تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط تحولات متسارعة في بيئتها الأمنية، في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية، وتراجع الثقة في ترتيبات الأمن التقليدية، وتزايد الحاجة إلى أطر تعاون أكثر فاعلية بين دول المنطقة.
تطرح هذه التطورات سؤالاً محورياً: هل يمكن بناء منظومة أمنية إقليمية قادرة على تعزيز الأمن الجماعي وإدارة التهديدات المشتركة؟ وهل تمثل فكرة “ناتو إقليمي” خياراً واقعياً، أم أنها تصطدم بتعقيدات سياسية واستراتيجية تجعل تطبيقها محدوداً؟
في هذا الإطار ينظم مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية جلسة حوارية عبر الانترنت لمناقشة آفاق إنشاء إطار أمني إقليمي يضم دول الخليج وقوى إقليمية أخرى، وتبحث في دوافعه المحتملة، والتحديات التي تعترضه، والأطر السياسية والقانونية اللازمة لتفعيله. كما تستعرض الفعالية السيناريوهات الممكنة لمثل هذا التحالف، وانعكاساته على توازنات القوى، وعلاقات دول المنطقة مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى، ومستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
د. مهند سلوم
- تحتاج دول الخليج إلى إعادة تطوير بنيتها الأمنية المشتركة وليس استنساخ نموذج حلف شمال الأطلسي. فعلى الرغم من فاعلية الأطر القائمة في جوانب متعددة، إلا أنّ التحولات في طبيعة التهديدات الإقليمية تفرض بناء منظومة ردع أكثر تكاملًا ومرونة، تستجيب لمتطلبات البيئة الأمنية الجديدة.
- يبدأ نجاح أي منظومة أمنية جماعية بالتوافق بين أعضاءها على تعريف واضح لمصادر التهديد. فغياب الرؤية المشتركة بشأن طبيعة الخطر، والتمييز بين العدو والخصم والتحدي، يُقوّض قدرة أي تحالف على تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
- إنّ الاعتماد على الردع الخارجي لا يُشكّل خيارًا كافيًا في ظلّ التحولات الراهنة. فقد أظهرت التجارب الأخيرة أن أمن الخليج يتطلب منظومة متعددة المستويات، ترتكز على القدرات الذاتية، وتتكامل مع الشراكات والتحالفات الاستراتيجية.
- لا يمكن إسقاط النموذج الأوروبي على البيئة الخليجية بصورة مباشرة، فقد نشأ حلف الناتو لمواجهة تهديد استراتيجي محدد، بينما تواجه دول الخليج طيفًا متنوعًا ومتغيرًا من المخاطر. لذلك تبدو عدد من النماذج الإقليمية المرنة، مثل آسيان أو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أقرب إلى واقع المنطقة واحتياجاتها.
- يمر الخليج اليوم بلحظة استراتيجية مفصلية تستدعي إعادة تعريف قواعد الردع. فتعزيز القدرات الدفاعية وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه تحديد واضح للخطوط الحمراء، بما يرسخ مصداقية الردع ويمنع أي طرف من اختبار حدود الأمن الخليجي
سليمان العقيلي
- تنطلق المملكة العربية السعودية في مقاربتها للتحالفات العسكرية بقدر كبير من الحذر، انطلاقًا من التجارب الإقليمية السابقة، التي أدّت إلى تعميق الاستقطاب السياسي والأمني، بدلًا من ترسيخ الاستقرار الإقليمي.
- تتمحور الإشكالية في غياب توافق خليجي حول تعريف مصادر التهديد وليس في غياب فكرة التحالف بحد ذاتها. فكلّما تباينت مواقف الدول وتصوراتها حول طبيعة المخاطر، ازدادت صعوبة بناء منظومة أمنية جماعية ذات كفاءة وفاعلية وقدرة على الاستمرار.
- إن انخراط أي تحالف عسكري في أحد محاور الاستقطاب الدولي قد يحول الخليج إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى. ومن ثم، فإن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يقتضي تجنب الانزلاق إلى تحالفات تُفاقم الانقسامات الدولية بدلًا من احتوائها.
- قد يكون من الواقعية تبني نهج تدريجي في التعاون الأمني، يبدأ بين الدول التي تتقاطع في رؤيتها لمصادر التهديد. وعندما يثبت هذا النموذج فاعليته، يمكن أن يشكل أساسًا لتوسيع نطاق التعاون ليشمل بقية الدول.
- تشهد المنطقة مرحلة غير مسبوقة من عدم التوازن الاستراتيجي، الأمر الذي يجعل الاعتماد على المقاربات التقليدية غير كافٍ. وتقتضي هذه المرحلة تطوير منظومة أمنية خليجية أكثر مرونة، قادرة على الاستجابة للتحولات الإقليمية، مع الحفاظ على استقلالية القرار الاستراتيجي بعيدًا عن ضغوط الاستقطابات الخارجية.