لطالما شكّل الإعلام جزءاً من المعركة، بل قد تؤدي التغطية الإعلامية في كثير من الأحيان دوراً أساسياً في حسم المعركة وتسجيل الانتصارات أو الهزائم. وفي ظلّ التصعيد الذي تشهده دول المنطقة جرّاء الحرب الإسرائيلية-الأمريكية-الإيرانية، تدور في الفضاء الرقمي معركة موازية لا تقلّ في ضراوتها عمّا يحدث في الميدان، إذ تُستخدم تقنيات التزييف العميق والخوارزميات وروبوتات الدعاية لصناعة الأخبار والمقاطع المصوّرة الزائفة، ونشرها، وذلك بهدف تضليل الخصم والرأي العام، من أجل إعادة تشكيل الوعي الجمعي، ما يضع المجتمعات والمؤسسات الإعلامية، وحتى صنّاع القرار أمام تحدٍ غير مسبوق.
في هذا السياق، عقد مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، بالشراكة مع المركز القطري للصحافة، حلقة نقاشية عبر الانترتن نطرحُ فيها إشكاليات استخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح في حرب المعلومات، وتحوّل العديد من منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام، بالإضافة إلى تناول دور وسائل الإعلام التقليدية وكيفية تعاملها مع الكمّ الهائل من الأخبار الزائفة، وقدرتها على التحقّق من الخبر ومصداقيته بالسرعة المطلوبة، إلى جانب المسؤولية الجماعية والفردية في تلقّي الأخبار وتداولها.
سعى المتحدّثون المشاركون في هذه الحلقة للإجابة عن عدّة محاور أبرزها: ما هي الأدوات الجديدة للذكاء الاصطناعي التي تُستخدم في التزييف العميق وتوجيه الخوارزميات على الساحة الإعلامية وكيفية توظيفها في سياق حرب إيران؟ ماذا عن دور الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين في توظيف هذه التقنيات لفرض روايتهم الإعلامية؟ وكيف يمكن للمؤسسات الصحفية مواجهة طوفان الأخبار الكاذبة والحفاظ على دورها كحارس للحقيقة؟ وما هي استراتيجيات تمكين الجمهور من التمييز بين المحتوى الحقيقي والمضلل، ودور المعرفة في بناء حصانة مجتمعية في مواجهة الأخبار الزائفة.
طالب العذبة
- يزداد تأثير الذكاء الاصطناعي بشكل خاص في سياقات الأزمات، كالحروب، حيث يكون المتلقي في حالة من التعطش للمعلومات مدفوعاً بالقلق وعدم اليقين، مما يجعله أكثر قابلية للتأثر بالرسائل المضللة.
- تكمن خطورة خوارزميات “تجزئة الجمهور” في قدرتها على وضع الأفراد داخل فقاعات معلوماتية، حيث لا يتعرضون إلا للمحتوى الذي يتوافق مع اهتماماتهم، وهو ما يشكل تهديداً جسيماً إذا كانت تلك الفقاعة مليئة بالمعلومات الزائفة.
- تبرز الحاجة إلى تبنّي “إعلام أزمات تثقيفي” في مواجهة هذه التحديات، بهدف تمكين الأفراد في المنطقة وتحصينهم ضد موجات التضليل المتصاعدة.
- يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي دوراً محورياً في صياغة الرسالة الإعلامية، ورغم أنه قد لا يهيمن كلياً على الاستراتيجيات التقليدية في المدى المنظور، إلا أن تطوره المتسارع يجعله أداة فاعلة قادرة على أداء دور العديد من الأدوات الإعلامية المستخدمة في الوقت الراهن.
وليد السقاف
- يكمن أحد أكبر المخاطر الفلسفية للذكاء الاصطناعي في الوصول إلى مرحلة “عائد الكاذب”، حيث يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الحقيقة والتزييف، مما يخلق نوع من الشكوك العامة التي تُقوّض الثقة في المنظومة الإعلامية برمتها.
- تواجه المؤسسات الإعلامية تحدياً كبيراً يتمثل في “سباق الملكة الحمراء”، حيث تتطور أدوات التزييف الرقمي بوتيرة أسرع بكثير من أدوات كشفها والتحقق منها.
- تقتضي مواجهة التضليل الناتج عن الذكاء الاصطناعي ضرورة استخدام الأدوات التكنولوجية نفسها التي تُستخدم ضدنا. وفي حال لم تطور الدول قدراتها على التعامل مع هذه التقنيات، فمن المرجح أن تخسر المعركة.
- تعاني العديد من أدوات كشف التزييف الحالية من العمى، فهي مصممة للعمل في سياقات غربية، ولهذا تفشل في فهم المدلولات الثقافية واللغوية الخاصة بالمنطقة العربية، مما يحد من فعاليتها.
فيصل المضاحكة
- لقد كشفت الأزمة الحالية عن ضعف انتشار السردية الخليجية في المحيط العربي، وفي المقابل، نجحت السردية الإيرانية الشعبوية في تحقيق انتشار أوسع، مدعومةً باستخدام مكثف للأدوات التكنولوجية المتقدمة.
- يُظهر الواقع الراهن أن الإعلام الخليجي، والقطري بشكل خاص، بحاجة إلى إعادة نظر شاملة في استراتيجياته، إذ يبدو غير مهيأ بالقدر الكافي لمواجهة حرب إعلامية حديثة ترتكز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
- لا بُدّ من العمل على بناء “سيادة رقمية” حقيقية لتحقيق استجابة فعالة، وهذا هدف استراتيجي لا يمكن أن يتحقق بالجهود الحكومية وحدها، بل يتطلب دعماً واسعاً للقطاع الخاص للاستثمار في تكنولوجيا الإعلام.
- لم تعد المصداقية هي العامل الحاسم الوحيد في العصر الرقمي، حيث إنّ ضخ كمّ هائل من المعلومات المضللة، أو ما يعرف بـ “الإغراق المعلوماتي” قد ينجح في التغطية على الحقيقة وتهميش المصادر الموثوقة.
خالد الخنجي
- تتطلب بناء الثقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور عملية طويلة الأمد وجهداً دؤوباً، إلا أنّ هدم هذه الثقة قد يحدث في لحظة واحدة، مما يجعل الحفاظ على المصداقية أمراً بالغ الأهمية.
- يتجاوز دور الإعلام مجرد نقل الأخبار ليصبح قضية أمن وطني أوقات الصراعات، حيث يؤثر الإعلام بشكل مباشر على وعي المتلقي وعواطفه وسلوكه، مما يستدعي تفنيد السرديات المضادة بفاعلية.
- يُمثّل التعليم ركيزة أساسية في تحصين المجتمع، وذلك من خلال إعداد جمهور واعٍ يمتلك مهارات التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين المعلومات والتحقق من مصادرها قبل التسليم بصحتها.
- يتميز العصر الحالي بالمدة القصيرة التي تجذب انتباه الرأي العالم بالإضافة إلى وجود فوضى معلوماتية هائلة، مما يحوّل التنافس الإعلامي إلى سباق محموم لحيازة انتباه المتلقي كخطوة أولى نحو التأثير فيه.