تتسارع وتيرة الأحداث في أعقاب الهجمات العسكرية المشتركة التي نفذّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في العمق الإيراني، والتي اغتالت فيها عدد من كبار القادة والمسؤولين في إيران، وما تلاها من هجمات إيرانية لم تقتصر على القواعد الأمريكية العسكرية في منطقة الخليج فحسب، بل شملت البنى التحتية المدنية، ومرافق حيوية، وشرايين اقتصادية في قطاع النفط والغاز والصناعات التحويلية.
وتصاعدت وتيرة التغيرات مع اتساع رقعة الحرب وانخراط الجماعات الإقليمية الموالية لإيران في مقدّمتها حزب الله ودخول الجبهة الشمالية الإسرائيلية إلى ساحة المعركة، واحتمالية انخراط جماعة أنصار الله والمليشيات العراقية في هذا الصراع.
في ظلّ هذه التطوّرات، أصبح الصراع جزءاً لا يتجزأ من الديناميكيات الإقليمية والدولية. ولم يعد من الممكن التعامل مع المشهد الحالي على أنه أزمة معزولة عن المنطقة، لما لهذه الحرب من تداعيات استراتيجية واقتصادية وأمنية بعيدة المدى قد تُعيد رسم وجه الشرق الأوسط.
في هذا السياق، يعقد مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، نقاشاً عبر الإنترنت، يستضيف فيه مجموعة من الخبراء الذين سيبحثون في خلفيات التطورات العسكرية والسياسية في سياقاتها الإقليمية والدولية، ويطرحون سيناريوهات التصعيد والتهدئة المحتملة في ضوء الديناميكيات الحالية، مع تسليط الضوء على التداعيات المحتملة لهذا الصراع وأبعاده.
يسعى المجلس من خلال هذا النقاش إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة تتجاوز الأحداث الآنية، وتستكشف ماهية الوضع الحالي من منظور الاحتواء المدروس، أو الانزلاق نحو إعادة هندسة شاملة للنظام الإقليمي.
يركز هذا النقاش على محاور عدّة ويطرح تساؤلات أبرزها ما هو تأثير الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على القدرات العسكرية والقيادية الإيرانية، وكيف توسع الصراع من خلال الردّ الإيراني مع تقييم الاستجابة الإيرانية؟ وماذا عن استهداف إيران للقواعد الأمريكية والمصالح الإسرائيلية والمنشآت الحيوية في دول الخليج؟ وكيف يمكن تقييم التداعيات على أمن الخليج والعراق، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وانعكاساتها على علاقات الدول العربية مع كل من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؟.
حيدر سعيد
- نحن لسنا أمام حالة تُشبه غزو العراق في عام 2003 الذي أدّى لتأسيس نظام جديد من الصفر. لقد صرّح ترامب والمسؤولون الأمريكيون بأنهم لا يسعون لتغيير النظام بشكل جذري، بل يريدون تغيير سلوكه السياسي ليتماشى مع مصالحهم، مع تجنب التورط في عمليات بناء النظام التي استنزفت واشنطن سابقاً وأدّت إلى نتائج كارثية لم تكن في الحسبان.
- الهدف الحقيقي من هذا التصعيد العسكري المكثف هو إضعاف إيران لدرجة تجبرها على العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن وفق شروط صارمة تمليها الولايات المتحدة وإسرائيل. واشنطن تريد اتفاقاً جديداً يتجاوز الملف النووي ليشمل كافة القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي، وهو ما يسعى ترامب لتقديمه كإنجاز تاريخي يكرس صورته كرجل سلام يفرض شروطه بالقوة.
- ما يريده ترامب هو تطبيق ما يمكن تسميته بالنموذج الفنزويلي، أي تغيير رأس النظام المتمثل في القيادة العليا مع الإبقاء على جسد النظام ومؤسساته قائماً. يعتقد ترامب أن إزاحة القيادة الحالية قد تمهد الطريق لبروز قيادة جديدة أكثر براغماتية وانفتاحاً للتعامل مع المطالب الأمريكية، وأنّ جسد النظام سيسارع للمفاوضات من أجل البقاء، وهو تقدير قد يصطدم بتعقيدات الواقع الإيراني المختلف كلياً.
- تشعر دول المنطقة برعب حقيقي من سيناريو انفجار بلد بحجم إيران ومركزيتها، لأن تداعيات ذلك ستكون مدمرة للجميع. لقد رأينا ما حدث عندما تفجر العراق في 2003 وعندما دخلت سوريا في دوامة الفوضى، فكيف سيكون الحال مع بلد معقد إثنياً وطائفياً وله صلات وثيقة بالمشرق وأفغانستان؟ يبقى استقرار إيران، حتى في ظل الخلاف معها، مطلباً إقليمياً لتجنب كارثة جيوسياسية لا يمكن احتواؤها.
- تُمثّل هذه اللحظة الحرجة فرصة تاريخية لصانع القرار العراقي. فتراجع النفوذ الإيراني قد يفتح الباب أمام القوى السياسية العراقية لإعادة تعريف علاقاتها بناءً على المصلحة الوطنية العراقية أولاً، بعيداً عن صراعات المحاور التي جعلت من العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية على حساب شعبه.
راشد المهندي
- لم تعد هذه الحرب محصورة في مواجهة ثنائية، بل هي أصلاً حرب إقليمية شاملة انخرطت فيها سبع جبهات مختلفة في آن واحد. هذا التصعيد غير المسبوق يعكس تحولاً استراتيجياً في المنطقة، حيث تتداخل العمليات العسكرية بين دول وجماعات مسلحة، مما يجعل من الصعب التنبؤ بنهاية قريبة لهذا الصراع الذي تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية، وأصبح يهدد أمن واستقرار الممرات المائية والطاقة العالمية بشكل مباشر.
- تشير البيانات الميدانية إلى أن القدرة القتالية للإيرانيين آخذة في التناقص مع مرور الأيام نتيجة الضربات المركزة على منصات الإطلاق والمخازن. هناك انخفاض ملحوظ في وتيرة إطلاق الصواريخ من مئات في اليوم الأول إلى أعداد أقل بكثير لاحقاً، مما يدل على تأثّر البنية التحتية العسكرية لإيران وفقدانها للزخم الهجومي، وهو ما قد يدفعها في النهاية للبحث عن مخرج دبلوماسي بعد تآكل قدرتها على الاستمرار.
- هناك تفكّك واضح في نظام القيادة والسيطرة الإيراني بعد العمليات التي استهدفت القيادات العليا، مما أدى إلى غياب المركزية في اتخاذ القرار العسكري. نلاحظ الآن تضارباً في الرسائل السياسية والعسكرية، وخروج بعض الوحدات عن العقيدة القتالية المعتادة بضرب أهداف مدنية بشكل عشوائي، وهو ما يحدث عادة عندما تفقد القوات المسلحة تواصلها المباشر مع غرفة العمليات المركزية والقيادة السياسية العليا للدولة.
- أثبتت دول الخليج كفاءة عالية جداً من خلال استثماراتها الدفاعية في العقدين الأخيرين، حيث نجحت في التصدي لغالبية الهجمات الصاروخية. على سبيل المثال، حققت قطر نسبة تصدّي بلغت 97% للصواريخ الباليستية، وهي نسبة تتفوق على الدفاعات الإسرائيلية رغم قصر المسافة الجغرافية والتحديات العملياتية الصعبة. يعكس هذا النجاح جاهزية القوات المسلحة الخليجية وقدرتها على حماية أراضيها وسيادتها بشكل مستقل وفعال جداً.
- الأخطر في هذا الصراع هو ضرب إيران لأهداف مدنية ومنشآت وطنية داخل الدول الوسيطة خصوصاً قطر وعمان، مما يمثل عدواناً مباشراً على دول كانت تسعى دائماً للمسارات الدبلوماسية. سيُحدث هذا التوجه الإيراني نقلة نوعية في الوعي الأمني الخليجي ويُعيد رسم السياسات الدفاعية والتحالفات الإقليمية لعقود قادمة.
شفيق شقير
- إسرائيل ترى في هذه الحرب فرصة ذهبية وتاريخية لا تعوض لإسقاط النظام الإيراني وتفكيك نفوذه الإقليمي مرة واحدة وللأبد. هي لا تكترث مطلقاً بالتداعيات الكارثية التي قد تنعكس على استقرار المنطقة أو حتى على حلفائها في أوروبا، لأن الأولوية القصوى لها هي إزالة ما تصفه بالتهديد الوجودي. بالنسبة لتل أبيب، الفوضى في إيران هي بديل أفضل بكثير من بقاء نظام قوي يهدد أمنها القومي.
- لا يستهدف ترامب تدمير الترسانة العسكرية والملف النووي الإيراني فحسب، بل يسعى لضرب المخزون الأيديولوجي والمصداقية التي يرتكز عليها النظام أمام أتباعه. هو يريد كسر هيبة ‘محور المقاومة’ وإثبات عجز النظام عن حماية نفسه وقياداته، مما يؤدي إلى تآكل الشرعية الأيديولوجية للنظام في الداخل والخارج، ويهيئ الظروف لتغيير بنيوي في طبيعة الحكم وسلوكه السياسي تجاه العالم والمنطقة.
- يجد ترامب نفسه الآن في وضع يشبه وضع نتنياهو، حيث أصبح بحاجة ماسة لتحقيق نصر ساحق يضعه على الطاولة لتعزيز موقفه السياسي والشخصي. لن يقبل ترامب بأقل من تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني وسلوكه الإقليمي، وإلا فإنه سيمضي بالخيار العسكري إلى أبعد مدى ممكن. سيبقى الضغط مستمراً حتى تذعن طهران بالكامل لشروطه، مما يجعلنا أمام مرحلة حاسمة ستحدد وجه المنطقة لسنوات طويلة.