المشاركون مجموعة من المحاور أبرزها: كيف تتحول المصطلحات الجغرافية إلى أدوات لبناء الهوية السياسية؟ وكيف تُستخدم الذاكرة التاريخية في إنتاج الشرعية والرمزية؟ وكيف يتقاطع ذلك مع الواقع الاستراتيجي والصراعات المعاصرة على النفوذ وترتيبات الأمن الإقليمي؟

 

فضلاً عن ماهية السيرة السياسية للتسميتين، وكيف تغيّرت دلالاتهما عبر الزمن؟ وهل يمكن فصل التسمية عن تنافس الهويات الوطنية والقومية في الإقليم؟ ثم كيف يمكن إدارة تعدد السرديات التاريخية بصورة لا تنكر الهويات، ولا تجعل من النزاع الرمزي عائقاً أمام بناء ترتيبات أكثر استقراراً وتعاوناً؟

 

—

حيدر سعيد

  • بدأ النزاع حول التسمية بين الخليج الفارسي والعربي عندما تحوّل المصطلح من توصيف جغرافي إلى تعبير عن هوية قومية للبحر، بالتزامن مع صعود القوميات. ومن هنا اكتسبت التسمية أبعاداً سياسية وهوياتية لم تكن حاضرة في أصل الاستخدام العربي للمصطلح.
  • لم يظهر مصطلح الخليج العربي بوصفه نتاجاً للأيديولوجيا القومية العربية، بل ارتبط في بداياته بسياقات بناء الدولة وتشكّل الكيانات السياسية الخليجية، التي وجدت في الهوية العربية إطاراً أوسع لترسيخ هويتها السياسية.
  • أصبحت الهوية العربية عنصراً أساسياً بالنسبة إلى الكيانات الخليجية الناشئة، خصوصاً في ظل محدودية حجمها الجغرافي والديموغرافي. لذلك مثّل الارتباط بهوية عربية جزءاً مهماً من عملية بناء الدولة وتعريف الذات السياسية.
  • تُعتبر البنى الرمزية والتسميات جزءًا من الصراع وليست مسألة منفصلة عنه. لذلك يصعب فهم الإصرار على تسمية الخليج بمعزل عن تاريخ العلاقات العربية–الإيرانية، وما شهدته من تنافس على النفوذ والهوية والمكانة الإقليمية.
  • لقد أسهم استمرار النزاع في العلاقات العربية–الإيرانية في إبقاء الخلاف حول التسمية. ومن حق الدول العربية المطلة على الخليج استخدام التسمية التي تعبّر عن هويتها، من دون محاولة فرض تسمية واحدة عليها.
  • يمكن الوصول إلى حوار عربي–إيراني أكثر هدوءاً حول التسمية والقضايا الثقافية الأخرى، لكن ذلك يتطلب أولاً علاقة سياسية طبيعية ومستقرة. وفي ظل الاحتقان الراهن، تبقى الرموز والمسميات جزءاً من التنافس السياسي الأوسع.

 

فهد الحارثي

  • الجغرافيا ليست متحفاً، والأسماء تتطور بتطوّر الدول والهويات وموازين القوى. ولا نحتاج إلى إنكار شواهد التاريخ حتى ندافع عن حق الشعوب الخليجية العربية في التعبير عن هويتها ومجالها الجغرافي والحضاري.
  • لم تعد الدول العربية المطلة على الخليج كيانات هامشية، بل أصبحت مراكز اقتصادية واستثمارية ودبلوماسية مؤثرة عالمياً. ومن هنا ترتبط تسمية الخليج العربي أيضاً بصعود واقع خليجي عربي جديد يمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً متنامياً.
  • إنّ ترسيخ مفهوم الخليج العربي لا يتحقّق بالخطاب السياسي والإعلامي وحده، بل يحتاج إلى إنتاج معرفي وثقافي متكامل، بدءًا من مراكز الدراسات والأطالس والخرائط، مروراً بالبرامج الجامعية وتوثيق تاريخ الملاحة، وصولاً إلى الموانئ والمجتمعات العربية الساحلية.
  • تُعتبر إيران دولة جارة ومهمة، وهناك مصلحة خليجية وعربية في إقامة علاقات مفيدة معها، لكن الجوار لا يعني القبول بالهيمنة. فالعلاقة المستقرّة يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على فرض تصورات أُحادية للهوية أو المجال الإقليمي.
  • لسنا أمام خيار بين الهوية والأمن. فالهوية التي لا تحميها القوّة معرضة للتهميش، والقوة التي لا تستند إلى هوية ومشروع مشترك معرضة للتشتت. لذلك تحتاج دول الخليج إلى امتلاك الإرادة والقدرة على تقرير مستقبل إقليمها.
  • لا يكفي أن نسمّي الخليج عربياً، بل ينبغي أن تقترن التسمية بالقدرة على حماية أمنه وترسيخ التنمية والاستقرار فيه. فالأهم من الخلاف على الاسم هو امتلاك دول المنطقة زمام أمن الخليج ومستقبله.

 

داهم القحطاني

  • الخلاف حول تسمية الخليج ليس مجرد نزاع على المصطلحات، بل هو جزء من سياق التنافس العربي–الإيراني. لذلك تكتسب التسمية أبعاداً سياسية ورمزية تتجاوز اللغة والجغرافيا إلى قضايا الهوية والنفوذ.
  • النزاع حول اسم الخليج ليس وليد اللحظة الراهنة، بل يمتد إلى عقود سابقة، ما يؤكد أن التسمية ظلت مرتبطة بالتحولات السياسية في المنطقة. ولهذا يصعب فصل الجدل حول الاسم عن السياق الإقليمي.
  • تتعامل إيران مع مسألة التسمية بجدية سياسية واضحة، في حين لم تمنحها دول الخليج العربي المستوى نفسه من الاهتمام إلا خلال الفترة الأخيرة. وهذا التفاوت جعل التسمية جزءاً من أدوات التعبير عن الهوية والنفوذ السياسي.
  • لا توجد في التاريخ قضية محسومة بصورة مطلقة، فالتاريخ الحديث يقوم على تعدد المصادر والاجتهادات والقراءات. لذلك لا ينبغي التعامل مع تسمية جغرافية باعتبارها حقيقة ثابتة لا تتأثر بتحوّلات الدول والمجتمعات والسياقات السياسية.
  • على مجلس التعاون الخليجي أن يضطلع بدور أكبر في القضايا المرتبطة بالهوية والمسميات، وأن يمنحها أولوية مؤسسية. وينبغي ألا يختزل ترسيخ التسمية في إطار المواجهة مع إيران، بل في التعبير عن رؤية خليجية مستقلة.
  • تُمثّل المنظمات الدولية ساحة أساسية لترسيخ المصطلحات والخرائط التي تُعبّر عن رؤية الدول العربية وهويتها. لذلك لا تقتصر مسألة التسمية على الخطاب الإعلامي، بل تتطلب حضوراً دبلوماسياً ومؤسسياً أكثر فاعلية.

 

 

 

مدير الجلسة

زميل زائر

المتحدثون

فهد العرابي الحارثي
رئيس مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام
داهم القحطاني
صحفي ومحلل سياسي كويتي
حيدر سعيد
رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات